- زاد إيران - المحرر
- 370 Views
نشرت صحيفة اطلاعات الإيرانية، الخميس 18 سبتمبر/أيلول 2025، في تقرير لها، أن مسار منظمة أوبك خلال العقود الماضية كان دائما متأثرا بمواقف بلدانها المؤسسة، وفي مقدمتها إيران، حيث تداخلت القرارات النفطية مع الاعتبارات السياسية والإقليمية وأثرت على قوة المنظمة في الأسواق العالمية.
صناعة النفط
ذكرت الصحيفة أن الفترة من العاشر حتى الرابع عشر من سبتمبر/أيلول من كل عام تُذكّر العاملين في صناعة النفط بتشكيل منظمة “أوبك”، وهي المنظمة التي أُنشءت عام 1960 من رحم الاعتراض على الشركات المتعددة الجنسيات، وسرعان ما تحوّلت إلى لاعب مهم في سوق الطاقة العالمي.
وتساءلت الصحيفة: كيف تشكّلت “أوبك”؟ وما الدور الذي أدّته في التحولات العالمية؟ وهل ما تزال هذه المنظمة بعد مرور 65 عاما على تأسيسها تحتفظ بفعاليتها؟
وأوضحت أن منظمة الدول المصدّرة للنفط، المعروفة اختصارا بـ”أوبك” (OPEC)، هي تحالف نفطي دولي تأسس باجتماع كل من المملكة الإيرانية في عهد البهلويين، والجمهورية البعثية العراقية، ومملكة الكويت، والمملكة المتحدة لفنزويلا، والمملكة العربية السعودية.
وأضافت أن المقر الدولي للمنظمة كان عند تأسيسها عام 1960 في مدينة جنيف السويسرية، قبل أن يُنقل عام 1965 إلى العاصمة النمساوية فيينا.
وبيّنت أن أسعار النفط انخفضت مرتين في أواخر عقد الخمسينيات، الأمر الذي جعل الدول النفطية، التي كانت لديها برامج للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، تواجه أزمات مالية وعجزا في ميزانياتها لتنفيذ هذه البرامج.
وهذه التحديات دفعت تلك الدول إلى قناعة بضرورة القيام بتحرك جماعي، خاصة وأن شركات النفط كانت تعمل بشكل منسّق فيما بينها.
وتابعت أن الحكومة العراقية حديثة التأسيس آنذاك، دعت في سبتمبر/أيلول 1960 كلا من إيران والكويت والسعودية وفنزويلا إلى اجتماع في بغداد، للتفاوض بشأن خفض أسعار المواد الخام المنتَجة من قِبل دولها.

الأزمات السياسية والعسكرية
ذكرت الصحيفة أن هذه الدول، بهدف حماية مصالحها، أقدمت على تأسيس منظمة موحّدة أُطلق عليها اختصارا اسم “أوبك”.
وأوضحت أن هذه المنظمة نشأت في مواجهة شركات النفط الكبرى المعروفة باسم “الأخوات السبع”، التي كانت تمتلك تقنيات إنتاج النفط وتسيطر على شبكات نقل النفط الخام، وكانت تمنع ارتفاع الأسعار وتحافظ على قيمته منخفضة بشكل مصطنع في الأسواق.
وأضافت أن تأسيس “أوبك” منح حياة جديدة لمسار التقارب بين دول العالم الثالث، وأسهم في إيجاد قوة تفاوضية في مواجهة الدول الغنية، إذ إن معظم دول العالم الثالث آنذاك لم يكن لديها سوى المواد الخام لتصديرها.
وبيّنت أن الدكتور فؤاد روحاني من إيران كان أول أمين عام لأوبك، وتولّى هذا المنصب لمدة ثلاث سنوات.
وتابعت أن عدد الدول المصدّرة للنفط من خارج “أوبك” شهد في العقود الأخيرة تزايدا، الأمر الذي أجبر المنظمة على التفاهم معها، وعلى رأسها روسيا، للحفاظ على أسعار النفط الخام، ومع ذلك، فإن الدول الأعضاء في “أوبك”، التي ترتبط بعض قياداتها بعلاقات تبعية خارجية، لا تتمتع بانسجام كامل مع باقي أعضاء المنظمة.
وأشارت إلى أنه بينما بلغت “أوبك” عامها الخامس والستين، فإن بروز تحديات مثل ظهور مصادر الطاقة الجديدة، والتكهنات بشأن نهاية عصر الطاقة الأحفورية، فضلا عن الأزمات السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط وغرب آسيا، خلق تحديات جديدة لهذه المنظمة العريقة، ما يستلزم تغييرا في نهجها.
ونقلت عن حجت الله غنيمي فرد، الرئيس السابق لقسم الدراسات النفطية في “أوبك” والمدير الأسبق للشؤون الدولية في شركة النفط الوطنية الإيرانية، قوله لوكالة “شانا” إن “أوبك” تملك نحو 79.5 بالمئة من احتياطيات النفط العالمية، يتركز 67.2 بالمئة منها في منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا.
وأوضح أن حجم إنتاج أعضاء “أوبك” عند تأسيسها، بالنظر إلى استهلاك النفط عالميا ولا سيما في الدول الصناعية، كان عاملا حاسما، ومنحها قدرة تفاوضية أكبر بكثير مما هي عليه اليوم.
وأضافت الصحيفة أن غنيمي فرد أوضح أن امتلاك هذا الحجم من الاحتياطيات، إلى جانب ما يوفّره من مزايا اقتصادية، كان أحيانا سببا في تعرّض الدول المستهلكة للنفط للضغط أو الهجوم.
وأشار إلى أنه في مراحل مختلفة من التاريخ نشبت حتى بين أعضاء “أوبك” صراعات داخلية، الأمر الذي أتاح للدول المستهلكة فرصة استغلال هذه الخلافات لتحقيق مكاسب أكبر عبر إضعاف المنظمة.
وتابعت أن المدير الأسبق للشؤون الدولية في شركة النفط الوطنية الإيرانية شدّد على أن مراجعة التاريخ تُظهر أنه في الفترات التي ساد فيها التضامن بين الأعضاء، كانت “أوبك” تتمتع بمكانة قوية وقدرة تفاوضية معتبرة، غير أن الخلافات الداخلية وضغوط الدول المستهلكة كانت أحيانا تضعف المنظمة.
وبيّنت أن غنيمي فرد، في إشارته إلى أزمة النفط عام 1973 كواحدة من المحطات البارزة في تاريخ “أوبك”، أكّد أن الحروب المتعددة بين الدول العربية والاحتلال الإسرائيلي في تلك الأعوام أدّت إلى اتساع الفجوة بين بعض الدول المنتِجة للنفط داخل المنظمة.
وضرب مثالا بإيران في عهد الشاه، التي رغم قرار “أوبك” القاضي بتقييد صادرات النفط، واصلت تزويد الاحتلال الإسرائيلي بالنفط.
وأوضح أن هذه القضايا تعكس أن القرارات السياسية والإقليمية ظلّت على الدوام ذات تأثير مباشر في تفاعلات “أوبك” وقدرتها التفاوضية.

هل ما تزال “أوبك” مؤثرة؟
وأوضحت الصحيفة أن المدير الأسبق للشؤون الدولية في شركة النفط الوطنية الإيرانية قال بشأن موقع “أوبك” الحالي في صناعة النفط العالمية: “ينبغي أن نأخذ في الاعتبار أن حصة إنتاج المنظمة من النفط عالميا تبلغ اليوم نحو 40 بالمئة، يذهب جزء منها للاستهلاك الداخلي فيما يُصدَّر الباقي”.
وأضاف أن ما يحدّد المفاوضات والتعاونات الدولية هو في الحقيقة حجم الصادرات، مشيرا إلى أن تراجع متوسط استهلاك النفط عالميا، فضلا عن انخفاض اعتماد الدول الصناعية على نفط “أوبك”، كلها عوامل أثّرت في تقليص قوة المنظمة.
وتابعت الصحيفة أن غنيمي فرد شدّد على أن أكبر تهديد يواجه “أوبك” يتمثل في إغفالها مشاكل المستهلكين، سواء الدول الصناعية أو غير الصناعية، في أبحاثها وقراراتها، والاكتفاء بالتركيز على مصالح المنتجين فقط.
وبيّنت أنه أشار إلى تأسيس “أوبك بلاس” كأحدث خطوة بارزة للمنظمة، موضحا أن “أوبك” شكّلت عام 2017 بالاشتراك مع دول غير أعضاء ائتلاف “أوبك بلاس” لتنسيق إنتاج النفط.
وهدف هذا الإجراء كان منع تقلبات الأسعار الحادة، وضمان تلبية احتياجات السوق، وحماية مصالح كل من المنتجين والمستهلكين، وأكد أن قرارات “أوبك بلاس” أصبحت اليوم متفوقة على “أوبك”.
وأردفت أن الرئيس الأسبق لقسم الدراسات النفطية في “أوبك”، في معرض رده على سؤال حول احتمال انسحاب الدول الخمس المؤسسة يوما ما من المنظمة، قال إن العلاقة بين هذه الدول في مجال النفط والقضايا المرتبطة به كانت جيدة جدا، حتى في السنوات التي بلغت فيها علاقة إيران والسعودية أقصى درجات التوتر.
وأوضح أنه خلال عمله في الأمانة العامة كان شاهدا على أن أرفع مسؤولي هذه الدول كانوا يشيرون في أحاديثهم غير الرسمية إلى إيران كبلد محل ثقة، مؤكدين ضرورة حل الخلافات السياسية، والتشديد على أن هذه المشاكل يجب ألا تنعكس على تعاملات “أوبك”.
وختمت صحيفة “اطلاعات” الإيرانية تقريرها، بنقل تصريحات غنيمي فرد الذي أكد: “لا أعتقد أن أيا من الدول المؤسسة ستنسحب من أوبك”.
وأوضح بشأن عضوية المنظمة أن بعض أعضائها الحاليين انضموا خلال أقل من عشرة أعوام مضت، رغم أن إنتاجهم النفطي محدود، ويبدو أن قبول عضويتهم جاء لأسباب سياسية أكثر من كونه لأسباب إنتاجية.
وأضاف أن دولا أخرى انضمت إلى المنظمة عبر التاريخ ثم انسحبت لاحقا، من بينها إندونيسيا التي تحولت إلى مستهلك صافٍ للنفط، وقطر التي قررت إنهاء عضويتها بسبب تراجع إنتاجها ولأسباب سياسية واقتصادية.
وبيّن أن “أوبك”، رغم التحديات السياسية والحروب والعقوبات وتغيّر العضويات، ما تزال تلعب دورا مهما في سوق النفط العالمي وتشكل جزءا أساسيا من تاريخ واقتصاد الطاقة في العالم.
وأعرب عن اعتقاده أنه إذا ما جرى اتخاذ قرارات عقلانية بشأن النفط وفهم موقعه الحقيقي ضمن مزيج الطاقة العالمي خلال السنوات المقبلة، فإن “أوبك” ستحافظ أيضا خلال الثلاثين عاما القادمة على مكانة رفيعة.