- زاد إيران - المحرر
- 418 Views
في خضم موجة الاحتجاجات الواسعة داخل إيران، وما رافقها من تقارير عن سقوط أعداد كبيرة من القتلى واعتقالات جماعية وقطع شبه كامل للاتصالات، بدأت تتبلور خلال الأيام الماضية ملامح تحرك سياسي متزامن على أكثر من مستوى. ففي الوقت الذي تصاعدت فيه الإدانات الأوروبية والأممية لما وصفوه بالحملة القمعية للنظام، ظهرت مؤشرات على إعادة تموضع محسوبة داخل واشنطن، عكستها تسريبات عن لقاء سري جمع مبعوثا أميركيا من البيت الأبيض مع رضا بهلوي، هذا التوازي بين الدبلوماسية الصامتة والضغوط العلنية منح المشهد بعدا جديدا، وجعل من التطورات السياسية خارج إيران عنصرًا لا يقل أهمية عن ديناميات الشارع في الداخل.
لقاء ويتكوف مع رضا بهلوي… خبر سري يختبر حدود الانخراط الأميركي
حسب ما نقلته تقارير صحافية أميركية على رأسها أكسيوس، فقد عقد ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص للبيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط والمقرب من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لقاء وصف بالسري مع رضا بهلوي، نجل الشاه الإيراني المخلوع، خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي. ووفق هذه التقارير، تركز النقاش على الاحتجاجات الجارية داخل إيران، واتساع رقعتها، وطبيعة المزاج الشعبي في ظل القمع والانقطاع شبه التام للمعلومات، إلا أن أهمية هذا اللقاء لم تنبع فقط من الموضوعات التي نوقشت، بل من رمزيته السياسية وتوقيته الحساس.

هذا فيما تداولت وسائل الإعلام الأميركية هذا اللقاء بوصفه أول تواصل رفيع المستوى بين إدارة ترامب وشخصية معارضة إيرانية بارزة منذ اندلاع موجة الاحتجاجات الأخيرة، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول الغاية الحقيقية منه، حيث طرح المراقبون أسئلة حول ما إذا كان هذا اللقاء مجرد تحرك استطلاعي لجمع تقديرات عن المشهد الداخلي الإيراني، أم أنه جزء من نقاش أوسع داخل الإدارة الأميركية حول خيارات التعامل مع الأزمة؟ في حين أن غياب التفاصيل الرسمية، وامتناع البيت الأبيض عن التعليق المباشر، عززا مناخ الغموض، وتركَا المجال مفتوحًا لتفسيرات متباينة.

اللافت أن هذا اللقاء جاء في وقت كانت فيه إدارة ترامب تبدي، علنا، تحفظا واضحا تجاه قدرة رضا بهلوي على لعب دور قيادي داخل إيران، حيث صرح ترامب في مناسبات سابقة تصريحات تشكك في إمكانية أن يكون بهلوي قادرا على الحكم أو إدارة مرحلة انتقالية معقدة داخل بلد يواجه انقسامات عميقة وأجهزة أمنية متجذرة، غير أن هذا التشكيك لم يمنع واشنطن من فتح قناة تواصل معه، وهو ما يعكس براغماتية سياسية أكثر منها تبنيا فعليا لشخصه، ومن هذا المنظور، يرى مراقبون أن اللقاء لا يعني بالضرورة تغيرا جذريا في موقف الإدارة الأميركية من بهلوي، بقدر ما يعكس رغبة في توسيع دائرة الاستماع وعدم حصر التقديرات في مصادر رسمية أو استخباراتية فقط، فالإدارة التي لا ترى بديلا واضحا وجاهزا، تميل في العادة إلى اختبار مختلف الفاعلين، ولو بشكل غير معلن، لفهم وزنهم الحقيقي ومدى حضورهم في الشارع أو في الوعي العام للمتظاهرين.

ردود الفعل الأوروبية والأممية… إدانة ما أسموه بالقمع وترسيخ خطاب الحقوق
في المقابل، أخذ الموقف الأوروبي يزداد وضوحا في لغته العلنية، إذ صدرت خلال الأيام الماضية بيانات وتصريحات متتالية أدانت القمع العنيف للاحتجاجات في إيران، فقد أعلن قادة ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، في بيان مشترك، إدانتهم لاستخدام القوة ضد المتظاهرين، معربين عن قلقهم البالغ إزاء سقوط قتلى، وداعين السلطات الإيرانية إلى ضبط النفس واحترام الحق في التظاهر السلمي وحرية التعبير.

هذه الإدانة لم تبق في الإطار الجماعي فقط، بل ترافقت مع مواقف فردية لمسؤولين أوروبيين شددوا على البعد الأخلاقي والحقوقي للأزمة، فقد وصفوا التقارير عن قتل المتظاهرين بأنها مروعة وغير مقبولة، مع التأكيد على أن قطع الإنترنت والإتصالات يعكس خوف السلطة من المجتمع أكثر مما يعكس اعتبارات أمنية مشروعة. وبرز في هذا السياق خطاب يربط بين حرية الاتصال وحرية الاحتجاج، باعتبارهما عنصرين متلازمين في أي مجتمع يحترم الحقوق الأساسية.
على مستوى الأمم المتحدة، اتخذت المفوضية السامية لحقوق الإنسان موقفا أكثر تفصيلا، داعية إلى تحقيقات سريعة ومستقلة وشفافة في جميع حالات القتل، ومحاسبة المسؤولين عنها وفق المعايير الدولية، كما أعرب المفوض السامي، فولكر تورك، عن قلقه الشديد من الانقطاع الواسع للإنترنت، محذرا من تأثيره على حرية التعبير، وعلى قدرة المدنيين والصحافيين والمنظمات الحقوقية على توثيق الانتهاكات والوصول إلى المعلومات والخدمات الأساسية.

تعزز هذا التوجه ببيانات صادرة عن خبراء أمميين وبعثات تقصي حقائق، طالبت السلطات الإيرانية بوقف القمع فورا على حد تعبيرهم، وإعادة الاتصالات، وضمان حق التجمع السلمي دون خوف من الانتقام. ورغم أن هذه المواقف لا تحمل أدوات تنفيذية مباشرة، فإنها تسهم في بناء ضغط سياسي ومعنوي متراكم، وتضع ما يجري في إيران ضمن إطار المساءلة الدولية، لا باعتباره شأنا داخليا محضا.
الخيارات الأميركية… بين الضغط المحدود والسيناريوهات الأوسع
بالتوازي مع هذه التحركات الدبلوماسية، احتلت مسألة الخيارات الأميركية حيزا واسعا في التحليلات الإعلامية، فقد أشارت تقارير أميركية إلى أن الرئيس ترامب اطلع على طيف من البدائل، تتراوح بين إجراءات ضغط غير عسكرية، وخيارات عسكرية محدودة أو أوسع نطاقا، في حال استمرار الوضع على ما هو عليه، غير أن هذه التقارير شددت في الوقت ذاته على أن أي قرار نهائي لم يتخذ بعد، وأن الحسابات لا تزال معقدة.

تتوزع هذه الخيارات، بحسب ما يتداول، على عدة مستويات، فهناك أولا أدوات الضغط غير المباشر، مثل تشديد العقوبات، أو استخدام الوسائل السيبرانية والتقنية للمساعدة في كسر العزلة المعلوماتية التي فرضتها السلطات الإيرانية، وهناك ثانيا سيناريو الضربات المحدودة والدقيقة، التي تهدف إلى توجيه رسالة ردع سياسية أكثر من إحداث تغيير ميداني شامل، وأما السيناريو الثالث، الأكثر كلفة ومخاطر، فيتعلق بضربات أوسع قد تستهدف بنى عسكرية أو أمنية مرتبطة مباشرة بالقمع الداخلي.

غير أن المعضلة الأساسية التي تواجه واشنطن، وفق كثير من المحللين، تكمن في صعوبة تحويل أي تحرك خارجي إلى نتيجة سياسية واضحة داخل إيران. فالقوة العسكرية، حتى لو كانت دقيقة، لا تضمن بالضرورة وقف القمع أو تغيير سلوك السلطة، وقد تحمل في المقابل مخاطر تصعيد إقليمي أو ردود انتقامية. لهذا السبب، يبدو أن الإدارة الأميركية تحاول، حتى الآن، إبقاء جميع الخيارات على الطاولة، من دون الانزلاق إلى التزام مكلف أو إعلان مسار لا يمكن التراجع عنه.
في المحصلة، يكشف المشهد الراهن عن تداخل ثلاث مسارات متوازية، تواصل أميركي حذر مع شخصيات معارضة لاختبار الأوزان والبدائل، ضغط أوروبي وأممي متصاعد يركز على الحقوق والقانون الدولي، ونقاش أميركي داخلي مفتوح حول حدود التدخل وأدواته. وبينما يظل الداخل الإيراني العامل الحاسم في مسار الأحداث، فإن شكل التفاعل الخارجي ومدى تحوله من بيانات ومشاورات إلى أفعال سيبقى عنصرا مؤثرا في تحديد مآلات الأزمة خلال المرحلة المقبلة.

