- محمود شعبان
- 614 Views
في خضم أجواء إقليمية مشحونة بالتوترات والتحالفات المتشابكة، عاد ملف العلاقة بين إيران وأذربيجان إلى واجهة المشهد، مدفوعا باتهامات إيرانية غير مباشرة بشأن استخدام المجال الجوي الأذري في هجمات نفذتها إسرائيل ضد أهداف داخل الأراضي الإيرانية. وبينما نفت باكو هذه المزاعم بشدة، مؤكدةً سيادتها الكاملة على مجالها الجوي ورفضها أي استغلال إقليمي ضد جيرانها، فإن طهران أبدت قلقا متزايدا مما وصفته بالاختراق الإسرائيلي المتنامي عند حدودها الشمالية.
فخلال مكالمة هاتفية طلب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، من نظيره الآذري، إلهام علييف، الخميس 26 يونيو/حزيران 2025، التحقق من تقارير تفيد باستخدام إسرائيل المجال الجوي لأذربيجان لشن هجمات على إيران، مؤكدا أن إسرائيل خرقت القانون الدولي باستهداف منشآت نووية ومناطق مدنية، ومشيرا إلى أن الهجوم وقع في أثناء مفاوضات دبلوماسية، ما أدى إلى توقفها.

بدوره، نفى الرئيس الأذربيجاني هذه المزاعم، مؤكدا عدم السماح باستخدام أجواء بلاده ضد إيران، ومشددا على سيطرة بلاده الكاملة على مجالها الجوي. كما عبر عن رغبته في تعميق التعاون مع إيران، داعيا إلى عقد اجتماع ثلاثي في باكو مع مشاركة روسية؛ لمناقشة مشروع ممر الشمال الجنوب.
قبلها، كان وزير خارجية أذربيجان، جيحون بايراموف، قد أجرى اتصالا هاتفيا بنظيره الإيراني، عباس عراقجي، السبت 14 يونيو/حزيران 2025، أعرب فيه عن تعازيه في قتلى ومصابي الهجمات الإسرائيلية، مؤكدا تضامن حكومة وشعب أذربيجان مع إيران، كما شدد بايراموف على أن بلاده لن تسمح باستخدام مجالها الجوي أو أراضيها لشن هجمات على إيران أو أي دولة أخرى.

خلفيات توتر قديم بين إيران وأذربيجان
لم تكن تلك المزاعم لتلقى أصداء واسعة بالداخل الإيراني إلا في ظل العلاقات المتوترة بين البلدين، فالعلاقات بين إيران وأذربيجان اتسمت تاريخيا بالتذبذب والتوتر، رغم الروابط الجغرافية والدينية والاقتصادية التي تجمع بين البلدين، ومنذ حرب ناغورنو قره باغ، التي بدأت في ثمانينيات القرن الماضي، ازداد التباعد، خاصة مع دعم إيران غير المباشر لأرمينيا، في مقابل تحالف أذربيجان مع تركيا وإسرائيل. هذه التحالفات، التي شملت اتفاقيات دفاعية وتبادلا تقنيا، غدت مخاوف طهران من تطويقها سياسيا وأمنيا.

فمن جانبها، ترى إيران في التوسع الإسرائيلي عند حدودها الشمالية تهديدا مباشرا لها، خصوصا في ظل معلومات استخباراتية تتحدث عن نشاطات استخباراتية وتجسسية مصدرها الأراضي الأذرية، أو ما تطلق عليه طهران الاختراق الإسرائيلي عبر القوقاز، وعلى الجانب الآخر، ترى أذربيجان في العلاقة مع إسرائيل شراكة استراتيجية ضرورية لموازنة النفوذ الإيراني في المنطقة، والحصول على التقنيات العسكرية الحديثة.
كما أن مشروع ممر زنجزور الذي تسعى أذربيجان إلى تنفيذه بدعم من أنقرة، يُنظر إليه في طهران بوصفه تهديدا جيوسياسيا؛ لما له من تداعيات محتملة على طريق إيران البري إلى أرمينيا وأوروبا. هذا المشروع من شأنه، بحسب محللين إيرانيين، أن يعزل إيران جزئيا عن التمدد غربا، ويحوّل منطقة القوقاز إلى ساحة نفوذ مشترك بين أنقرة وتل أبيب.

وتتهم إيران باكو بالسماح بنشاط ديني غير رسمي تموله أطراف خارجية، يهدف إلى اختراق المجتمع الإيراني التركي. في المقابل، تتهم أذربيجان طهران بمحاولة التأثير على التركيبة الداخلية للبلاد من خلال دعم تيارات دينية شيعية، ما يزيد من توتر العلاقات في بيئة سياسية حساسة.
هل يمكن أن تنطلق عمليات إسرائيلية من أجواء أذربيجان؟
السؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق هو: هل يمكن أن تستخدم إسرائيل بالفعل الأراضي أو الأجواء الأذرية لتنفيذ عمليات عسكرية ضد إيران؟ ورغم أنه لا توجد مؤشرات مؤكدة على ذلك، فإن التصريحات الصادرة عن مسؤولين وخبراء إيرانيين تشير إلى قلق متزايد من هذا السيناريو، ويعزز هذه المخاوف العلاقات الدفاعية الوثيقة بين باكو وتل أبيب، التي تشمل صفقات طائرات مسيّرة وتقنيات مراقبة حديثة.

بعض التقارير غير الرسمية تحدثت عن سماع أصوات طيران عسكري ليلي فوق شمال إيران، وهي روايات فسرها البعض على أنها تشير إلى مرور طائرات عبر الأجواء الأذرية، كما تداولت وسائل إعلام إيرانية وأجنبية مزاعم بشأن وجود بنى تحتية إسرائيلية في قواعد داخل أذربيجان، لكن لم يتم تأكيد أي من هذه المعلومات من جهات مستقلة.
ورغم النفي المتكرر من قبل السلطات الأذرية، فإن القلق الإيراني لم ينحسر، بل زاد في ضوء مشاركة إسرائيلية متزايدة في تدريبات عسكرية مع أذربيجان، إضافة إلى زيارات متكررة لمسؤولين عسكريين إسرائيليين إلى باكو. كما أن بعض الطائرات التي استخدمتها إسرائيل في عمليات بعيدة المدى، يُعتقد أنها من طراز قادر على الانطلاق من قواعد في أذربيجان، ما يزيد من حساسية هذه المزاعم.
في المقابل، لم تصدر أذربيجان أي إشارات رسمية توحي بقبولها أو استعدادها لتسهيل مثل هذه العمليات، بل تؤكد دوما استقلالية قرارها، وحرصها على تجنب التورط في الصراعات الإقليمية الكبرى، غير أن المراقبين يرون أن الجغرافيا السياسية المعقدة، وتداخل التحالفات الإقليمية، قد تفتح المجال لاستخدام مؤقت أو غير مباشر للبنية التحتية الأذرية، وضمن ذلك المجال الجوي.
كما يثير بعض المحللين إمكانية وجود نشاط إسرائيلي غير معلن في المناطق الشمالية من إيران، أو عبر المجال السيبراني، دون الحاجة إلى عمليات جوية تقليدية. وهو ما يجعل التحقق من استخدام الأجواء الأذرية مسألة معقدة، تتداخل فيها الشكوك مع محدودية الأدلة.
سيناريوهات المستقبل: تهدئة أم تصعيد؟
في ظل المشهد الحالي، فإن إمكانية إيجاد مسار حتمي نحو التصعيد بين إيران وأذربيجان أمر غير مرجح، لكنها في الوقت نفسه لا تستبعد احتمالات التدهور إذا استمرت حالة عدم الثقة، أو ظهرت معطيات ميدانية جديدة تدعم الشكوك الإيرانية. فالمعادلة دقيقة، والقرارات في مثل هذه الأزمات لا تُبنى فقط على النوايا المعلنة، بل على طبيعة التحالفات القائمة، والهواجس الأمنية التي تراكمت على مدى سنوات، خصوصا من الجانب الإيراني.
وبينما تسعى إيران إلى تأكيد حضورها الإقليمي ومنع تطويقها من قبل خصومها، تحاول أذربيجان تعزيز موقعها الجيوسياسي، بالاستفادة من الشراكات الجديدة دون خسارة علاقات الجوار، وفي هذا السياق، قد تلعب اللقاءات الثنائية، والتحركات الدبلوماسية، دورا مهما في خفض مستوى التوتر، إذا تمكن الطرفان من إدارة الخلافات بعيدا عن المواقف العلنية.

