- محمود شعبان
- متميز
- 839 Views
كتب: ربيع السعدني
في 25 يونيو/حزيران 2025، سكتت أصوات القصف المتبادل بين إسرائيل وإيران بعد 12 يوما من حرب مدمرة، لكن الدمار الذي خلّفته لا يزال يتردد في أرجاء المجتمع الإسرائيلي.. هذه الحرب، التي وُصفت بأنها الأعلى تكلفة منذ نصف قرن، كبدت إسرائيل خسائر مادية ومعنوية تفوق بـ300 مرة التكلفة اليومية لمعركة “عاصفة الأقصى” عام 2023.
على مدار عقود، خاضت إسرائيل مواجهات “غير متكافئة” مع حركات مقاومة مثل حماس في غزة وحزب الله في لبنان كانت هذه الصراعات تتركز في مناطق حدودية، بتكاليف مادية ونفسية محدودة نسبيا، لكن حرب الـ12 يوما مع إيران، التي بدأت في 13 يونيو/حزيران 2025، كانت نقطة تحول لم تكن هذه مواجهة مع فصيل مقاومة، بل حرب تقليدية ضد دولة تمتلك ترسانة عسكرية متقدمة، مما جعلها تشبه حرب يوم الغفران في نطاقها وتأثيرها.
سمات الحرب التقليدية التي هزت إسرائيل
تُكلّف الحرب بين إسرائيل وإيران الحكومة الإسرائيلية مئات الملايين من الدولارات يوميا، وفقا لتقرير نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال”:
تكاليف مادية فلكية: استُهلكت موارد ضخمة في استخدام أنظمة دفاعية مثل “القبة الحديدية” و”السهم”، وصواريخ هجومية، وأساطيل طائرات (إف-35 وإف-16).
التكاليف اليومية:
• تأتي التكلفة الرئيسية من تفعيل أنظمة الدفاع مثل مقلاع داود وأفون 2 و3، والتي يمكن أن تتكلف كل منها ما بين 700 ألف دولار و4 ملايين دولار لاعتراض كل صاروخ.
• تبلغ تكلفة الرحلات المتكررة لطائرات إف-35 المقاتلة إلى السماء الإيرانية نحو 10 آلاف دولار لكل ساعة طيران، إضافة إلى استخدام القنابل الدقيقة مثل JDAM وMK-84.
إضافة إلى حجم الإنفاق العسكري، تحتاج إسرائيل إلى إنفاق ما لا يقل عن 400 مليون دولار لإعادة بناء البنية التحتية والمباني المتضررة.
الآثار النفسية

عبر مواطنون على منصة “إكس” عن حالة رعب غير مسبوقة، كتب أحدهم: “صواريخ إيران ليست كصواريخ غزة أو لبنان، المباني تنهار، والخوف يعم الجميع هذه حرب حقيقية”.
وأضاف آخر: “إيران دولة بقوة حقيقية، بعد أسبوع ونصف، نشعر أننا على حافة الانهيار”، تعكس هذه التصريحات مدى التأثير النفسي العميق، الذي وُصف بأنه الأشد منذ عقود، متجاوزا بكثير آثار “عاصفة الأقصى”.
5 مليارات دولار خسائر
وفقا لتقديرات وزارة المالية الإسرائيلية، بلغت التكلفة اليومية لقطاع الدفاع وحده 200 مليون دولار، تشمل تشغيل أنظمة الدفاع وصيانة الأساطيل الجوية، عند إضافة تكاليف الذخائر، والصواريخ الهجومية والدفاعية، وإعادة إعمار المناطق المدمرة، ترتفع التكلفة اليومية إلى 400 مليون دولار، وبذلك، بلغت التكلفة الإجمالية للحرب نحو 5 مليارات دولار خلال 12 يوما، وهي فاتورة وصفتها صحيفة “وول ستريت جورنال” بأنها من بين الأعلى في تاريخ إسرائيل.
وبحسب وكالة أنباء الطلبة الإيرانية “إيسنا”، يشير تقرير لموقع “فايننشيال إكسبريس” إلى أن النظام الإسرائيلي أنفق نحو خمسة مليارات دولار في الأسبوع الأول من عدوانه العسكري على إيران، فيما بلغت التكاليف اليومية للحرب 725 مليون دولار، منها 593 مليون دولار مخصصة للهجمات و132 مليون دولار للإجراءات الدفاعية والتعبئة العسكرية.
وذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن التكلفة اليومية لأنظمة الدفاع الصاروخي بالنسبة للنظام الإسرائيلي تتراوح بين 10 ملايين دولار و200 مليون دولار، وبحسب معهد آرون للسياسة الاقتصادية في إسرائيل، فإن التكلفة الإجمالية قد تصل إلى أكثر من 12 مليار دولار لو استمرت الهجمات لمدة شهر.

صحيفة “ذا ماركر” الاقتصادية الإسرائيلية أكدت أن الخسائر العسكرية وحدها وصلت إلى 1.5 مليار دولار بحلول اليوم الثامن (21 يونيو/حزيران 2025)، هذا الرقم يفوق بضعفين خسائر “عاصفة الأقصى” على مدار 21 شهرًا، مما يعني أن التكلفة اليومية للحرب مع إيران كانت أعلى بـ300 مرة من تلك المعركة.
وكشفت وزارة المالية الإسرائيلية أن الموارد المالية الحالية للنظام تتناقص بسرعة، مطالبةً بتحويل 857 مليون دولار إلى وزارة الدفاع، إضافة إلى خفض ميزانيات وزارات الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية بمقدار 200 مليون دولار، وذكرت صحيفة “غلوبس” المالية الإسرائيلية أن معظم هذه الأموال ستُستخدم لتغطية تكاليف العسكريين.
أسباب التكلفة العالية
أجبرت إيران إسرائيل على استنزاف مواردها الدفاعية باستخدام صواريخ دقيقة ومتقدمة تسببت في:
▪︎ دمار واسع: استهدفت الهجمات بنية تحتية حيوية، مما زاد من تكاليف إعادة الإعمار.
▪︎ تعبئة شاملة: تطلبت الحرب استنفارا عسكريا غير مسبوق، شمل كامل الترسانة الجوية والدفاعية.
▪︎ عجز الموازنة: قفزة من 8% إلى 15% كانت “عاصفة الأقصى” عام 2023 قد رفعت عجز الموازنة الإسرائيلية من 3-4% إلى 8%، لكن حرب الـ12 يوما مع إيران تهدد برفع هذا العجز إلى 15% خلال الأشهر القادمة، وفقا لتوقعات خبراء اقتصاديين.

في هذا الصدد يتزايد الإنفاق العسكري وتعاني الحكومة الإسرائيلية من أزمة ميزانية حادة، فإن الحياة اليومية لسكان الأراضي المحتلة تواجه تحديات خطيرة لأسباب أمنية وانهيار حاد في قطاع البناء، وهذا ليس سوى جزء من عواقب الصراع، وفقا لوزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، أنفقت حكومة نتنياهو في بداية الصراع وحده 18.8 مليار شيكل (ما يقارب 5 مليارات دولار) على الشؤون العسكرية من هذا المبلغ، أُنفق 9 مليارات شيكل بشكل غير مباشر على تعويض الشركات الصغيرة.. هذا التضخم سيترك آثارا طويلة الأمد على الاقتصاد الإسرائيلي:
1▪︎ خفض الدعم الاجتماعي: المنح التي جذبت المهاجرين اليهود قد تُقلص بشكل كبير، مما يهدد سياسة الهجرة الإسرائيلية.
2▪︎ سياسات تقشفية صارمة: سيضطر النظام لتطبيق إجراءات تقشف لسنوات، مما سيؤثر على مستوى المعيشة.
3▪︎ تباطؤ النمو: التكاليف الباهظة ستحد من الاستثمارات في القطاعات الحيوية مثل التعليم والصحة.
4▪︎ دمار البنية التحتية: لم تقتصر الخسائر على الجانب العسكري والاقتصادي، بل امتدت إلى البنية التحتية الحيوية، شركة “بازان”، التي تسيطر على 80% من إنتاج الطاقة الإسرائيلي، أعلنت عن أضرار جسيمة في منشآتها بحيفا، مما أخرجها عن الخدمة.
هذا الدمار تسبب في انقطاعات واسعة في الكهرباء، مما أثر على الحياة اليومية للمواطن الإسرائيلي، وارتفاع تكاليف الطاقة، مما زاد الأعباء على المواطنين وتعطيل الأنشطة الصناعية، مما يهدد الاقتصاد بشكل أوسع، وإعادة بناء هذه البنية التحتية تتطلب استثمارات ضخمة وسنوات من العمل، مما يطيل أمد الأزمة.
صدمة نفسية كبيرة
“هذه ليست غزة بل حرب وجودية”.. على منصة “إكس”، عبّر المواطنون بهذه العبارات عن حالة من الذعر لم يشهدوها من قبل، كتب أحدهم: “عندما هاجمنا الحوثيون، كنا قلقين، لكننا لم نشعر بهذا الرعب الآن، تنهار المباني، وكل لحظة قد تكون الأخيرة”، هذه الشهادات تعكس تحولا في إدراك المجتمع الإسرائيلي، من الثقة بالتفوق العسكري إلى الشعور بانعدام الأمن أمام قوة دولة مثل إيران.
ندبا طويلة الأمد
هذا التأثير النفسي قد يترك ندوبا طويلة الأمد، خاصة مع شعور المواطنين بأن أي منطقة لم تعد آمنة.

حرب الـ12 يوما مع إيران لم تكن مجرد صراع عسكري، بل زلزال اقتصادي، وبنيوي، ونفسي هز أركان النظام الإسرائيلي بتكلفة 5 مليارات دولار، وخسائر يومية تفوق 300 مرة تكلفة “عاصفة الأقصى”، ودمار واسع في البنية التحتية، وارتفاع عجز الموازنة إلى 15%، أعادت هذه الحرب إسرائيل إلى أجواء الحروب التقليدية.
الآثار طويلة الأمد، من تقليص الدعم الاجتماعي إلى سياسات التقشف، ستضع ضغوطا هائلة على الاقتصاد والمجتمع في هذه الحرب، التي واجهت فيها إسرائيل قوة دولة مثل إيران، أثبتت أن قواعد اللعبة قد تغيرت، وقد تُعيد تشكيل مستقبل النظام السياسي والاقتصادي لسنوات قادمة.

