تحت وطأة البرد: هل تنجح استعدادات الشتاء في إنقاذ إيران من أزمة الغاز؟

مع اقتراب فصل الشتاء، تعلو مرة أخرى نبرة القلق في إيران حول إمكانية حدوث أزمة غاز جديدة، تكرر معاناة المواطنين والصناعات على حد سواء. تدعي الحكومة والشركات التابعة لها أنها استخلصت الدروس من أزمات السنوات الماضية، ووضعت خططا أكثر شمولا ودقة لمواجهة ذروة الاستهلاك. لكن تحذيرات الخبراء تشير إلى أن التحديات هائلة، وأن البلاد قد تواجه شتاء عصيبا آخر، حيث يقف احتمال تزامن نقص الغاز والكهرباء كشبح يهدد الاستقرار اليومي والاقتصاد الوطني. 

4 برامج لمواجهة الشتاء

تكثف الحكومة الإيرانية هذا العام استعداداتها لتجنب تكرار أزمة الغاز التي شهدها الشتاء الماضي، معتمدة على حزمة من البرامج التي تهدف إلى إدارة ذروة الاستهلاك بكفاءة أعلى. وتعمل وزارة النفط والشركة الوطنية للغاز على تطبيق خطة متكاملة ترتكز على أربعة مسارات رئيسية، وهي:

أولا: المراقبة الذكية:

فعلت الشركة الوطنية للغاز نظاما متقدما لمراقبة الشبكة بالاستفادة من بيانات الاستهلاك في السنوات السابقة، ما يتيح توقع الضغوط المحتملة خلال موجات البرد. 

ثانيا: تخزين الوقود البديل لمحطات الطاقة:

مع توقع ذروة الاستهلاك، عملت الشركة على تأمين مخزون استراتيجي من الوقود البديل، مثل الديزل والمازوت، لتشغيل محطات الكهرباء في حال انخفاض إمدادات الغاز، مما يقلل من تأثير أي نقص على القطاعين الصناعي والمنزلي.

ثالثا: تحديد الاستخدامات غير الضرورية:

يشمل البرنامج تحديد أولويات التوريد والحد من الهدر عبر التركيز على الاستخدامات غير الضرورية أو منخفضة الأهمية في القطاعات المختلفة، لضمان توجيه الغاز المتاح أولا نحو القطاعات الحيوية.

رابعا: التحضير المبكر والتخطيط الدقيق:

استنادا إلى بيانات السنوات السابقة، أكدت الشركة أن التخطيط لهذا العام يجري بدقة أكبر، مع عقد اجتماعات منتظمة ومراجعة الخطط التشغيلية في المنشآت الحيوية .

التحديات الجسيمة وإمكانية تكرار الأزمة

رغم الجهود الحكومية والإجراءات التحضيرية المعلنة، فإن المخاطر لا تزال كبيرة، ما يزيد من احتمالية تكرار أزمة الشتاء الماضي، إن لم تكن أسوأ.

أول التحديات: الاستهلاك المنزلي الكبير

تشير البيانات إلى أن القطاع المنزلي يستهلك أكثر من 65% من الغاز خلال أيام البرد، مع بلوغ الاستهلاك اليومي نحو 700 مليون متر مكعب، وهو ما يعادل إنتاج عدة مراحل من حقل بارس الجنوبي(أكبر حقل في البلاد) في يوم واحد. ويؤكد حميدرضا صالحي، الأمين العام لاتحاد صادرات الطاقة الإيراني، أن أي نقص في الغاز سيؤثر مباشرة على حياة المواطنين اليومية، وإذا استمر، فستواجه محطات الكهرباء نقصا في الوقود ما يترتب عليه انقطاعات في الطاقة الكهربائية.

ثاني التحديات: هدر الطاقة وإدارة الاستهلاك

يرى خبراء الطاقة أن المشكلة الرئيسية لا تكمن في الإنتاج بقدر ما تكمن في إدارة الاستهلاك والهدر. ويرجع ذلك إلى الاعتماد الكبير (بين 90-95%) على الغاز الطبيعي لتدفئة المنازل، وهو ما وُصف بأنه خطأ استراتيجي. بالإضافة إلى ذلك، فإن البنية التحتية المتهالكة للشبكة وقدرة التخزين المحدودة التي لا تتجاوز 2% من الاستهلاك السنوي، تجعل النظام بأكمله هشا أمام أي طلب غير متوقع أو موجة برد قاسية.

ثالث التحديات: خطر التزامن بين أزمة الغاز والكهرباء

يحذر عبدالله باباخاني، الخبير الدولي في مجال الطاقة، من أن قلة الأمطار هذا العام قد تؤدي إلى نقص حاد في إنتاج الطاقة الكهرومائية يصل إلى 12-14 غيغاواط. وحتى في أفضل السيناريوهات، مع توفر كميات محدودة من الغاز والمشتقات النفطية لمحطات الطاقة، سيظل هناك نقص يقدر بحوالي 10 غيغاواط. هذا يعني أن الشتاء المقبل قد يشهد انقطاعات مزدوجة في الغاز والكهرباء في آن واحد.

الأزمة الهيكلية وفشل استغلال “بارس الجنوبي”

رغم الإجراءات الاستباقية، تبقى التساؤلات حول قدرة الحلول المؤقتة على مواجهة أزمة متجذرة. فالعجز لا ينبع فقط من سوء الإدارة، بل من فشل استراتيجي في استغلال الحقول المشتركة وتآكل البنية التحتية.

أكبر نقطة ضعف هي حقل بارس الجنوبي، المشترك بين إيران وقطر، والذي يوفر حوالي 70% من الغاز في البلاد. يواجه الحقل انخفاضا طبيعيا في الضغط، ما يتطلب مشاريع ضخمة لتعزيزه. هنا تظهر الفجوة المأساوية: قطر تعمل على تعزيز الضغط بمشاركة شركات عالمية مثل توتال وإكسون موبيل، ومن المتوقع أن تكتمل هذه المشاريع خلال عام إلى عامين. في المقابل، تواجه إيران صعوبات كبيرة في تركيب المنصات الجديدة بسبب العقوبات، الفساد، وإقصاء المستثمرين الأجانب، مما يعني أن تنفيذ نفس المشاريع قد يستغرق خمس إلى ست سنوات.

يكلف هذا الفشل الاستراتيجي إيران خسائر مباشرة تقدر بأكثر من 120 مليار دولار، والأخطر أن انخفاض الضغط قد يؤدي إلى انتقال الغاز نحو الجانب القطري. وتشير التقديرات إلى أن إنتاج الغاز الإيراني قد ينخفض بنحو 25% بحلول عام 2033، ما يوضح أن الأزمة ليست مجرد شتاء صعب، بل تدهور مزمن يهدد أمن الطاقة القومي.

الحلول: بين إجراءات عاجلة وإصلاح هيكلي

لمواجهة التحديات الحالية، تتنوع الحلول بين إجراءات عاجلة قصيرة المدى وإصلاحات هيكلية طويلة الأجل.

على الصعيد القصير، تركز الحكومة على ترشيد الاستهلاك المنزلي. ويوجه المسؤولون، مثل المدير التنفيذي للشركة الوطنية للنفط، رسائل مباشرة للمواطنين يطالبونهم فيها بالتعاون للحد من الاستهلاك، مؤكدين أن سلوك الأسر يشكل العامل الأهم في استقرار شبكة الغاز. كما يتم الترويج لاستخدام تقنيات التحكم الذكي بالحرارة، التي قد تقلل الاستهلاك بنسبة تصل إلى 10%.

إلى جانب ذلك، يقترح الخبراء حلولا تسعيرية وتقنية جريئة، مثل نظام التسعير الذكي الذي طرحه حسين ميرافضلي. يقوم هذا النظام على تحديد حد استهلاك قياسي لكل منطقة، فيُكافأ من يقل استهلاكه عن الحد، وتُفرض رسوم تصاعدية على من يتجاوزه، ما يوفر حافزا اقتصاديا حقيقيا للترشيد، خاصة وأن أسعار الغاز لم تتغير منذ نحو عقدين، مما ساهم في تشجيع الهدر.

أما على المدى الطويل، فتتمثل التوصيات في إطار استراتيجي متكامل تتصدره استثمارات ضخمة تصل إلى 42 مليار دولار حتى نهاية الخطة السابعة للتنمية. هذا المبلغ الحيوي موزع بين مجالات التكرير (نحو 18 مليار دولار)، والنقل (نحو 11 مليار دولار)، والتوزيع والرقمنة الذكية (نحو 10 مليارات دولار)، مما يؤكد أن الإصلاح يتطلب ضخ أموال هائلة في البنية التحتية المتهالكة.

إلى جانب ذلك، يؤكد الخبراء أن الحل الهيكلي يكمن في الانتقال التدريجي إلى أنظمة التدفئة الكهربائية، بما يخفف الضغط على شبكة الغاز، إضافة إلى الاستثمار في تعزيز الضغط في الحقول المشتركة، مثل حقل بارس الجنوبي، لضمان استقرار الإنتاج ومنع فقدان الحصة السوقية لصالح الجانب القطري.

التبعات: تلوث قاتل وارتفاع الضحايا

تتجاوز تداعيات نقص الغاز الإيراني مجرد الشعور بالبرد أو انقطاع الخدمة، لتصل إلى تهديد مباشر للصحة العامة وحالة البيئة. ففي كل شتاء، تشتد دورة نقص الغاز وتلوث الهواء القاتل. ويُعزى هذا التلوث بشكل كبير إلى اضطرار محطات الطاقة لاستخدام وقود بديل ثقيل، مثل المازوت.

وتجسدت تداعيات هذه الأزمة على الأرض بشكل مأساوي، فقد أدت أزمة الطاقة في الشتاء الماضي إلى عواقب وخيمة، منها ما يزال مستمرا، حيث يواجه جزء كبير من طهران تقنينا في المياه حتى بعد مرور نصف فصل الخريف. أما الأسوأ، فهو الخطر الصحي، ففي خلال عام 2024-2025 ، توفي أكثر من 7,000 شخص في طهران بسبب تلوث الهواء، وذلك بحسب إحصاءات وزارة الصحة.

وفي الختام، يبدو الشتاء المقبل في إيران بمثابة اختبار مصيري لفاعلية السياسات الحكومية وإرادة المجتمع في مواجهة أزمة طاقة بنيوية. الخطط الحكومية، رغم أنها تبدو أكثر تنظيما واستعدادا من السنوات السابقة، تظل حبيسة التحديات الهائلة لاستهلاك منزلي جارف وبنية تحتية متهاوية. ويعتمد نجاح هذه الخطط على تحقيق معادلة دقيقة: رفع الإنتاج، تعزيز البنية التحتية، مع تنفيذ حملات ترشيد استهلاك فعالة، وقبول المواطنين بإجراءات تسعيرية قد تكون صعبة. وإذا توفرت هذه العناصر، قد تتمكن إيران من عبور الشتاء باضطرابات محدودة. أما في حال الفشل، فستعود البلاد إلى دوامة الانقطاعات والتلوث والركود الاقتصادي، مما يوضح أن معالجة أزمة الطاقة تتطلب إصلاحات جذرية تتجاوز مجرد الاستعدادات الموسمية، ويظل السؤال الأكبر: هل يمكن للاستعدادات الموسمية أن تنقذ نظام طاقة يعاني من اختلال هيكلي عميق؟ يبدو أن الشتاء القادم يحمل الإجابة.