تراجع خطير في مخزون المياه وراء سدود طهران يُنذر بأزمة غير مسبوقة

ترجمة: سارة شعبان المزين

نشر موقع نور نيوز الإيراني، الاثنين 22 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا حول الوضع المائي في طهران، كشف فيه عن أرقام مقلقة بشأن مخزون المياه خلف السدود الرئيسية للعاصمة، محذرا من تداعيات خطيرة على الأمن المائي في ظل استمرار الجفاف وتراجع الموارد.

الجفاف.. من أزمة بيئية إلى تهديد للأمن القومي

ذكر الموقع أنّه في الأيام والأسابيع التي تتركّز فيها أنظار الرأي العام في إيران والعالم على المفاوضات النووية والتحولات الدبلوماسية المتوترة، يتشكّل تحدّ خطير لا يقلّ خطورة عن العقوبات الخارجية، وهو تحدّي الجفاف مع بداية العام المائي الجديد. 

وأضاف الموقع أنّ التحولات السياسية، مهما بلغت أهميتها، قد تحدّد مصير البلاد على المدى القصير، غير أنّ ما يرسم مستقبل إيران على المدى المتوسط والبعيد هو حجم الوصول إلى الموارد المائية.

وتابع أنّ المياه تُعدّ بلا شك البنية التحتية الأهم للحياة الجماعية والوطنية؛ فإذا غابت المياه فلا زراعة تبقى ولا صناعة، والمدن تتحوّل إلى مناطق منكوبة يضطر الملايين من سكانها إلى الهجرة الداخلية. 

وأوضح أنّ أزمة المياه ليست مجرّد تحدّ بيئي، بل ترتبط مباشرة بالأمن الغذائي والصحة العامة والعدالة الاجتماعية بل وحتى الأمن القومي وهذا هو “الأزمة الصامتة” التي حذّر منها الخبراء منذ سنوات، لكنها اليوم تتجلّى بوضوح مع الأرقام الصادمة الخاصة بالسدود.

وبيّن أنّ ما يزيد الوضع خطورة هو المزيج القاتل بين “تراجع طبيعي في معدلات الأمطار وتوالي موجات الجفاف” من جهة، و”سوء الإدارة والاستهلاك المفرط” من جهة أخرى ففي حين اتجهت دول عديدة لمواجهة نقص الموارد الطبيعية عبر إصلاح أنماط الاستهلاك والاستثمار في التكنولوجيا الحديثة، ما زالت البلاد تعاني من زراعة محاصيل شديدة الاستهلاك للمياه في مناطق جافة، والاستنزاف غير المنضبط للمياه الجوفية، والمشاريع المكلفة والمؤقتة لنقل المياه. 

ونتيجة لذلك تقف إيران اليوم عند نقطة خطيرة، حيث إن أي تأخير في إصلاح المسار قد يؤدي إلى انهيار النظم البيئية واندلاع أزمات اجتماعية واسعة.

Image

وأشار الموقع إلى أنّ طهران، باعتبارها أكبر وأكثف المدن سكانا، صارت النموذج الأوضح لهذه الأزمة؛ فهي عاصمة تضم أكثر من عشرة ملايين مقيم دائم وملايين آخرين من السكان العابرين، وتتجه بخطورة نحو أزمة نقص مياه الشرب لكن أزمة طهران ليست محلية فحسب، بل هي مرآة تعكس ما يتهدّد إيران بأكملها على نطاق أوسع.

الحقائق الإحصائية تنذر بكارثة كبرى

أفاد الموقع بأنّ أحدث التقارير تُظهر أنّ حجم المياه المخزّنة في سدود البلاد يبلغ 18.83 مليار متر مكعّب؛ وهو رقم انخفض بنسبة 25% مقارنة بعام 2024. 

وأضاف أنّ واردات المياه إلى السدود تراجعت أيضا بنسبة 42% قياسا بالفترة نفسها من عام 2024 لتصل إلى 24.6 مليار متر مكعّب وأنّ نسبة امتلاء السدود في إيران لا تتجاوز الآن 36%، وهو رقم يكشف بوضوح أنّ البلاد تسير في مسار “الإفلاس المائي”.

وتابع أنّ هذه الأزمة، وإن كانت وطنية، إلا أنّ العاصمة أكثر من أي منطقة أخرى معرّضة للخطر طهران، التي يزيد عدد سكانها على 10 ملايين نسمة، تعتمد على عدة سدود رئيسية تواجه اليوم أوضاعا حرجة: سد أمير كبير لا يحتوي سوى على 30 مليون متر مكعّب بنسبة امتلاء 17%، بانخفاض قدره 73% عن عام 2024 وسد لار لا يتجاوز 24 مليون متر مكعّب بنسبة امتلاء 3%، بانخفاض 43% عن عام 2024.

أما سد طالقان فبلغ 175 مليون متر مكعّب بنسبة امتلاء 42%، بانخفاض 34% فيما سجّل نظام لتيان–ماملو 41 مليون متر مكعّب، أي بانخفاض 48% عن عام 2024 .

وبيّن الموقع أنّ هذه الأرقام تعني أنّ طهران، بصفتها المركز السياسي والاقتصادي للبلاد، تواجه خطرا حقيقيا يتمثّل في نقص شديد لمياه الشرب ولا تقتصر تداعيات هذا الوضع على سخط المواطنين فحسب، بل قد تتطور إلى أزمات اجتماعية، وهجرة داخلية، تهديد مباشر للأمن الحضري.

Image

المسؤولية المزدوجة؛ بين الشعب والحكومة

أفاد الموقع بأنّ أزمة المياه في إيران لم تعد مجرد قضية بيئية، بل باتت تطال الاقتصاد والزراعة والصحة العامة والعدالة الاجتماعية وحتى الأمن القومي. 

وأوضح أنّ نابض المياه الجوفية ينهار، والهبوط الأرضي يتسع، والإنتاج الغذائي يتراجع، فيما الهجرات المناخية تتزايد يوما بعد يوم، لتشكّل سلسلة مترابطة من التداعيات التي تتفاقم باستمرار.

وبيّن الموقع أنّ الخروج من هذه الأزمة يتطلب تحمّل مسؤولية مزدوجة؛ فمن جانب، على المواطنين أن يجعلوا من ترشيد الاستهلاك وتغيير العادات المفرطة في استخدام المياه ضرورة يومية وملموسة.

ومن جانب آخر، على السلطات أن تحول إدارة المياه إلى سياسة وطنية موحّدة بعيدة عن القرارات المحلية والمرحلية، وأن توقف فورا زراعة المحاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه في المناطق الجافة، وتلزم الصناعات بإعادة تدوير المياه واستعمالها مجددا، فضلا عن تعديل الأسعار والتعرفة بما يجعل الاستهلاك المفرط مكلفا وغير ممكن بلا ثمن باهظ. 

كما نوه الموقع إلى أنّ الصراحة مع الشعب في كشف أبعاد الأزمة أمر حتمي، إذ إن إخفاء الحقائق لا يؤدي إلا إلى تسريع الكارثة.

وتابع أنّ مستقبل إيران مرهون بقدر ما يتحدد على طاولة المفاوضات الدولية، فإنه يتوقف أيضا على كيفية إدارة مواردها الحيوية وعلى رأسها المياه فإذا لم تُدرَك هذه القضية اليوم كأولوية قصوى للأمن القومي، فإن الغد سيحمل دولة عاجزة عن تلبية احتياجات شعبها، ومهدَّدة في استقرارها الاجتماعي والسياسي.

Image

واختتم الموقع بالتشديد على أنّ أزمة المياه تمثل “صوت المستقبل” الذي يقترب بخطوات سريعة؛ فإن لم تُتخذ القرارات الحاسمة اليوم، فلن يتبقى غدا مجال لإدارتها وعلى المسؤولين أن يتخذوا قرارات شجاعة في حوكمة المياه، وعلى الشعب أن يغيّر نمط حياته، فهذا هو الطريق الوحيد لإنقاذ إيران من الانزلاق إلى الإفلاس المائي.