حوار بزشكيان التلفزيوني.. بين لغة الصدق وتحدي صناعة الأمل

Image

نشر موقع «نور نيوز»، السبت 30 أغسطس/آب 2025، تقريرا ذكر فيه أن اللقاء التلفزيوني الأخير للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، مثّل تجربة مختلفة في نمط التواصل مع الرأي العام، حيث اتسم بالبساطة والصراحة والابتعاد عن الشعارات، لكنه في الوقت نفسه أثار انتقادات تتعلق بغياب الرؤية المستقبلية واللغة الإقناعية القادرة على بث الطمأنينة والأمل. 

لقاء تلفزيوني

ذكر الموقع الإيراني «نور نيوز» أن اللقاء التلفزيوني الأخير لرئيس الإيراني مع ثلاثة من الناشطين السياسيين والإعلاميين لقي صدى واسعا في الأوساط السياسية والإعلامية داخل إيران. 

وأضاف أن هذا اللقاء، الذي تميز من حيث الشكل بأسلوب جديد وابتكارات في التنفيذ، عرض نموذجا مختلفا للتواصل بين الرئيس الإيراني والشعب، إذ تجنّب الصيغ التقليدية السابقة للمقابلات التلفزيونية مع كبار المسؤولين، وجمع ثلاثة وجوه إعلامية من التيارات الإصلاحي والاعتدالي والأصولي في مواجهة مسعود بزشكيان، بحيث طُرحت أسئلة هؤلاء الخبراء بشكل مباشر ومن دون أي تعديل أو تنسيق مسبق، وجرى النقاش حولها. 

وتابع أن من هذه الزاوية يمكن اعتبار اللقاء الأخير للرئيس لقاء مبتكرا، ناجحا، وجاذبا للجمهور إلى حدّ ما.

وأشار إلى أن “ما يتجاوز الأبعاد الشكلية والفنية والإعلامية هو أن لقاء الليلة الماضية للرئيس بزشكيان وضع أمام الرأي العام والمحللين تساؤلا أساسيا: هل تمكّن خطاب بزشكيان من تجاوز عرض المشكلات وشرح إدارة الشؤون اليومية ليقدّم للشعب أفقا استراتيجيا للمستقبل؟ وتساءل ما إذا كان الجمهور الإيراني، بل حتى الخارجي، الذين كانوا بعد التحولات العميقة الناتجة عن حرب إيران وإسرائيل بانتظار صورة واضحة وشاملة عن برامج إيران ومقارباتها وخططها الاستراتيجية في الأيام المصيرية المقبلة، قد تمت تلبية تطلعاتهم”.

Image

بين الصراحة والفتور

ذكر الموقع الإيراني «نور نيوز» أن إيران تعيش اليوم وضعا استثنائيا، وأضاف أن الاحتلال الإسرائيلي تلقّى خلال حرب إيران وإسرائيل إشارة واضحة عن قدرة إيران على المواجهة، إلا أن شبح عودة شرور إسرائيل، بل وحتى الولايات المتحدة، لم يختفِ تماما، فيما يعيش الشعب حالة من التعليق النفسي. 

وتابع أن من جهة يخيّم تهديد عودة «آلية الزناد» والضغوط الدولية على البلاد، ومن جهة أخرى تُثقل الأزمات الداخلية كالطاقة والمياه، إضافة إلى المعيشة والعمالة، كاهل الحياة اليومية للناس.

 وأوضح أن هذه الحالة من التعليق وضعت المجتمع في موقع يحتاج فيه، قبل أي شيء، إلى صورة واضحة للمستقبل، وهي المهمة الأساسية للحكام. 

وأكد أن المواطنين في مثل هذه الظروف ينتظرون من الرئيس الإيراني ألّا يكتفي بطرح مشكلات الحاضر، بل أن يبيّن المسار الذي يمكن للبلاد أن تسلكه، والفرص المتاحة أمامها، وما هي مزاياها وامتيازاتها وابتكاراتها في هذا الوضع المعقد، وما هو دور كل مواطن في بناء المستقبل.

وأضاف أن مسعود بزشكيان ظهر في هذا الحوار بلغته البسيطة والمباشرة المعتادة، حيث تميزت كلماته بالابتعاد عن الشعارات وبالصدق في عرض المشكلات، ولم يقدّم وعودا غير قابلة للتحقق، ولم يقع في فخ التهديدات أو المبالغات الصاخبة.

 وأشار إلى أن هذه السمة التي يراها كثيرون علامة صدق ونزاهة في الخطاب، تبدو لجزء آخر من المجتمع «غير كافية»، وأوضح أن هذه اللغة، على الرغم من سلاستها وصدقها وودّيتها، يُؤخذ عليها أنها في الفترات الحرجة تُعَدّ واهنة، بل وربما مثيرة للانزعاج والملل. 

وتابع أنه في ظروف يرزح فيها الشعب تحت ضغط نفسي واقتصادي خانق، فإن مجرد ترديد المشكلات أو إعادة التأكيد على ضرورات الإدارة لا يفضي إلى الإلهام أو بث الأمل، وختم بأن المجتمع الإيراني ينتظر من بزشكيان، إلى جانب عرضه الصادق للمشكلات، أن يطرح كذلك خريطة طريق للمستقبل.

إغلاق مضيق هرمز

ذكر الموقع الإيراني «نور نيوز» أن بعض المحللين السياسيين والإعلاميين اعتبروا أنه من بين أهم أوجه حوار مسعود بزشكيان الأخير، كانت الأمور التي لم يقلها. 

وأضاف أن بزشكيان، بخلاف بعض التيارات السياسية، لم يهدد بإغلاق مضيق هرمز أو بالانسحاب من المعاهدات الدولية أو بزيادة التوتر في السياسة الخارجية.

 وأوضح أن صمته الواعي إزاء الشعارات الراديكالية أظهر أن الحكومة الحالية لمسعود بزشكيان تفضّل نهج التفاعل والتهدئة. 

وتابع أن هذا الجانب من خطاب بزشكيان يمكن أن يكون مؤشرا إيجابيا في ظل الظروف المتوترة إقليميا ودوليا، غير أن السؤال يبقى قائما: هل يكفي مجرد تجنّب التوتر، أم أن الحاجة قائمة أيضا إلى رسم استراتيجية شاملة؟

وأشار إلى أن جانبا كبيرا من حديث بزشكيان خُصّص لموضوعات مثل قانون الحجاب والعفاف، مشكلات البنية التحتية في قطاع الطاقة، وأوضاع المعيشة.

 وأكد أن الرئيس شدد بحق على أن البلاد في بعض المجالات تعيش حالة «حافة السقوط». 

واعتبر أن هذا المنظور الواقعي ذو قيمة في إظهار صعوبة المسار، لكن في الوقت نفسه فإن التركيز المفرط على القضايا الراهنة والإدارية، من دون ربطها بأفق مستقبلي، جعل الحوار يفتقر إلى البعد الاستراتيجي. 

وضرب مثالا بأنه عندما يتحدث عن الطاقة أو المياه، فإن المواطنين يتوقعون أن يسمعوا ما هي التغييرات الهيكلية الممكنة في أفق خمس أو عشر سنوات، وما هو الدور المرسوم لهم في هذه التحولات.

وأضاف أن الحوار تضمن إشارات محدودة إلى رسم ملامح «إيران المنشودة»، وأوضح أن ما لم يُبحث بشكل كافٍ هو أي موقع يمكن أن تشغله البلاد في محيطها الإقليمي، وأي دور يمكن أن تؤديه في النظام الدولي، وحتى ما هي التغييرات المأمولة في حياة الناس اليومية.

 وأكد أن المواطنين بحاجة قبل كل شيء إلى أن يفهموا ما هي الصورة المستقبلية التي تملكها الحكومة وكيف ستعمل على إحياء الأمل و«الخيال الجماعي» في المجتمع كما وصفه بعض المحللين، وختم بأن غياب هذا التصور الكلي جعل الحوار أقرب إلى «إدارة يومية» منه إلى «قيادة ملهمة».

Image

بين الحذر والقيادة الملهمة

ذكر الموقع الإيراني «نور نيوز» أن المقابلة التلفزيونية للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يمكن النظر إليها على مستويين:

المستوى الأول: الابتعاد عن الشعارات، والحديث الصادق عن المشكلات، وتجنّب النزعة الراديكالية، وأوضح أن هذه نقاط قوة من شأنها في الظروف الحساسة الراهنة أن توفر قدرا من التهدئة النسبية.

المستوى الثاني: غياب اللغة الإقناعية المطمئنة وفقدان رسم أفق للمستقبل، وتابع أن هذا يشكّل نقطة ضعف، وإذا استمر قد يُضعف ثقة الرأي العام بقدرة الحكومة على إحداث التغيير وبعث الأمل.

وأضاف أن المجتمع الإيراني في هذا المنعطف التاريخي يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى هدف، بل حتى إلى حلم مشترك. 

وإذا أراد بزشكيان أن يتحول من مجرد مدير حذر إلى قائد ملهم، فعليه أن يستخدم لغة أكثر استراتيجية؛ لغة تجمع بين صراحته وصدقه من جهة، وتمكّنه من رسم رؤية واضحة للمستقبل من جهة أخرى؛ مستقبل يرى فيه المواطنون أنفسهم لا مجرد متفرجين على المشكلات، بل فاعلين في صناعة غد أفضل.

وأشار إلى أنه من المهم عند تقييم بزشكيان عدم الاكتفاء بسجله الإداري أو مواقفه السياسية، إذ إنه يمتلك دائما أسلوبا خاصا في الكلام والسلوك يؤثر في قراراته ونهج حكمه.

 وأوضح أنه على خلاف كثير من الساسة، لا يلجأ إلى الشعارات المعقدة أو اللغة البروتوكولية أو المصطلحات المتكلفة، بل يتحدث بلغة بسيطة ومباشرة، حتى في الجلسات الرسمية، حيث يبدو كما يوصف «ضد البروتوكول». 

واعتبر أن هذه السمة النفسية والشخصية تجعله في مواجهة قضايا البلاد أقرب إلى الواقعية والعملية منه إلى الطرح المثالي، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن هذه البساطة قد تُفسَّر أحيانا على أنها «اندفاع» أو «غياب للبرنامج».

وتابع أنه من منظور علم النفس الفردي يمكن القول إن بزشكيان ينتمي إلى نمط شخصي واقعي، متأمل وميال إلى التطبيق العملي؛ شخص يفكر أكثر في «الحلول» لا في «بناء الصور».

 وأوضح أن واقعيته، وعمله المباشر، وبساطة لغته، وابتعاده عن الطابع البروتوكولي، تشكل رصيدا نفسيا ينعكس في صدقه وشعبيته، لكن هذه السمات ذاتها إذا لم تُدعَم بمهارات اتصال وإعلام كافية، ولم تقترن برسم أفق بعيد الأمد يفتح المجال للأمل والطموح، فإنها قد تتحول إلى نقطة ضعف وتغذي سوء الفهم.