- زاد إيران - المحرر
- 165 Views
كتب: الترجمان
في واحدة من أكثر اللحظات التاريخية تعقيدا في مسيرة إيران، حيث تتداخل طبول الحرب الإقليمية مع تحديات الهوية والداخل، أطلق الرئيس الإيراني الأسبق، محمد خاتمي، بيانا سياسيا بليغا تجاوز في أبعاده مجرد التضامن الظرفي لتتحول إلى وثيقة وطنية شاملة.
البيان الذي تداوله الشارع الإيراني والنخب السياسية باهتمام بالغ، لم يكن مجرد رد فعل على التهديدات العسكرية الخارجية، بل كان محاولة جادة لإعادة صياغة العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع.
خاتمي، الذي يُعد الأب الروحي للتيار الإصلاحي، اختار توقيتا حساسا ليوجه رسائل مزدوجة: الأولى للخارج المتربص بالسيادة، والثانية للداخل بضرورة الانفتاح، مؤكدا أن مناعة إيران لا تُستمد فقط من صواريخها، بل من مدى تلاحم نسيجها الشعبي واعتراف السلطة بتعددية هذا الشعب.
جغرافيا الروح: الوطن كفكرة جامعة فوق الصراعات
استهل محمد خاتمي بيانه بتأسيس قاعدة فلسفية لمفهوم “الوطنية”، معتبرا أن الانتماء لإيران ليس مجرد صدفة جغرافية، بل هو ثمن غال يشترك فيه كل من يحب هذه الأرض. ويرى خاتمي أن إيران، بصفتها وطنا لأمة كبيرة وحضارة وثقافة ديناميكية، قد نجحت عبر آلاف السنين في صهر التناقضات وجمع النساء والرجال والأقوام والمذاهب تحت مظلة واحدة.
إن هذه الفقرة في بيانه تهدف إلى نزع صفة “الاحتكار الوطني” عن أي فئة سياسية، والتأكيد على أن الدفاع عن الوطن في لحظات “المرارة التاريخية” هو التزام أخلاقي يسبق أي تصنيف حزبي. إن خاتمي يطرح هنا مفهوم “الوطنية الجامعة” التي تستوعب المعارض والمؤيد، معتبرا أن الروح والأرض الإيرانية هما المستهدفان من أي عدوان، مما يفرض على الجميع الارتفاع فوق الجراح الشخصية والآلام الداخلية من أجل حماية الكيان الوجودي للدولة.

حرب التدمير الشامل: مواجهة استراتيجية “الإرجاع للعصر الحجري”
ينتقل خاتمي في تشريحه للموقف العسكري الراهن إلى توصيف دقيق ومرعب لطبيعة التهديدات التي تواجهها البلاد. فهو يشير بوضوح إلى أن العدو لم يعد يكتفي بالاستهداف العسكري التقليدي، بل أعلن صراحة عن نية “إعادة إيران إلى العصر الحجري”.
هذا الوصف، بحسب رؤية خاتمي، ليس مجرد حرب نفسية، بل هو خطة ممنهجة لتدمير “رأس المال الحيوي” و”أدوات التنمية”. ويعدد البيان هذه المستهدفات لتشمل البنية التحتية الصناعية، محطات الطاقة، مصافي النفط، الجسور، والمصانع، وصولا إلى المراكز العلمية كالمؤسسات البحثية والجامعات والمدارس.
إن خاتمي يرى في هذا الاستهداف “جريمة ضد الإنسانية” وتجسيدا لعودة “التوحش” الذي تمارسه إسرائيل بدعم من الولايات المتحدة. هذا التحليل يضع الصراع في خانة الدفاع عن “الحضارة” لا مجرد الدفاع عن نظام سياسي، حيث إن تدمير هذه البنى يعني حرمان الأجيال القادمة من مقومات الحياة الكريمة، وهو ما يستدعي استنفاراً وطنياً شاملاً يتجاوز الاختلافات العابرة.

صمود “الأمة الكبيرة”: ملحمة الصبر في مواجهة الحرمان
في فقرة مفعمة بالعاطفة والاعتزاز، يتناول خاتمي صمود الشعب الإيراني، واصفا إياه بـ “حماسة الاستقامة”. يقر خاتمي بأن هذا الشعب يعاني من الآلام والأوجاع والحرمان، لكنه رغم ذلك يمتلك قدرة مذهلة على الحفاظ على الوحدة الوطنية في وجه التجاوزات.
هذا الصمود، من وجهة نظر خاتمي، ليس مجرد قدرة عسكرية، بل هو صمود أخلاقي نابع من إدراك الشعب لقيمة أرضه. ويربط البيان بين القدرة على الصمود الخارجي وبين التسامح الداخلي، مؤكدا أن القوة الحقيقية لإيران تكمن في قدرتها على إدارة التنوع الديني والقومي والعرقي.
إن خاتمي يرسل هنا رسالة مبطنة بأن الشعب الذي يتحمل كل هذه الضغوط الخارجية والداخلية يستحق نظاماً سياسياً يقدر تضحياته ويعترف بتنوع مشاربه، بدلاً من محاولة قولبته في إطار واحد ضيق.

رسالة إلى مركز القرار: الشرعية والرضا الشعبي كدرع دفاعي
يصل البيان إلى ذروته السياسية عندما يوجه خاتمي خطابا مباشراً إلى السلطة في إيران. يطالب خاتمي السلطة بضرورة فهم هذا التنوع الشعبي وترجمته إلى أفعال وممارسات حقيقية.
ويرى أن “نظام الحكم المقتدر” ليس هو الذي ينغلق على نفسه، بل هو النظام الذي ينبثق من إرادة كافة الناس ويلتزم بـ “رضا الأغلبية”. إن هذه المطالبة ليست مجرد تنظير ديمقراطي، بل هي ضرورة أمنية قصوى في وقت الحرب.
فخاتمي يؤكد أن فتح الطريق أمام المخلصين لإيران والغيورين عليها في الداخل والخارج للمشاركة في مصير وطنهم هو الضمانة الوحيدة لمواجهة التهديدات. إن الرسالة هنا واضحة: الجبهة الداخلية المتماسكة التي تشعر بالعدالة والمشاركة هي التي ستحمي الجبهة الخارجية، وأن تهميش الكفاءات أو إقصاء أطياف واسعة من المجتمع بسبب توجهاتهم الفكرية يضعف من مناعة الدولة وقدرتها على الصمود في الحروب الطويلة والمصيرية.
تقديس الواجب الدفاعي: بوسة على سواعد “حماة الديار”
رغم خلفيته المدنية والإصلاحية، يظهر خاتمي في بيانه كقائد وطني يدعم المؤسسة العسكرية بلا تحفظ في مهمتها المقدسة. فهو يعلن بوضوح “تقبيله لسواعد وأيدي المقاتلين” والمدافعين عن العزة والاستقلال سلامة الأراضي الإيرانية.
هذا التعبير ليس مجرد بلاغة أدبية، بل هو موقف سياسي يهدف إلى توحيد الصف خلف القوات المسلحة في لحظة العدوان. ويعتبر خاتمي أن دعم هؤلاء الأبطال هو “وظيفة دينية ووطنية” تقع على عاتق كل أبناء الوطن. ومن خلال هذا الموقف، يسعى خاتمي إلى سحب البساط من محاولات التخوين أو التشكيك، مؤكداً أن الجيش والقوات المدافعة هم “مبعث فخر للبلاد واحترام لأحرار العالم”.
هذا الفصل بين “الخلاف السياسي مع الحكومة” وبين “الولاء للمؤسسة الدفاعية” يعد ركيزة أساسية في فكر خاتمي، وهو ما يمنح بيانه مصداقية واسعة لدى شرائح متنوعة من المجتمع، بما في ذلك القوى العسكرية نفسها.

نقد الصمت الدولي: التواطؤ في زمن التوحش
لا يغفل خاتمي في بيانه الشامل دور المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية، حيث يوجه نقدا لاذعا لما وصفه بـ “السكوت وعدم المبالاة”. ويرى أن المنظمات الدولية، بدلا من أن تكون رادعا للعدوان، أصبحت في بعض الأحيان متناغمة مع التجاوزات أو شريكة في تأجيج نار الحرب من خلال تقاعسها.
هذا الصمت الدولي تجاه استهداف المدنيين والبنى التحتية الإيرانية يصفه خاتمي بأنه خرق لكل “الموازين الأخلاقية والقانونية”. ويناشد في ختام بيانه “المصلحين والقادة والمؤسسات الدينية والسياسية والمدنية في العالم لكسر هذا الصمت والوقوف في صف المظلومية والحق.
إن خاتمي هنا يمارس “دبلوماسية شعبية”، محاولا حشد الرأي العام العالمي لمساندة الشعب الإيراني في حقه المشروع في الدفاع عن نفسه، بعيدا عن الحسابات السياسية المعقدة للحكومات.
أفق المستقبل: بين اليقين الإلهي والإرادة الإنسانية
يختم محمد خاتمي بيانه بنبرة تفاؤلية تستند إلى ثلاثة مرتكزات: “لطف وعناية الله”، و”إرادة كافة الشعب”، و”دراية وبصيرة المسؤولين”. هو لا يكتفي بالدعاء، بل يضع شروطا للعبور الكريم من هذه الحرب، أهمها “التدبير” و”الرؤية المستقبلية”.
فهو يتطلع إلى مستقبل يتجاوز “ظل الحرب المشؤوم”، مستقبل تُبنى فيه إيران العامرة المتطورة التي يسودها السلم والصلح. إن تركيزه على “الصلح” يعكس جوهر فكره الذي طالما نادى بـ “حوار الحضارات”، لكنه في هذه اللحظة يؤكد أن الصلح لا يأتي من موقع الضعف، بل من موقع القوة والكرامة الوطنية.
إن رؤيته للمستقبل هي رؤية “إيران القوية داخليا، والمحترمة عالميا”، وهي رؤية لا تتحقق إلا إذا تلاقت إرادة الشعب مع حكمة القيادة في اتخاذ قرارات شجاعة تفتح آفاقاً جديدة للتنمية والحرية.
البيان كخارطة طريق للخروج من الأزمة
قراءة هذا التقرير الموسع لبيان خاتمي توضح أن الرجل لم يصدر “برقية تضامن” عابرة، بل قدم “رؤية إنقاذية” متكاملة. يرى خاتمي أن حماية إيران تتطلب مسارين متوازيين لا يغني أحدهما عن الآخر: مسار دفاعي صلب يقوده المقاتلون على الحدود، ومسار سياسي مرن يقوده الحكام في الداخل عبر الاعتراف بالتعددية وضمان رضا الأغلبية.
رسالة خاتمي هي “دعوة للمصالحة الوطنية” تحت تهديد السلاح الخارجي، محذراً من أن تجاهل مطالب الشعب وتطلعاته في التنوع والمشاركة قد يكون أخطر من الصواريخ المعادية.
هذا البيان يضع الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية، معتبرا أن “إيران” هي الرهان الأكبر، وأن الحفاظ عليها يتطلب شجاعة في مراجعة السياسات الداخلية بنفس قدر الشجاعة في مواجهة التهديدات الخارجية. وبهذا، يظل خاتمي صوتا يحاول الموازنة بين “الثورة” و”الدولة”، وبين “الهوية” و”المواطنة”، في ظل واحدة من أصعب اللحظات التي تمر بها البلاد.

