- زاد إيران - المحرر
- 669 Views
أجرت صحيفة اعتماد الإصلاحية، الثلاثاء 12 أغسطس/آب 2025، حوارا مع الخبير القانوني البارز علي مجتهد زادة، وأستاذ القانون بجامعة طهران محسن برهاني، حول مبادرة الإفراج عن جميع السجناء السياسيين التي طُرحت خلال لقاء مع رئيس السلطة القضائية، وردود الفعل السياسية والقانونية المترتبة عليها، إضافة إلى التعريف القانوني للسجين السياسي والفروق بينه وبين السجين الأمني.
مجتهد زادة: مستعدون لتسليم قائمة السجناء السياسيين إلى القضاء
نقلت الصحيفة عن مجتهد زادة، قوله في تعليقه على النقاشات التي دارت حول الإفراج عن السجناء السياسيين خلال اجتماع رئيس السلطة القضائية غلام حسين إجئي مع الإعلاميين، إن اللقاء تناول مباحث تتعلق بالإفراج عن السجناء السياسيين وفصلهم عن السجناء الأمنيين، مشددا على ضرورة تناول هذه القضايا من منظور تحليلي.
وأضاف أنه في هذا اللقاء ذُكرت بعض الأسماء والأمثلة كسجناء سياسيين، لكنه شخصيا يعتقد أنه بدلا من التركيز على الأسماء والأشخاص، ينبغي مناقشة الإجراءات والمناهج المعتمدة وتبادل الآراء بشأنها.
وتابع قائلا: “أود أن أذكّر بأنني أرى إجئي شخصا عاقلا، يتبنى توجهات إصلاحية وصحيحة، وهو شخصية سعت إلى تخليص البنية القضائية في إيران من سوء الأداء والقصور، وتوجيهها صوب إصلاح قضائي فعلي، وأردف أن مستشاروه أيضا أشخاص عقلاء وذوو خبرة، لذلك، مع وجود رئيس للسلطة القضائية بهذه الصفات، ومستشارين بهذه الخبرة، يُرجَّح أن يُقدم على إجراءات لإصلاح إيران ومعالجة الأزمات”.
وأوضح أن حديث إجئي وبعض الحاضرين في هذا الاجتماع بشأن عدد السجناء السياسيين يحتاج إلى مزيد من الإيضاح، ومن المؤكد أن بعض هذه المسائل ناجمة عن الخلافات في وجهات النظر التي أثارها الحقوقيون الذين تولوا قضايا في محاكم الثورة ولديهم اطلاع على أسلوب التقاضي المعتمد هناك.
وأفاد بأنهم على دراية مباشرة بكيفية إصدار الأحكام في محاكم الثورة، ويعرفون آليات معالجة القضايا السياسية فيها، وكيفية التعامل مع تهم مثل الدعاية ضد النظام أو إثارة الرأي العام وغيرها.
واعتقد أن مجرد نية البنية القضائية السير في مسار إصلاح وتحسين أوضاع السجناء السياسيين هو خطوة إلى الأمام، لكن لا ينبغي أن تكون الآليات المتبعة على نحو يمس بالقانون أو بالإجراءات القانونية، فالخلافات القائمة بشأن الجرائم والسجناء السياسيين تعود إلى وجود رؤيتين مختلفتين لهذه الجرائم. 
وصرَّح بأن الجريمة السياسية هي الفعل الذي يُرتكب بدافع سياسي وبهدف إصلاح شؤون البلاد وضد الإدارة أو المؤسسات السياسية أو السياسات الداخلية أو الخارجية للدولة، من دون أن يكون لدى الفاعل نية للإضرار بأسس النظام، وبعبارة أخرى، تُرتكب هذه الجريمة بهدف النقد أو إصلاح الشؤون السياسية، لا بهدف إسقاط النظام.
وأبرز أن بعض القضاة ومسؤولي الجهاز القضائي يقولون أنه لا يمكن وصف أي شخص بأنه سجين سياسي إلا إذا تمت محاكمته بهذه الصفة، لكن المراجعات تُظهر أنه باستثناء بعض الحالات النادرة والمحدودة، لم تتم محاكمة أي ناشط سياسي وفقا لقانون الجريمة السياسية، أي إن السلطة القضائية من جهة لا تحاكم أحدا- باستثناء قلة من المقرّبين- بموجب هذا القانون، ومن جهة أخرى لا تعتبر أي شخص لم يُحاكم بموجبه سجينا سياسيا.
ورأى أن الانتقادات الموجهة إلى الصحفي السابق إلياس حضرتي بشأن دعوته إلى الإفراج عن السجناء السياسيين، غير مبررة.
وأكَّد أن حضرتي، كناشط سياسي، سعى لفتح المجال أمام الإفراج عن السجناء السياسيين، موضحا أن السلطة القضائية إذا كانت جادة فعليها التعاون مع الحقوقيين ومحامي حقوق الإنسان، خاصة وأنها تدرك جيدا حجم السجناء المعتقلين بسبب نقدهم الشريف للنظام وأوجه القصور فيه.
وبيَّن أنه يمكن إعداد قائمة تضم عددا كبيرا من السجناء السياسيين، بينهم أساتذة جامعات وناشطون حزبيون، اعتقلوا بسبب آرائهم وانتقاداتهم، ويؤكد أن السجين الأمني يختلف عن السجين السياسي، فالأول يسعى للإطاحة بالنظام عبر أعمال مسلحة وتخريبية، بينما السياسي هو منتقد أو معترض دون عنف، ولتحقيق إصلاح حقيقي، على السلطة القضائية وقف الممارسات الخاطئة والإفراج عن هؤلاء السجناء.
وأشار إلى أن حصر القضايا السياسية في عدد محدود ومحدد من الدوائر القضائية الخاصة لا يترك انطباعا إيجابيا لدى الرأي العام، ففي إيران هناك قضاة شرفاء، ومستقلون، وذوو علم وخبرة، قادرون على متابعة هذا النوع من القضايا وفقا للدستور وإصدار أحكام عادلة، لكن القضايا السياسية لا تُحال إليهم، ومن بين هذه الدوائر الخاصة، هناك الدوائر 26 و29 و28 و15 وغيرها، التي غالبا ما تصدر أحكاما قاسية بحق الأفراد والناشطين السياسيين.
ولفت إلى ضرورة توسيع صدر المسؤولين في إيران، قائلا: “ليس من الضروري فتح ملفات ثقيلة أو إصدار أحكام أشد قسوة مقابل كل انتقاد أو تغريدة أو اعتراض، وإذا أُلغيت هذه الدوائر الخاصة واتسع صدر المسؤولين، فسيقل عدد القضايا السياسية بالتأكيد، وستتراجع مشكلات المجتمع أيضا، ففي أحداث نوفمبر/تشرين الثاني 2019 وأحداث عام 2022، توجد ملفات يمكن الاستفادة من تجاربها اليوم”.
وأورد أنه في عام 2019، في عهد الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي، وفي عام 2025، جرت خطوات مناسبة لإعلان عفو عام، ومن الجيد الاستفادة من هذه التجارب الناجحة للإفراج عن السجناء السياسيين في عام 2025 أيضا، وأبلغ أنه في عام 2022، وُضعت إجراءات ومعايير محددة، وكل شخص تنطبق عليه هذه المعايير شمله العفو.
ودعا إلى ضرورة الاستفادة من هذه التجارب الصحيحة للإفراج عن السجناء السياسيين، ولم يصدر إجئي في عام 2022 عفوا على أشخاص أو مجموعات بعينها، بل صدر عفو عام قائم على مؤشرات وإجراءات محددة.
وجزم بأن “عدد السجناء السياسيين ليس 5 أو 10 أو 15 شخصا فقط، بل هناك طيف واسع من الأفراد والشخصيات، كلّ منهم موجود في السجن لأسباب مبرّرة أو غير مبرّرة، وإذا كلفني إجئي شخصيا، يمكنني استخراج قائمة واسعة بهذه الأسماء ووضعها تحت تصرّفه”.
وركَّز على ضرورة أن يتطلع الجميع إلى توسع هذه المبادرة التي أطلق شرارتها حضرتي في لقائه مع أهل الإعلام وإجئي، وأن تؤدي في النهاية إلى الإفراج الحقيقي عن جميع السجناء السياسيين، فإذا كانت هناك بالفعل إرادة لإجراء هذه الإصلاحات القضائية، وهي ما كان إجئي يرحّب به دائما، فنحن أيضا على أتم الاستعداد لتنفيذها.
وحثَّ على أهمية توقف السلطة القضائية عن تصنيف القضايا السياسية تحت مسمى الجرائم الأمنية، فهذا هو أكبر مشكلة حالية، وإذا تم تجاوزها فستُحل الكثير من المسائل.
برهاني: خلاف في تعريف السجين السياسي
أوردت الصحيفة عن محسن برهاني، أن رئيس السلطة القضائية أشار في كلمته خلال لقائه مع مديري وسائل الإعلام إلى قضية بالغة الأهمية، وهي الاختلاف في تعريف السجين السياسي، وأضاف أن هذا الخلاف ليس جديدا، إذ لطالما اعتبر المجتمع بعض المحكومين مجرمين سياسيين، بينما كان النظام القضائي والتشريعي يراهم مجرمين عاديين أو أمنيين، مما يعكس اختلاف التصور بين الرأي العام والسلطة تجاه موضوع واحد.
وتابع أن الأمل كان معقودا على تدخل المشرّع وسَنّ قوانين مناسبة تتماشى مع توجهات الرأي العام لحل هذا الخلاف، إلا أن قانون الجريمة السياسية لعام 2016 لم يتمكن من سد هذه الفجوة الإدراكية، وما زلنا نواجه محكومين ومسجونين يُعتبرون سجناء سياسيين من قبل المجتمع، بينما لا يعترف بهم النظام القضائي بهذا الوصف.
لماذا لم ينجح قانون الجريمة السياسية في هذا المجال؟
رأى برهاني أن سبب هذا الإخفاق يعود إلى أمرين أساسيين:
أولا: تعريف خاطئ للجريمة السياسية من قبل المشرّع، ولفهم هذا الخلل، يجب أن نبدأ بمقدمة: إن النظم القانونية المختلفة، عند تعريف الجريمة السياسية، لا تلجأ عادة إلى استحداث جرائم جديدة، بل تعتبر بعض الجرائم الموجودة في القوانين جرائم سياسية إذا توافرت شروط معينة.
وأوضح أنَّه من الطبيعي في هذه الحالة أنه كلما اتسع نطاق تعريف الجريمة السياسية، استفاد عدد أكبر من المجرمين والمحكومين من مزايا وصف الجريمة السياسية، وبذلك يكون توسيع هذا النطاق في مصلحة المواطنين، في حين أن تضييقه يصب في مصلحة السلطة وأصحاب النفوذ.
وشدد على أهمية توضيح أن مختلف الدول سنت قوانين خاصة للتعامل مع موضوع الجريمة السياسية، وفي عام 2016 اعتمدت إيران نهجا خاصا لتعريف هذه الجريمة، حيث يعترف علم القانون بثلاثة مناهج رئيسية لتعريفها.
1-النهج العيني: يقوم على أساس أنه إذا أدّى سلوك المواطن عمليا إلى الإضرار بالهيكل السياسي والمؤسسات الحاكمة وسياسات الدولة، فإن الشخص يُعتبر مجرما سياسيا.
٢- النهج الذهني: يقوم على أساس التركيز فقط على دافع الفاعل، وبالتالي فإن أي جريمة إذا ارتُكبت بدافع سياسي تُعد جريمة سياسية.
٣- النهج العيني–الذهني: يقوم على أساس أن يكون سلوك الفاعل موجها ضد السلطة وسياساتها، وفي الوقت نفسه أن يكون مرتكب هذه الأفعال ذا دافع سياسي.
وأشار برهاني إلى أن المشرّع في عام 2016 لم يعتمد أيّا من المعايير الثلاثة المتعارف عليها لتعريف الجريمة السياسية، بل دمج بشكل غريب بين الحصر القانوني والنهج القائم على الدافع، فوفق المادتين 1 و2، تُعتبر جرائم الإهانة أو القذف على بعض مسؤولي الدولة أو نشر الأكاذيب جرائم سياسية فقط إذا كان الدافع إصلاح شؤون إيران دون المساس بأصل النظام، ما جعل نطاق التعريف ضيقا جدا.
ورأى أن المشرّع تعمّد الحد من شمول الوصف، متجاهلا جرائم أكثر وضوحا كالدعاية ضد النظام في المادة 500، والتي لا تُصنّف سياسيا بل أمنيا، ويحاكم مرتكبوها أمام محاكم الثورة في جلسات مغلقة ودون هيئة محلفين.
ب – النهج المتشدد في قبول صفة المجرم السياسي:
أفاد برهاني بأن المشرّع أدرج في تعريف الجريمة السياسية عنصرا نفسيا يتمثل في نية الإصلاح وعدم الإضرار بأصل النظام، وجعل تحديده من اختصاص النيابة أو المحكمة وفق المادة 5، مع حق المتهم في الاعتراض خلال التحقيق أو حتى نهاية الجلسة الأولى للمحاكمة.
وأكَّد أن معظم الجهات القضائية تميل إلى عدم اعتبار الجرائم سياسية، وتسلب هذه الصفة بسهولة بدعوى استحالة الجمع بين نية الإصلاح والانتقاد العلني، خصوصا في الأوضاع الحساسة، ما يعكس توجه ذهني يفرض سوء النية لدى المنتقدين ويؤثر على السياسة القضائية في هذا المجال.
وأوضح أن بعض الأجهزة الأمنية تضيف تهمة الدعاية ضد النظام إلى قضايا مثل نشر الأكاذيب أو القذف، مما يؤدي إلى اعتبار الجرائم غير سياسية ومحاكمة المتهم أمام محاكم الثورة أو المحاكم العامة، ورأى أن النظامين التشريعي والقضائي يجب أن يحددا ما إذا كان المجرم السياسي يُعتبر شخصا مخلصا يستحق معاملة مخففة.
وضرب مثالا بأستاذ قانون ينتقد أداء بعض مؤسسات الدولة بهدف الإصلاح، لكنه يُدان بجرائم أمنية رغم أنه يستوفي شروط الجريمة السياسية، ويصف الوضع الحالي بغير المناسب، حيث يُطبق قانون الجريمة السياسية لعام 2016 بطريقة تحدّ من الاعتراف بالمجرمين السياسيين، ويقترح إجراء حصر للقضايا لتحديد من كان يمكن اعتبارهم مجرمين سياسيين ولم يُعترف بهم كذلك.

