- زاد إيران - المحرر
- 888 Views
نشرت وكالة “خبر أونلاين” السبت 3 يناير/كانون الثاني 2025 حوارا تحليليا مع هادي برهاني، الأكاديمي والخبير البارز في الشؤون الإسرائيلية والدراسات الإقليمية، تناول فيه أبعاد التناغم السياسي والإعلامي بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وحدود التهديدات الإسرائيلية المتكررة ضد إيران، إضافة إلى قراءة معمّقة في الحرب النفسية والدعائية التي تمارسها تل أبيب، ومكامن القوة والضعف لدى الطرفين، وانعكاسات ذلك على مواقف دول المنطقة والمعادلات الإقليمية. وفي ما يلي نص الحوار:
يبدو لقاء ترامب ونتنياهو استعراضي ومبالغ فيه، ومن غير المرجح أن يعكس عمقا حقيقيا في التفاهمات والتعاون بينهما. كما أن الدعم غير المشروط لإسرائيل يتعارض مع شعار ترامب الأساسي «أمريكا أولا». كيف تقيّمون هذا اللقاء؟
تعد إسرائيل ونتنياهو اليوم من بين الأطراف الأكثر كراهية في عالم السياسة، ودعمهما لا يجلب لأي طرف رصيدا أو اعتبارا. إسرائيل في حاجة ماسة لهذا الدعم لتخرج من عزلتها الدولية غير المسبوقة، بينما الولايات المتحدة لا تحتاج لمثل هذا الأمر. في الواقع، المصالح الحقيقية للبلدين تختلف إلى حد كبير، لكن اللوبي الإسرائيلي يسعى جاهدا لتسويق احتياجات إسرائيل على أنها أولويات أمريكية.
اليوم، أصبح دعم إسرائيل في العالم أكثر خزيا وعارا من أي وقت مضى. فإسرائيل ارتكبت إبادة جماعية، وهي أكبر جريمة ممكنة، ونتنياهو مطلوب للمحاكمة أمام محكمة لاهاي بسبب هذه الجريمة.
تقول وسائل الإعلام إن نتنياهو حصل على كل ما يحتاجه من ترامب، ما رأيك؟
تبذل وسائل الإعلام الإسرائيلية وحلفاؤها الغربيون جهدا واضحا لترسيخ هذه الرسالة. لكن يبدو أن هذا الموقف معدّ مسبقا، ولا علاقة له تذكر بتصريحات ومواقف ترامب الواقعية. لقد قررت الآلة الدعائية الإسرائيلية سلفا، وحتى قبل تصريحات ترامب، نقل مثل هذه الصورة عن اللقاء ومواقف ترامب للعالم.
إن دعم ترامب لإسرائيل في هذا اللقاء كان مشروطا في الأساس، وحتى ذلك المستوى من التوافق اللفظي لا يبدو جادا أو عميقا، بل يبدو أقرب إلى التظاهر. فضلا عن ذلك، يجب اعتبار هذين السياسيين صاحبي أرقام قياسية في الكذب في عالم السياسة.
كان هذا اللقاء اجتماعا لـ “قمم الكذب” في العالم؛ وكلام هؤلاء الكذابين المحترفين لا يستحق الكثير من الاهتمام. لقد قال ترامب عدة أكاذيب واضحة في هذا اللقاء نفسه؛ حيث ادعى أن إسرائيل التزمت بنسبة 100% بوقف إطلاق النار في غزة، وهو كلام يثير سخرية العالم. كما ادعى أن رئيس إسرائيل يريد العفو عن نتنياهو، لكن رئيس إسرائيل نفسه نفى هذا الادعاء.

هل تقصد أن هؤلاء الزعماء “ناوروا” فيما يتعلق بالهجوم على إيران أيضا؟
من الناحية الفنية، وبعيدا عن المواقف السياسية، لا يبدو الهجوم على إيران محتملا بشكل كبير. لقد أضاعت إسرائيل في “حرب الـ 12 يوما” فرصة لن تتكرر لضرب إيران، ومن المستبعد أن تتوفر لها مثل تلك الفرصة بسهولة مرة أخرى. كما أنه من المستبعد أن تحقق إسرائيل في أي هجوم آخر على إيران مكاسب تفوق ما حققته في تلك الحرب.
لكن إسرائيل، وبالنظر إلى عنصر المفاجأة الذي حققته في تلك المعركة والضربات المؤلمة التي وجهتها، تريد إبقاء إيران في حالة من الخوف والتردد. هذا النهج نفسيّ أكثر منه أمنيا أو عسكريا. تدرك إسرائيل أن ذلك الهجوم كان ثقيلا جدا من الناحية النفسية على إيران وقادتها، وهي ترغب في استغلال هذه الصدمة النفسية لفرض مزيد من التكاليف السياسية والاقتصادية على إيران.
لذلك، تتحدث إسرائيل مرارا وتكرارا عن الهجوم، وعن المرافقة والضوء الأخضر من الولايات المتحدة وترامب، وتصر على إظهار أنيابها واستعدادها ورغبتها في مهاجمة إيران. كل هذه الأمور هي مؤشرات على “حرب دعائية ونفسية” أكثر من كونها حربا عسكرية وأمنية. وكما يقول المثل الإنجليزي: “الكلب الذي ينبح كثيرا، نادرا ما يعض!”.
صرّح ترامب بوضوح أن بإمكان إسرائيل مهاجمة الصواريخ الباليستية. لنفترض أن تهديد هذين الزعيمين مجرد مناورة، وافتراضا آخر بأنه تهديد حقيقي؛ بناء على ظروف المنطقة، ماذا سنشهد؟
أولا، إن تهديد إسرائيل بمهاجمة إيران بمرافقة أمريكية ينقض ادعاءاتهما السابقة حول تدمير القدرات النووية والصاروخية الإيرانية في المعركة السابقة. فإذا كانت قدرات إيران قد دُمرت حقا، فلا معنى لهجوم آخر أصلا؛ لذا فإن ذلك الادعاء السابق محل شك.
ثانيا، لا تستطيع إسرائيل اتخاذ قرار بشأن مهاجمة إيران ما لم تجد حلا للصواريخ الإيرانية. صحيح أن الصواريخ الإيرانية لم تدمّر إسرائيل بالكامل، ولكن بالنظر إلى الهشاشة الجيوسياسية لإسرائيل، فإن ذلك القدر من الخسائر يعد فعالا ومثيرا للرعب.
لا تستطيع إسرائيل تحمل هذه الضربات بسهولة. إنها تخفي رعبها الحقيقي من حجم الدمار الذي تخلفه هذه الصواريخ، وتحاول الحفاظ على مظهر المنتصر والمظفر، لكنها في الواقع قلقة بشأن الصواريخ الإيرانية وآلية عملها. وإيران بدورها أدركت نقطة القوة هذه، وستستخدم هذه الأداة بشكل أوسع وأكثر فاعلية في أي معركة محتملة مستقبلا. والآن، أصبح الإسرائيليون قلقين من الرؤوس الكيميائية والميكروبية للصواريخ الإيرانية، وتحمل هذا القلق ليس بالأمر السهل بالنسبة لسكان إسرائيل البالغ عددهم بضعة ملايين.
كيف أثّر تحول مواقف القوى الإقليمية تجاه طهران على حسابات الهجوم الإسرائيلي المحتمل ضد إيران؟
يبدو أن أحد عوائق الهجوم الإسرائيلي المحتمل على إيران هو موقف دول المنطقة، أو بتعبير أدق، “تغيير” مواقفها. دول وقوى إقليمية مثل السعودية ومصر والأردن وتركيا كانت تشعر بالخطر من جانب إيران في الماضي، لكن هذا الشعور بالخطر انتقل الآن تماما تجاه إسرائيل.
فإسرائيل أطلقت في العامين الأخيرين “صرخات” تهديد وعربدة خطيرة ومتغطرسة في المنطقة؛ حيث هاجمت قطر، وتهاجم سوريا، وتهدد السعودية وتركيا، وتتدخل في اليمن والصومال، والدول العربية ودول المنطقة قلقة للغاية من التحركات الإسرائيلية.
هذه الدول ترحب بنتيجة مفادها أن تكسر إيران “قرن” إسرائيل في الحرب القادمة، وتعمل فعليا على تحقيق هذه النتيجة. فهذه النتيجة تصب في مصلحة دول المنطقة ويمكنها وقف التغول الإسرائيلي في الإقليم. ولتحقيق هذا الغرض، من المهم جدا حل المشكلات المتبقية مع دول المنطقة وتطوير علاقات الصداقة والثقة معها.
إن أرضية الصداقة مع القوى الإقليمية، ولا سيما السعودية وتركيا ومصر، مهيأة أكثر من أي وقت مضى. ولاستغلال هذه الفرصة، يجب على إيران اتخاذ سياسات واقعية ومسؤولة، وترك الأخطاء الأيديولوجية والجيوسياسية السابقة جانبا.

كيف يتباين موقف الإمارات والسعودية تجاه الصراع الإيراني الإسرائيلي، وما أثر ذلك على أمن المنطقة؟
للأسف اقتربت الإمارات أكثر من اللازم من إسرائيل ومخططاتها الإقليمية. هذا النهج يعرض أمن ومكانة الإمارات في المنطقة للخطر، ومن المثير للدهشة غفلة المسؤولين الإماراتيين عن هذا الأمر.
وعلى العكس من ذلك، تبتعد السعودية يوميا عن إسرائيل ومخططاتها وتقترب من إيران. هذا الأمر يوفر الأرضية لمزيد من التعاون بين البلدين. والتعاون بين هذين القطبين في المنطقة يمكن أن يكون منطلقا لتغييرات وتحولات كثيرة تصب في مصلحة شعوب المنطقة وتضر بإسرائيل.
إن العائق الأكبر أمام هذا التغيير والتحول داخل إيران هو “التطرف” والتشدد الذي يفتقر للإدراك الصحيح لمصالح وعوائد العالم الإسلامي، ولا يستطيع النظر إلى هذا الموضوع بعيدا عن الجمود الأيديولوجي والضيق في الأفق. هذا النهج -سواء كان مقصودا أم لا- يمثل رصيدا لإسرائيل ومخططاتها الهادفة لإثارة التفرقة في المنطقة.
إن نقطة الضعف الرئيسية لإيران في مواجهتها مع إسرائيل هي الظروف الداخلية للبلاد. فالأوضاع الاقتصادية والسياسية ولّدت استياء واسع النطاق يهدد أمن البلاد وأصبح مطمعا لإسرائيل. تأمل إسرائيل أن تؤدي هذه المشكلات إلى إنهاك إيران من الداخل. لم تستطع إسرائيل استغلال هذا العامل لصالحها في “حرب الـ 12 يوما”، لكنها تترقب وتتحين الفرص القادمة، وتعتقد أن تفاقم الأوضاع الاقتصادية والسياسية سيجعل إيران منهكة وأكثر عرضة للاستهداف. هذه المشكلة الداخلية لن تُحل إلا عبر استجابة الحكومة للمطالب الشعبية والتقرب من الناس.
إذا فقد الشعب ثقته بالحكومة وكان غير راضٍ عنها، فستكون إسرائيل في وضع أفضل لمهاجمة إيران، وستأمل في إخراج البلاد من تحت سلطة وسيطرة الحكومة عبر ضرب قلب النظام. إن ظروف البلاد ليست طبيعية أبدا، وهذا يتطلب إجراءات استثنائية وخاصة. يجب أن يتولى مسؤولون يحظون بثقة الشعب مشاريع إصلاح الأمور الاقتصادية والسياسية الهامة في البلاد. وعلى السلطة أن تنظر لهؤلاء الأفراد -الذين قلّ عددهم كثيرا اليوم- كأصل ورأس مال هام لتجاوز هذا الوضع الخطير.

