- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 563 Views
كتب: الترجمان
بينما تنشغل شاشات الرادار بتتبع مسارات الصواريخ والمسيّرات في سماء طهران، وتضج العناوين الإخبارية بأصوات الانفجارات وتصريحات القادة العسكريين، تدور في أزقة المدن الإيرانية وصيدلياتها الكبرى حرب من نوع آخر، حرب لا تُسمع فيها أصوات القذائف، لكن ضحاياها يتساقطون بصمت فوق أسرة المستشفيات المتهالكة وفي طوابير الانتظار الطويلة.
مع دخول الحرب شهرها الأول، لم تعد أزمة الدواء في إيران مجرد نقص عابر في المستلزمات الطبية، بل تحولت إلى “تسونامي” يهدد بتقويض ما تبقى من تماسك اجتماعي. إن المشهد اليوم يتلخص في صراع وجودي يخوضه ملايين المرضى المصابين بأمراض مستعصية، حيث بات الحصول على جرعة كيماوي أو علبة دواء للقلب أصعب من العثور على ملجأ آمن من القصف الجوي، مما يضع الحق في الحياة تحت رحمة التوازنات السياسية وسلاسل التوريد المقطوعة.
جغرافيا الرعب: استهداف المستشفيات وانهيار الملاذ الأخير
تحولت المراكز الطبية التي يُفترض أن تكون “الملاذ الآمن” للمدنيين إلى أهداف مكشوفة في قلب الصراع المسلح. فوفقا للبيانات الميدانية وشهادات المسؤولين في وزارة الصحة، خرجت 13 مستشفى حيويا عن الخدمة تماما، بينما تضرر أكثر من 292 مركزا صحيا وعيادة جراء الهجمات المباشرة.
لم يكن هذا الاستهداف عسكريا فحسب، بل كان ضربة موجعة للروح المعنوية للمرضى وكوادر العلاج.
في مستشفى “شهداء الخليج” ببوشهر، يروي الطاقم الطبي كيف اضطروا لنقل الأطفال المرضى من غرف العمليات والأسرة تحت وابل من القلق والخطر، مما أدى إلى ارتباك جسيم في بروتوكولات العلاج.
إن تدمير 48 سيارة إسعاف واستهداف المنشآت الطبية يعكس وحشية الصراع الذي لم يفرّق بين ثكنة عسكرية وبين مبنى يضم مرضى في مراحل متأخرة من السرطان، مما جعل الذهاب للمستشفى في حد ذاته مغامرة قد تنتهي بفقدان الحياة بدلا من إنقاذها.

عندما يقتل القلق قبل أن يفعل المرض
تجسد قصة “هدی” ووالدها المصاب بسرطان الرئة مأساة آلاف العائلات الإيرانية التي تعيش “رعبا مزدوجا”. فبينما ينهش المرض جسد الأب، ينهش القلق والضغط النفسي روح الابنة التي تحاول التوفيق بين البحث عن طبيب اختفى خلف دخان الحرب وبين تأمين دواء لم يعد له أثر.
تروي “هدي” بمرارة كيف أن جلسات الكيماوي التي كانت منتظمة شهريا باتت اليوم حلما بعيد المنال، حيث تضاعفت الفترات بين الجلسات بقرار من الأطباء نتيجة النقص الحاد.
إن الانهيار النفسي الذي تعاني منه هذه العائلات يفوق الألم الجسدي، فكل صوت انفجار يهز نوافذ المنزل هو تذكير جديد بأن الوقت ينفد، وبأن الدواء الذي كان متوفرا بأسعار معقولة بفضل التأمين، بات اليوم يتطلب رحلة شاقة إلى صيدليات “13 آبان” أو “الهلال الأحمر”، حيث يواجه كبار السن وحدهم طوابير الذل بحثا عن “حقنة حياة” قد لا يجدونها في نهاية المطاف.
اختناق الشرايين اللوجستية: مضيق هرمز وبرزخ التوريد
الأزمة الدوائية الحالية ليست وليدة الصدفة، بل هي نتيجة مباشرة لخنق المسارات الجيو-استراتيجية التي تغذي إيران بالمواد الخام والأدوية النوعية. إن الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز وتعطل الهابّات الجوية الكبرى في المنطقة (دبي، أبوظبي، والدوحة) أدى إلى قطع “حبل الوريد” عن القطاع الصحي.
الأدوية البيولوجية واللقاحات وأدوية الأورام التي تتطلب شروط تخزين بالغة الدقة (سلسلة التبريد) باتت مهددة بالتلف أو الضياع في مسارات برية طويلة ومعقدة عبر إسطنبول أو عمان.
هذا الانقطاع اللوجستي تسبب في اختفاء الدواء الأجنبي تماما من الأسواق، وما تبقى منه في المخازن يتم تهريبه للسوق السوداء بأسعار فلكية. وحتى مع وجود بدائل محلية، يواجه المرضى مشكلة “عدم الملاءمة” أو الأعراض الجانبية الحادة، مما يتركهم في حالة من “التيه العلاجي” بين دواء مستورد مفقود ودواء محلي لا يفي بالغرض في الحالات المعقدة.

سوق “ناصر خسرو” السوداء: أثرياء الحرب على جثث المرضى
بينما تحاول وزارة الصحة طمأنة الجمهور بأن المخزون الدوائي “كاف”، يكشف الواقع في شارع “ناصر خسرو” الشهير بطهران عن حقيقة أكثر قتامة. لقد ازدهرت السوق السوداء بشكل مرعب، حيث تحول الدواء إلى سلعة للمضاربة مثل الذهب والعملات الأجنبية.
“زهرا”، مريضة السرطان ذات الأربعين عاما، تعبر عن خشيتها من المستقبل مع تلاشي قدرتها الشرائية، فالأدوية التي كانت تُصرف عبر التأمين بمبالغ زهيدة تضاعفت أسعارها بنسبة 100% وأكثر.
أما من لا يملكون غطاء تأمينيا، مثل العمال وكبار السن في المناطق النائية، فقد باتوا يواجهون أسعارا تصل إلى 50 مليون ريال لبعض الأدوية الأساسية، وهو رقم يعجز عنه أغلب أفراد الطبقة المتوسطة فما بالك بالفقراء. هذا التوحش السعري خلق طبقة من “أثرياء الأزمات” الذين يستغلون حاجة الناس للبقاء، محولين الأنين في غرف الإنعاش إلى أرباح في حساباتهم المصرفية.
تحذيرات “موسوي”: خطر التوقف الذاتي والعودة للصفر
تحذر “أعظم سادات موسوي”، المتخصصة في علم الأورام، من ظاهرة خطيرة بدأت تتفشى بين المرضى وهي “التوقف الذاتي عن العلاج”. فخوفا من القصف أو صعوبة الوصول للمشافي في وسط المدينة المزدحم بالمراكز الحساسة، يقرر بعض المرضى تأجيل عملياتهم الجراحية أو جلساتهم العلاجية.
هذا السلوك يذكرنا بكابوس جائحة كورونا، حينما كان المرضى يخشون مراجعة المراكز الصحية، مما أدى لاحقا إلى اكتشاف حالات في مراحل متأخرة جدا يصعب علاجها.
إن الضغط النفسي الهائل الذي يمارسه صوت الصواريخ وانهيار المباني المجاورة يجعل المريض يفضل البقاء في المنزل والموت “بكرامة” وسط عائلته على الموت في ممر مستشفى قد يُقصف في أي لحظة.
إن هذا الانقطاع عن البروتوكول الطبي يعني ببساطة “إعداما بطيئا” لآلاف الحالات التي كانت قابلة للشفاء قبل اندلاع شرارة الحرب.

استهداف التصنيع المحلي: ضرب القوة الذاتية للقطاع الصحي
لم تكتف الحرب بقطع الواردات، بل طالت يد الدمار القدرات الإنتاجية الوطنية. إن الهجوم على مصنع المستلزمات الطبية في أحد ضواحي طهران، وهو المصنع الذي يزود البلاد منذ عقدين بالعديد من الأدوية الهامة والاستراتيجية، يمثل طعنة في قلب الاعتماد على الذات.
تدمير وحدات التعقيم بالغاز (إيثيلين أوكسيد) والغرف النظيفة (Clean Rooms) يعني أن المستشفيات الإيرانية ستواجه قريبا نقصا حادا حتى في أبسط المستلزمات الجراحية والوريدية.
ورغم محاولات الإدارة توزيع حصص الإنتاج على وحدات أخرى، إلا أن الفجوة التي خلفها هذا الاستهداف الممنهج للبنية التحتية الدوائية لا يمكن ردمها في وقت قصير، مما يضع النظام الصحي أمام “شلل تقني” يضاف إلى عجزه المالي واللوجستي.
بين الأرقام الرسمية وصرخات الشارع: فجوة الثقة
هناك انفصام واضح بين خطاب المسؤولين، أمثال “حسين علي شهرياري” رئيس لجنة الصحة بالبرلمان الذي يؤكد عدم وجود نقص في الأسرة أو العناية المركزة، وبين ما يراه المواطن على أرض الواقع.
فالبيانات الرسمية تتحدث عن “تأهب كامل” و”تخزين استراتيجي”، بينما يتحدث المواطنون عن هواتف عيادات الأطباء التي لا تجيب، وعن مستشفيات مكتظة لا تستطيع استقبال الحالات غير الطارئة.
هذه الفجوة في الثقة تزيد من حالة الهلع الاجتماعي، وتدفع الناس لتخزين الأدوية بشكل عشوائي، مما يفاقم الأزمة ويحرم المحتاجين الفعليين من حصصهم الضرورية.
إن الحرب في إيران عام 2026 كشفت هشاشة النظام الصحي الذي، رغم قدرته على الصمود في ظروف العقوبات السابقة، وجد نفسه اليوم عاجزا أمام تداخل النيران الجوية مع حصار الممرات المائية والانهيار النقدي الحاد.

كارثة إنسانية عابرة للحدود
إن أزمة الدواء في إيران ليست مجرد شأن داخلي، بل هي نذير بكارثة إنسانية قد تمتد تداعياتها لتشمل الإقليم بأسره. فاستمرار تعطل سلاسل التوريد والضغط على المواد الخام الدوائية (API) التي تُصدر عبر المنطقة، سيؤدي حتماً إلى ارتفاع أسعار الأدوية عالمياً ونقصها في أسواق بعيدة مثل بریطانیا وأوروبا، كما حذر الخبراء.
أما في الداخل، فإن استمرار هذا الوضع سيعني تحول المستشفيات إلى “مشارح” باردة لمرضى لم يقتلهم الرصاص، بل قتلتهم السياسة وعجز الضمير العالمي عن تحييد القطاع الصحي من الصراعات المسلحة.
إن العالم اليوم مطالب، أكثر من أي وقت مضى، بفتح ممرات إنسانية آمنة وضمان وصول المستلزمات الحيوية، فالحق في العلاج هو الحد الأدنى من الإنسانية الذي يجب أن يصمد حتى تحت وقع الصواريخ، وإلا فإن التاريخ سيسجل أن “الموت الصامت” في صيدليات طهران كان أشد فتكا من ضجيج القنابل في أجوائها.

