- زاد إيران - المحرر
- 185 Views
دخلت الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران يومها الثلاثين على إيقاع تصعيد واسع ومتعدد الجبهات، عكس بوضوح أن المواجهة لم تعد محصورة في تبادل الضربات المباشرة بين طرفين متحاربين، بل باتت حربا إقليمية كاملة الأبعاد، تتداخل فيها الجبهات العسكرية مع الرسائل السياسية، والدعاية الحربية مع الحسابات الاقتصادية، والعمليات الميدانية مع معارك الإرادة والردع.
فمنذ الساعات الأولى لهذا اليوم 29 مارس/آذار 2026، بدا أن الميدان يتحرك في اتجاهين متوازيين، الأول هو استمرار الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على أهداف داخل إيران، بعضها عسكري وبعضها مدني أو مختلط، والثاني هو الرد الإيراني الذي سعى إلى تأكيد أن طهران لا تزال تملك القدرة على المبادرة والضرب على امتداد واسع، وأنها قادرة على توسيع بنك أهدافها بما يتجاوز إسرائيل المباشرة إلى المصالح الأمريكية والبنى المرتبطة بها في الخليج والعراق وسوريا وربما أبعد من ذلك. وفي خلفية هذه التطورات، حضرت بقوة لغة التهديد والتحذير، ولا سيما من جانب الحرس الثوري، الذي لم يكتف بإعلان موجات جديدة من عمليات الوعد الصادق ٤، بل انتقل أيضا إلى مستوى مختلف من التهديد السياسي والعسكري بإعلانه أن الجامعات الإسرائيلية والجامعات الأمريكية في غرب آسيا أصبحت أهدافا مشروعة بعد ضرب الجامعات الإيرانية.
هذا اليوم الثلاثون، كما تكشف تفاصيله، لم يكن يوما عاديًا في مسار الحرب. فقد جمع بين كثافة الضربات، وتوسيع مسرح العمليات، وارتفاع النبرة التعبوية، وتنامي الإشارات إلى أن الحرب بعد شهر لم تعد فقط حرب استنزاف بالنيران، بل تحولت أيضًا إلى صراع على من يفرض صورة الميدان ومن يملك القدرة على إقناع جمهوره وخصومه بأنه ما يزال صاحب اليد العليا.
الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران في اليوم الثلاثين
أظهرت تطورات اليوم الثلاثين، 29 مارس/ آذار 2026، أن الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران لم تقتصر على الأهداف العسكرية التقليدية، بل شملت طيفا واسعا من المواقع والمناطق، بما يعكس استراتيجية ضغط شاملة تستهدف البنية المادية والمعنوية للدولة الإيرانية معا. فقد شهدت طهران خلال ساعات هذا اليوم سلسلة هجمات طالت مناطق متعددة، من بينها متجر شهروند في حي أفـسریه، ومبان سكنية في المنطقة ٢٢، وطهرانسر، وظفر، وسعادت آباد، وهاشم زاده، وشيان، فضلا عن وحدة تجارية في بني هاشم، ومركز اتصالات في المنطقة ١، ومحيط التلفريك في توتشال، وحديقة ياس فاطمي الجنوبية، وسوق للخضار في المنطقة ١٥، ومجمع بانوراما وحديقة كوثر في حي شيان. وهذه الخريطة من الأهداف توحي بأن الضربات لم تكن موجهة فقط نحو عقد القيادة أو المنشآت العسكرية الصلبة، بل نحو نسيج حضري ومدني واسع، بما يضع العاصمة الإيرانية نفسها تحت ضغط يومي مستمر.

ولم تقتصر الاعتداءات على طهران وحدها. فقد تكررت الإشارات إلى سماع انفجارات في شمال شرق العاصمة وغربها، وإلى نشاط للدفاعات الجوية في طهران في أكثر من توقيت، ما يوحي بأن المدينة عاشت يوما ميدانيا مشحونا ومفتوحا على محاولات اختراق أو قصف متكررة. كما امتدت آثار الهجمات إلى محافظات أخرى، سواء عبر الضربات المباشرة أو عبر عمليات تفكيك وتفجير الذخائر غير المنفجرة. ففي أصفهان، أشير إلى استمرار سماع الانفجارات مع إعلان رسمي عن عمليات خنثى وتفجير لمخلفات الهجمات الأمريكية الإسرائيلية في جنوب وغرب المدينة، وهو ما يدل على أن هذه الجبهة لم تهدأ حتى عندما لا يكون القصف مباشرا، لأن آثار الضربات تبقى حاضرة ميدانيا ونفسيا.

ومن الوقائع اللافتة في هذا اليوم أيضا ما جاء عن تعرض مناطق سكنية في شفت بمحافظة جيلان لهجوم أسفر عن سقوط قتلى وجرحى، وكذلك الهجوم على بندربل في هرمزجان الذي أدى إلى مقتل ٥ أشخاص وإصابة آخرين، إضافة إلى أضرار لحقت بزوارق ومركبة. وتؤشر هذه الوقائع إلى أن الحرب في يومها الثلاثين لم تعد تدور فقط حول استهداف منشآت ذات طابع استراتيجي، بل باتت تشمل أيضًا بيئات مدنية ومرافق ذات استخدامات محلية أو خدمية، بما يوسّع من أثر الحرب على المجتمع الإيراني ويزيد من الضغوط الداخلية المرتبطة بالخسائر البشرية وتضرر المرافق العامة والخاصة.

الأخطر في مشهد هذا اليوم هو ما نقلته وسائل الإعلام عن قصف جامعات ومراكز علمية وبحثية في إيران خلال الساعات الأربع والعشرين السابقة، بما في ذلك جامعة علم وصناعة طهران وجامعة أصفهان الصناعية، وما رافق ذلك من سقوط ضحايا بين الطلاب والأساتذة. هذا النوع من الضربات لا يحمل فقط قيمة عسكرية محدودة أو رمزية، بل يمثل، في الوعي الإيراني، استهدافا مباشرا لبنية الدولة المعرفية ولمفهوم السيادة الثقافية والعلمية. ولهذا لم يكن غريبا أن يتحول هذا الملف إلى محور رئيسي في خطاب الرد الإيراني، وأن تستخدمه طهران لإعادة تعريف نطاق الأهداف المشروعة في المرحلة التالية من الحرب.


في السياق نفسه، برزت إشارات إلى أضرار طالت مواقع ومبان ذات طابع تاريخي وثقافي، مثل ما ذكر عن تعرض عدد من الأبنية الأثرية في أصفهان للتضرر، وعن الحديث عن استهداف أو تضرر عشرات المواقع التراثية في البلاد. وهذه المعطيات، سواء كانت نتائج مباشرة للاستهداف أو من آثار جانبية للهجمات، تمنح الحرب بعدا إضافيا، إذ لم تعد فقط حربا على القدرات العسكرية أو البنى الصناعية، بل باتت تقدم داخل السردية الإيرانية بوصفها حربا على الذاكرة، والهوية والتراث والعلم.
من زاوية أخرى، فإن كثافة الضربات واتساع مسرحها في الداخل الإيراني يشيان بأن واشنطن وتل أبيب أرادتا في اليوم الثلاثين الحفاظ على ضغط عسكري ونفسي متواصل، وإظهار أن قدرة إيران على الصمود والرد لا تعني أنها نجحت في تحييد الهجوم على أراضيها. فالهجمات المتكررة على طهران تحديدًا تحمل معنى سياسيا يفوق بعدها التكتيكي، لأنها تستهدف عصب الدولة ومركز القرار ومجالها الرمزي. كما أن ضرب مناطق متفرقة في العاصمة وفي محافظات أخرى يوصل رسالة بأن السماء الإيرانية ليست آمنة بالكامل، وأن الحرب ما زالت قادرة على الوصول إلى عمق الداخل.
الرد الإيراني وأهم الهجمات وتهديدات الحرس الثوري
على الجانب الأخر، فإذا كانت الهجمات الأمريكية الإسرائيلية قد هدفت إلى إبقاء الداخل الإيراني تحت الضغط، فإن الرد الإيراني في اليوم الثلاثين جاء ليقول إن طهران لا تزال قادرة على توسيع مجال النار، بل وعلى تحويل مساحات واسعة من الشرق الأوسط إلى ساحة اشتباك متصلة. فمنذ فجر اليوم، أعلن الحرس الثوري الإيراني عن انطلاق الموجة ٨٦ من عملية الوعد الصادق ٤، وهي تسمية تكشف وحدها أن إيران أرادت إبراز استمرارية عملياتها لا بوصفها ردا موضعيا، بل حملة عسكرية متواصلة ذات بنية تصاعدية.
وبحسب البيانات المنسوبة إلى الحرس، فإن المرحلة الأولى من هذه الموجة استهدفت بنى تحتية للعمليات الجوية والمسيرة ومخازن أسلحة في قواعد أمريكية مثل فيكتوريا، وعريفجان، والخرج، قبل أن تتسع الأهداف إلى مواقع وصفت بأنها تضم قوات أمريكية وإسرائيلية أو مواقع مرتبطة بها في عراد والنقب وتل أبيب، وأربيل، والأسطول الخامس، والظفرة.
من أبرز ما ميز الرد الإيراني هذا اليوم، الهجمات الصاروخية على إسرائيل ذاتها، ولا سيما ما نقل عن سماع انفجارات عنيفة في وسط إسرائيل، وعن انفجارات متتالية في المركز، وإطلاق موجات صاروخية متعاقبة في فترات متقاربة، فضلا عن انطلاق صفارات الإنذار في حيفا و١٦٩ نقطة أخرى في الشمال. في السياق نفسه، تحدثت تقارير عن انفجارات شديدة في ديمونا، وإصابات في مناطق جنوب فلسطين المحتلة، وعن دخول ملايين الإسرائيليين إلى الملاجئ.

كما أن الرد الإيراني لم يقتصر على إسرائيل، فقد ظهرت بوضوح رغبة في توزيع الضغط على مسرح إقليمي أوسع، عبر الحديث عن هجمات على قواعد أو مصالح أمريكية في الأردن والبحرين والإمارات والكويت، والسعودية، والعراق. كذلك، ووردت إشارات إلى سماع انفجارات في دبي وأبو ظبي، وإلى تعامل الدفاعات الإماراتية مع عدد كبير من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وإلى انفجارات في الكويت والبحرين، إضافة إلى هجمات على قواعد أمريكية في الأردن والسعودية، وإلى استهداف قاعدة قسرك في سوريا وقاعدة فيكتوريا قرب مطار بغداد.
من التطورات المهمة أيضا ما أُعلن عن استهداف منشآت صناعية مرتبطة، وفق الرواية الإيرانية، بالصناعات العسكرية والفضائية الأمريكية، وعلى رأسها مصنع إيمال في الإمارات ومصنع ألبا في البحرين. اللافت أن الحرس الثوري تعمد إعطاء هذه الضربات بعدا استراتيجيا، عبر القول إنها استهدفت صناعات مرتبطة مباشرة بالبنية العسكرية الأمريكية، وليس مجرد منشآت اقتصادية مدنية.

أما أكثر ما يلفت الانتباه في خطاب الرد الإيراني خلال اليوم الثلاثين، فهو الانتقال من منطق الرد العسكري المباشر إلى منطق التهديد الردعي المفتوح. فقد أصدر الحرس الثوري تحذيرا غير مسبوق باعتبار الجامعات الإسرائيلية والجامعات الأمريكية في غرب آسيا أهدافا مشروعة إلى حين ضرب جامعتين ردا على الجامعات الإيرانية التي تعرضت للقصف. وهذه اللغة تمثل تصعيدا بالغ الخطورة، حيث تنقل المواجهة من استهداف القواعد والمطارات والمصانع إلى فضاء الجامعات والمؤسسات الأكاديمية.
وتكمن أهمية هذا التهديد في أنه يجمع بين ثلاثة مستويات، الأول عسكري، لأنه يضيف نوعا جديدا من الأهداف المحتملة، والثاني سياسي، لأنه يحمل واشنطن وتل أبيب مسؤولية أي تصعيد لاحق في هذا المجال، والثالث دعائي رمزي، لأنه يربط الحرب بمفهوم الرد بالمثل على استهداف العلم والمعرفة، كذلك تمثل دعوة الحرس الثوري للعاملين والطلاب في الجامعات الأمريكية في المنطقة إلى الابتعاد مسافة كيلومتر واحد عن هذه الجامعات أن الرسالة لم تكن خطابا تعبويا داخليا فقط، بل محاولة لإرسال إنذار مباشر إلى الأطراف المستهدفة وإلى الرأي العام الإقليمي والدولي.

في الإطار نفسه، برزت تهديدات إيرانية أخرى ذات طابع ردعي صريح، مثل التحذير الموجه إلى حاملة الطائرات الأمريكية أبراهام لينكولن، والتصريحات التي تحدثت عن أن القادة والجنود الأمريكيين سيصبحون “غذاء لأسماك قرش الخليج على حد التعبير. هذه اللغة الحادة تعبر عن سعي واضح إلى رفع سقف الردع الكلامي بالتوازي مع النيران الميدانية، وتؤكد أن إيران لا تريد فقط تسجيل ضربات، بل تريد أيضًا إعادة تشكيل صورة الحرب باعتبارها حربًا مكلفة ومفتوحة على احتمالات أكبر بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها.
كذلك لا يمكن إغفال أن الرد الإيراني في اليوم الثلاثين جاء ضمن مشهد تحالفات نارية أوسع، حيث حضرت إشارات متكررة إلى هجمات لحزب الله من لبنان، وإلى عمليات للمقاومة العراقية، وإلى موجة ثانية من الهجوم الصاروخي اليمني، ما معناه أن إيران أرادت تظهر أن الرد لا يصدر عن الدولة الإيرانية وحدها، بل عن شبكة من الجبهات المتساندة، بما يعزز الانطباع بأن أي حرب على إيران تتحول بالضرورة إلى حرب متعددة المسارح.
بعد شهر من الحرب، كيف تبدو جبهة القتال؟
بعد مرور شهر كامل على اندلاع الحرب، يبدو المشهد، حسب خبراء ومحللين، أكثر تعقيدا من صورة نصر سريع أو حسم قريب لأي من الطرفين. فاليوم الثلاثون، كما تعكسه الوقائع، لا يقدم صورة جبهة تنهار فيها إيران تحت الضربات، ولا صورة جبهة نجحت فيها إيران في إنهاء التفوق الجوي والناري الأمريكي الإسرائيلي. بل يقدم مشهدا لحرب استنزاف متبادلة، فيها قدرة عالية على الضرب من الجانبين، وفيها أيضًا عجز واضح عن تحقيق كسر استراتيجي حاسم.
على الجبهة الأمريكية الإسرائيلية، يمكن القول إن الطرفين ما زالا يحتفظان بقدرة معتبرة على الوصول إلى العمق الإيراني، وخاصة إلى طهران ومحيطها ومحافظات أخرى. فالضربات مستمرة، والأهداف متنوعة، والدفاعات الجوية الإيرانية رغم نشاطها لا تمنع كليا وقوع إصابات وأضرار بشرية ومادية. وهذا يعني أن الحملة على إيران لم تفقد قدرتها على التأثير العملياتي والنفسي. لكن في المقابل، فإن استمرار الحرب إلى اليوم الثلاثين مع بقاء إيران قادرة على إطلاق موجات صاروخية ومسيّرة متكررة، وعلى فتح جبهات إقليمية مساندة، يعني أن الرهان على إنهاك إيران سريعًا أو تجريدها من قدرتها الهجومية لم يتحقق بالصورة التي كان يُفترض أن تتحقق بها.

أما على الجبهة الإيرانية، فيبدو أن طهران نجحت في الحفاظ على مستوى من القدرة الهجومية يمنع خصومها من ادعاء الحسم. الضربات على إسرائيل لم تتوقف، والإنذارات لا تزال تدفع ملايين الإسرائيليين إلى الملاجئ، والقواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة تدخل بصورة متزايدة في بنك الأهداف، كما أن الهجمات على منشآت اقتصادية وصناعية مرتبطة بالرواية الإيرانية عن الدعم الحربي الأمريكي تعني أن طهران اختارت توسيع مفهوم الرد إلى المجال الاقتصادي والعابر للحدود. ومع ذلك، فإن استمرار تعرض الداخل الإيراني للقصف، واتساع رقعة الدمار والخسائر المدنية، يكشف أن إيران أيضًا لم تنجح في فرض ردع كامل يمنع خصومها من مواصلة الهجمات.
وتكشف جبهة الشهر الأول أيضا أن الحرب لم تعد محكومة فقط بمعيار السيطرة العسكرية المباشرة، بل باتت تقاس كذلك بقدرة كل طرف على تحمل الاستنزاف وتوزيع الكلفة، فإيران، وفق هذه الصورة، تحاول توزيع الكلفة على إسرائيل وعلى الوجود الأمريكي في المنطقة وعلى الشركاء الإقليميين، فيما تحاول واشنطن وتل أبيب إبقاء الكلفة مركزة داخل إيران، سياسيا وعسكريا واجتماعيا. ومن هنا يمكن فهم لماذا باتت الموانئ والمضائق والطاقة والجامعات والمنشآت الصناعية عناصر حاضرة في الحرب إلى جانب القواعد والمطارات والرادارات.
في المحصلة، يكشف اليوم الثلاثون أن الحرب دخلت مرحلة أكثر خطورة، لا لأن أحد الطرفين حقق اختراقا حاسما، بل لأن كليهما ما زال يملك القدرة والإرادة لمواصلة التصعيد. إسرائيل والولايات المتحدة تواصلان ضرب الداخل الإيراني بما يشمل العاصمة ومناطق مدنية وعلمية، وإيران ترد عبر صواريخها ومسيّراتها وعبر توسيع بنك أهدافها في إسرائيل والمنطقة، فيما يرفع الحرس الثوري سقف التهديد إلى مستويات غير مسبوقة. وبعد شهر من القتال، تبدو الجبهة جبهة استنزاف مفتوح، لا غالب فيها حتى الآن ولا مؤشرات جدية على توقف قريب، بل على العكس: كل معطيات اليوم الثلاثين توحي بأن الحرب، بدل أن تنطفئ تحت وطأة الخسائر، أخذت شكلها الأكثر اتساعا وتشابكا، وباتت مواجهة على مستقبل التوازن الإقليمي كله، لا على حدود ضربة وضربة مقابلة فحسب.

