- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 328 Views
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والدولية وتزايد الضغوط على طهران، تتجه الساحة الإيرانية نحو مرحلة جديدة تعكس تحولات واضحة في طريقة إدارة ملفاتها الاستراتيجية، فيما تكشف التطورات الأخيرة عن ميل متزايد نحو تبني خيارات أكثر حدة، مدفوعة بتداخل الاعتبارات الأمنية مع الحسابات السياسية، في وقت تتراجع فيه الثقة بالأطر الدولية القائمة. ويعكس هذا المسار نقاشا داخليا متصاعدا حول حدود الخيارات المتاحة، بين التصعيد أو إعادة التموقع. وبين هذين الاتجاهين، تبدو المرحلة الحالية حاسمة في رسم ملامح الدور الإيراني في المشهد الإقليمي والدولي، وما قد يحمله ذلك من تداعيات واسعة خلال الفترة المقبلة.
تفاصيل الطرح البرلماني الإيراني ومضامينه الكاملة
فقد شهدت الساحة السياسية الإيرانية تطورا لافتا مع طرح مشروع قانون ذي أولوية قصوى داخل البرلمان تحت عنوان دعم الحقوق النووية للشعب الإيراني، في خطوة تعكس تحولا متزايدا نحو التشدد في التعامل مع الملف النووي، خصوصا في ظل التوترات الإقليمية والتصعيد العسكري القائم. فقد أعلن النائب عن طهران، مالك شريعتي، عن تقديم هذا المشروع، مؤكدا أنه تم إدراجه رسميا في المنظومة الإلكترونية للبرلمان وإحالته إلى نائب الشؤون القانونية تمهيدا لطرحه على جدول الأعمال.

ويأتي هذا المشروع بصيغة ذو أولوية عاجلة للغاية، وهي أعلى درجات السرعة في الإجراءات التشريعية داخل البرلمان الإيراني، ما يعني أنه سيتم طرحه ومناقشته والتصويت عليه خلال فترة زمنية قصيرة جدا، وقد يتم ذلك في جلسة واحدة، بحضور أعضاء مجلس صيانة الدستور للنظر في مطابقته للشريعة الإسلامية والدستور.
هذا ويتضمن المشروع ثلاثة محاور رئيسية تمثل جوهر التحول المقترح في السياسة النووية الإيرانية، أول هذه المحاور هو إعلان انسحاب إيران من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT)، وهو ما يعد خطوة استراتيجية ذات أبعاد دولية واسعة، أما المحور الثاني فينص على إلغاء قانون الإجراء المتبادل الذي أقرته إيران سابقا لتنظيم تنفيذ التزاماتها ضمن الاتفاق النووي السابق، اتفاق 5+1، وهو القانون الذي كان يتيح للحكومة تقليص التزاماتها تدريجيا ردا على عدم التزام الأطراف الأخرى. ويأتي المحور الثالث ليؤكد على دعم إبرام اتفاقيات دولية جديدة مع دول متوافقة مع إيران، مثل دول منظمة شنغهاي أو مجموعة بريكس، بهدف تطوير التكنولوجيا النووية لأغراض سلمية خارج الإطار الغربي.


ولا يقف المشروع عند حدود الإعلان السياسي، بل يتضمن التزامات تنفيذية واضحة تلزم الحكومة الإيرانية باتخاذ إجراءات فورية في حال إقراره، من بينها إنهاء جميع الالتزامات الناشئة عن معاهدة عدم الانتشار، ووقف أي مفاوضات مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية الثلاث، فرنسا وألمانيا وبريطانيا، إضافة إلى إنهاء التعاون الرقابي مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. كما يلزم المشروع وزارة الخارجية ومنظمة الطاقة الذرية الإيرانية بتقديم تقرير خلال أسبوع واحد إلى البرلمان حول الإجراءات التي تم اتخاذها لتنفيذ هذا القانون.
ويأتي هذا التحرك في سياق سياسي متوتر حيث يتزامن المشروع مع استمرار العمليات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد طهران، والتي كانت أخرها ضربات وجهة لمنظومات الطاقة والمنشآت النووية، ما يدفع التيار المتشدد داخل البرلمان إلى الدفع نحو خيارات أكثر حدة. ويرى مراقبون أن المشروع يعكس توجها متزايدا داخل بعض الأوساط السياسية الإيرانية نحو تقليص الاعتماد على الأطر الدولية التقليدية، والبحث عن بدائل استراتيجية مع قوى دولية صاعدة.
إيران وإن بي تي… تاريخ من المواجهة
تعد معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) واحدة من أهم الاتفاقيات الدولية التي تهدف إلى الحد من انتشار الأسلحة النووية وتعزيز الاستخدام السلمي للطاقة النووية. وقد دخلت هذه المعاهدة حيز التنفيذ عام ١٩٧٠، وتشكل منذ ذلك الحين حجر الزاوية في النظام الدولي للحد من التسلح النووي.

وتنص المعاهدة على التزام الدول غير النووية بعدم تطوير أو امتلاك أسلحة نووية، مقابل حصولها على حق استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية، تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. كما تفرض المعاهدة التزامات على الدول النووية بالسعي نحو نزع السلاح النووي، وإن كان هذا الجانب محل جدل دائم بسبب بطء التقدم فيه.
انضمت إيران إلى هذه المعاهدة عام ١٩٦٨، وصدّقت عليها رسميا عام ١٩٧٠، لتكون من الدول غير النووية الملتزمة بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي. وعلى مدى العقود الماضية، ظل البرنامج النووي الإيراني موضوعا رئيسا في العلاقات الدولية، خاصة بعد الكشف عن بعض أنشطته في أوائل الألفية الثالثة، ما أدى إلى فرض عقوبات دولية مشددة.
وفي عام ٢٠١٥، تم التوصل إلى الاتفاق النووي المعروف بخطة العمل الشاملة المشتركة، والذي نص على فرض قيود صارمة على البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع تدريجي للعقوبات. وقد اعتبر هذا الاتفاق إنجازا مهما في إطار معاهدة عدم الانتشار، قبل أن تنسحب منه الولايات المتحدة عام ٢٠١٨، ما أدى إلى تراجع كبير في فعاليته.
ورغم ذلك، استمرت إيران في عضويتها في المعاهدة، مع قيامها بتقليص تدريجي لالتزاماتها النووية استنادًا إلى بنود في الاتفاق تسمح لها بذلك في حال إخلال الأطراف الأخرى بتعهداتها. إلا أن الحديث عن الانسحاب الكامل من المعاهدة يمثل تحولًا جذريًا في السياسة الإيرانية.

وتنص المادة العاشرة من معاهدة عدم الانتشار على أنه يحق لأي دولة عضو الانسحاب منها إذا رأت أن أحداثا استثنائية تهدد مصالحها العليا، بشرط تقديم إشعار مسبق. وقد استخدمت كوريا الشمالية هذا الحق في عام ٢٠٠٣، لتصبح لاحقا دولة نووية، وهو ما يثير مخاوف دولية من أن تسلك إيران مسارًا مشابهًا في حال انسحابها.
ويُنظر إلى الانسحاب من المعاهدة على أنه خطوة ذات تداعيات كبيرة، إذ قد يؤدي إلى فقدان الثقة الدولية في البرنامج النووي الإيراني، ويزيد من احتمالات التصعيد السياسي والاقتصادي. كما أنه قد يؤدي إلى إنهاء التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ما يعني غياب الرقابة الدولية على الأنشطة النووية الإيرانية.
وفي هذا السياق، يثير المشروع البرلماني تساؤلات حول مستقبل العلاقة بين إيران والمجتمع الدولي، وما إذا كانت طهران تتجه نحو إعادة تعريف موقعها في النظام الدولي، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية العالمية.
التداعيات المحتملة للمشروع في ظل الظروف الحالية
صرح خبراء في الشأن الإيراني أنه في حال إقرار هذا المشروع، فإن تداعياته قد تكون عميقة ومتعددة الأبعاد، خاصة في ظل الظروف الإقليمية والدولية الحالية، فمن الناحية السياسية، قد يؤدي الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار ووقف التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى تصعيد كبير في التوتر بين إيران والمجتمع الدولي، وربما يفتح الباب أمام فرض عقوبات جديدة أو اتخاذ إجراءات أكثر صرامة.
وفي هذا الإطار، حذر أستاذ القانون الدولي محسن عبد اللهي من أن هذا المشروع قد يضعف الموقف القانوني لإيران في الملف النووي، ويمنح خصومها ذريعة لتصويرها على أنها تسعى إلى تطوير سلاح نووي، كما أشار إلى أن إدراج مثل هذه البنود في قانون رسمي قد يُستخدم في الخطاب الدولي ضد إيران، حتى وإن لم تكن هذه النية موجودة فعليا.

كما أكد عبد اللهي أن الرد على الولايات المتحدة من خلال هذا النوع من التشريعات ليس ضروريا، خاصة أن واشنطن لم تعد طرفا في الاتفاق النووي، ولا تملك حقا قانونيا، ورأى أن أي رد يجب أن يكون موجها إلى مجلس الأمن الدولي في حال استجاب لمطالب الولايات المتحدة، وليس إلى الولايات المتحدة نفسها.
وأشار أيضا إلى أن المشروع يخلط بين تقليص الالتزامات والانسحاب الكامل من الاتفاق النووي، وهو ما قد يؤدي إلى نتائج غير محسوبة، كما حذر من أن بعض بنود المشروع قد تتعارض مع الفتوى الدينية التي تحرم إنتاج واستخدام أسلحة الدمار الشامل، ما قد يثير جدلا داخليا في إيران.
ومن الناحية الدبلوماسية، قد يؤدي إقرار المشروع إلى إنهاء أي مسار تفاوضي مع الدول الغربية، خاصة أنه ينص صراحة على وقف المفاوضات مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية، كما أن إنهاء التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد يزيد من الشكوك الدولية حول طبيعة البرنامج النووي الإيراني.
وفي السياق الإعلامي، من المتوقع أن يؤدي إقرار المشروع إلى تصعيد في الخطاب الدولي ضد إيران، حيث يمكن استخدامه كدليل على توجهها نحو التصعيد النووي، ما قد يبرر اتخاذ إجراءات أكثر تشددًا ضدها.
ورغم أن مؤيدي المشروع يرون فيه وسيلة لاستعادة الحقوق النووية والرد على الضغوط الغربية، إلا أن منتقديه يحذرون من أنه قد يؤدي إلى عزلة دولية أعمق، ويضعف موقف إيران في الساحة الدولية. وفي ظل هذه المعطيات، يبقى مستقبل المشروع مرهونا بالتوازنات السياسية داخل إيران، وكذلك بتطورات المشهد الإقليمي والدولي، حيث يمكن أن يشكل نقطة تحول في مسار الملف النووي الإيراني، إما نحو مزيد من التصعيد أو نحو إعادة فتح باب التفاوض بشروط جديدة.

