- زاد إيران - المحرر
- 349 Views
في ظل التوترات الإقليمية وتداعيات الحرب التي استمرت 12 يوما مع إسرائيل في يونيو/حزيران عام 2025، كشفت أزمة مغادرة ملايين الأفغان من إيران عن هشاشة الاقتصاد والبنية التحتية للخدمات البلدية.
تجمع آلاف الأفغان في معابر خوزستان، بهدف زيارة الأربعين في كربلاء، لكنهم واجهوا عوائق بيروقراطية وترحيلا قسريا، مما يعكس أزمة هجرة أعمق، غادر أكثر من 1.5 مليون شخص، مما أثر على قطاعات حيوية مثل البناء والنظافة، حيث شكل الأفغان ما بين 50-75% من العمالة، حسب التقديرات الحديثة، ما تسبب في توقف مشاريع وارتفاع التكاليف بنسبة 40%.
بينما يرى البعض فرصة لتوظيف الإيرانيين، يحذر آخرون من نقص العمالة الماهرة وتفاقم أزمة الخدمات في مدن مثل طهران و”بهشت زهراء”.
تكشف هذه الأزمة عن تحديات إدارية وسوء تخطيط، مع دعوات لتنظيم الهجرة، تدريب المحليين، ومكننة الخدمات.. فهل ستتحول هذه التحديات إلى بوابة لتحسين سوق العمل، أم ستعمق الفجوة الاقتصادية والاجتماعية في البلاد؟
فوضى الحدود: أفغان يصطدمون بجدار الوثائق في طريقهم إلى كربلاء
تخيل آلاف الأشخاص يتجمعون تحت شمس خوزستان اللاهبة، يحملون أطفالهم وأمتعتهم، ينتظرون لحظة العبور إلى العراق، هذا ما حدث مؤخرا عند معبري شلامجة وجاذبة، حيث وصل مواطنو أفغانستان المقيمون في إيران، محملين بأمل زيارة ضريح الإمام الحسين في كربلاء خلال موسم الأربعين لكنهم اكتشفوا، بعد ساعات من الانتظار، أن غياب “وثيقة خادم” – التصريح القانوني لخروج غير الإيرانيين – يحول دون تحقيق حلمهم.
بحسب تقارير حديثة، أبلغت السلطات هؤلاء المقيمين أولا بأن معبر شلامجة هو البوابة المخصصة لهم، لكن عند الوصول، وجهوهم إلى معبر جاذبة هناك، أدى نقص الوثائق إلى تجمع هائل، مما أثار خلافات وتزاحما، للسيطرة على الوضع، نقلت السلطات كثيرين إلى ثكنة ثامن الأئمة الحميدية، حيث قضوا ساعات عصيبة في انتظار الحل.
وفي تفصيل جديد، أفادت منظمة الهجرة الدولية بأن هذه الحادثة جزء من حملة ترحيل أوسع، حيث أجبرت إيران على إعادة أكثر من 1.5 مليون عامل إلى وطنهم في عام 2025، غالبيتهم من الأفغان بسبب مخاوف أمنية متزايدة بعد النزاع مع إسرائيل، كما أن تأخر إصدار التأشيرات لزيارة الأربعين أثار غضب الآلاف، مما جعل الرحلة أكثر تعقيدا.

أكد العميد أحمد نقبان، نائب قائد شرطة خراسان رضوي، أنه لن يُسمح لأي مواطن غير شرعي بالإقامة أو العمل في المحافظة، وسيتم إعادة هؤلاء المواطنين إلى بلادهم مع احترام حقوق المواطنة والكرامة الإنسانية.
كما أعلن محافظ طهران، محمد صادق معتمديان، أن تنظيم شؤون الأجانب يتصدر أولويات الحكومة الرابعة عشرة برئاسة مسعود بزشكيان وأوضح أنه منذ تولي حكومة المحافظة مهامها، تم تحديد هوية غير المرخص لهم، حيث تستضيف طهران نصف أجانب البلاد.
وفي إطار هذا الجهد، أُعيد خلال المائة يوم الماضية أكثر من مليون شخص غير مرخص على مستوى إيران، منهم 450 ألفا من طهران، إلى أفغانستان باحترام عبر نقاط الحدود.
وأشار معتمديان إلى أن العديد من المهاجرين الأفغان المرخص لهم لا يزالون موجودين، موضحا أن أكثر من 220 ألف طالب أجنبي استفادوا من 6000 فصل دراسي العام الماضي، وهذا العام ستتيح المدارس تسجيل أطفال العائلات المرخصة، مما يعزز القدرة التعليمية دون الحاجة لمدارس جديدة، ومن جهة أخرى، أكد داود بيجينيجاد نائب رئيس نقابة مستشاري العقارات، أن مغادرة الأفغان غير المرخص لهم ساهمت إيجابيا في استقرار سوق الإسكان مؤخرا.
السيد ربيعي، رئيس المديرية العامة لشؤون الجنسيات والمهاجرين في خوزستان، كان حاضرا شخصيا في الثكنة للإشراف، قال لوكالة تسنيم للأنباء: “رغم الحضور الكثيف الذي أبطأ الإجراءات، زدنا عدد الموظفين لإصدار الشهادات، وغادر معظمهم اليوم إلى العراق”، وأضاف أن الثكنة توفر خدمات غذائية وطبية، بينما تتولى شرطة الجوازات إصدار الوثائق، لحسن الحظ، صدرت الوثائق الرئيسية لهم، مما سمح للرعايا الأفغان بالمغادرة.
لكن هذه الحادثة تكشف عن تحديات أكبر: في 2025، حددت إيران موعدا نهائيا في يوليو/تموز 2025 لمغادرة غير المصرحين، مما أثر على ملايين يعتمدون على إيران كملاذ.
رحيل العمال الأفغان: كارثة اقتصادية أم بوابة للتوظيف المحلي؟
مع رحيل هؤلاء الأفغان، يبرز سؤال أعمق: ماذا عن تأثير مغادرة ملايين الأفغان على اقتصاد إيران؟ يعود وجود العمال الأفغان في قطاع البناء إلى عقود، مدفوعا بالحروب في أفغانستان والفرص الاقتصادية في إيران لكن في 2025، أدت حملة الترحيل إلى انخفاض حاد في عددهم، مما أثار جدلا حول ما إذا كان هذا نقصا في العمالة أم فرصة للإيرانيين.
تشير تقارير حديثة إلى أن قطاع البناء، الذي يعتمد بنسبة 50-75% على الأفغان، يعاني الآن من توقف مشاريع وارتفاع تكاليف بنسبة 40%، في السابق، كان حوالي 1.5 مليون أفغاني يعملون في البناء، لكن الإحصاءات الرسمية لوزارة العمل تتحدث عن 433 ألف عامل أجنبي مرخص فقط حتى يونيو/ حزيران 2024، مع 53% في البناء، أما غير الرسميين، فيتجاوزون 5 ملايين، نصفهم في هذا القطاع.
علي باقري، مدير عام وكالة توظيف الأجانب، أشار إلى أن نسبة المهاجرين العاملين في البلاد لا تتجاوز خمسة بالمائة من إجمالي الوظائف، ويتركز تواجدهم في قطاعات غالبا ما يتجاهلها الإيرانيون، وأضاف أن المغادرة المفاجئة للمواطنين قد تعرقل تقدم المشاريع.
من جهته، أوضح سكرتير جمعية التنمية السكنية أن النقص الحاصل في العمالة الماهرة وشبه الماهرة، عقب رحيل بعض المواطنين، قد تسبب في ارتفاع تكاليف البناء ومع ذلك، أكد أن هذا التحدي سيُعالج على المدى المتوسط من خلال تدريب العمالة المحلية.

في سياق متصل، يرى ميكائيل صديقي، رئيس نقابة عمال البناء في كردستان، أن مغادرة المواطنين قد تفتح آفاقا لتنشيط سوق العمل الإيراني، بشرط توفير أجور منصفة، تأمينات شاملة، وبيئة عمل آمنة. وحذّر من أن استمرار الظروف العملية الصعبة قد يدفع الحرفيين الإيرانيين للهجرة إلى دول الجوار بحثا عن فرص أفضل.
مالك حسيني، نائب رئيس قسم التوظيف بوزارة العمل، يرى أن الإيرانيين قادرون على ملء الفراغ، مشيرا إلى أن الأفغان لا يحتكرون الأعمال الشاقة، حيث نسبتهم في التعدين أقل من 1%، أما علي باقري، مدير وكالة توظيف الأجانب، فيحذر من أن مغادرتهم غير المخططة قد تؤخر المشاريع، خاصة في مجالات غير جذابة للمحليين.
من جانبه، يقول ميكائيل صديقي، رئيس نقابة عمال البناء في كردستان: “هذا فرصة لإنعاش سوق العمل الإيراني، بشرط تحسين الأجور والتأمين” ويحذر من هجرة الإيرانيين إذا استمرت الظروف القاسية، وأضاف أن النقص في العمالة الماهرة رفع التكاليف، لكن التدريب المحلي سيعدل الوضع متوسط المدى”.
كان الأفغان يتركزون بشكل رئيسي في ضواحي المدن والمناطق الفقيرة، وبالصدفة، من خلال استئجار المنازل جماعيا (بدفع مبالغ كبيرة وتوزيعها على 10 أو 20 أو 30 شخصا)، فقد رفعوا الإيجار في هذه المناطق.
والآن، يقول الخبير الاقتصادي حسين عبده تبريزي: “كانت العائلات الأفغانية تسكن عموما في المناطق الأضعف من المدينة، وقد أثر رحيلهم عن البلاد على إيجارات المساكن”.
لماذا يفضل أصحاب العمل الأفغان؟
يستخدم أصحاب العمل العمال المهاجرين لأسباب رئيسية عديدة:
• الأجور المنخفضة، وساعات عملهم الطويلة، وعدم وجود تأمين غالبا، مما يخلق منافسة غير عادلة. في 2025، أدى الترحيل إلى إبطاء مشاريع كبرى في طهران، وزيادة أسعار المنازل، مع مخاطر اقتصادية أوسع مثل الركود في الزراعة والصناعة.
• اجتماعيا، قد يقلل الرحيل من المنافسة، لكنه يضعف الروابط الثقافية. يقترح الخبراء تنظيم الهجرة قانونيا، تدريب المحليين، وفصل المهام حسب المهارات، في النهاية، يعتمد مستقبل القطاع على التوازن بين الإنتاجية والعدالة الاجتماعية، وسط أزمة هجرة تستمر في تشكيل وجه إيران.
تداعيات رحيل العمالة الأفغانية
لم يقتصر تأثير رحيل العمال الأفغان على تراكم النفايات في شوارع طهران، بل امتد إلى تعطيل مشاريع البناء، صيانة المساحات الخضراء، وحتى العمليات في “بهشت زهراء”، هذا الرحيل المفاجئ ترك فراغا كبيرا في القوى العاملة، حيث كان المقاولون البلديون يعتمدون على هؤلاء العمال لسنوات، مستفيدين من أجورهم المنخفضة وغياب الالتزامات القانونية.
اليوم، يواجه المقاولون تحديا غير مسبوق في إيجاد بدائل فعّالة، مما زاد من تعقيد إدارة المدينة.
60 % من عمال النظافة أفغان
في تصريح سابق لرضا محمدي، مدير منظمة إدارة النفايات ببلدية طهران، كشف أن 6,000 من أصل 10,000 عامل نظافة في المدينة كانوا من الأفغان، معظمهم مرخصون وبعضهم غير مرخص، وحذّر من أن حملات الشرطة على معسكرات العمل قد تطال حتى العمال المرخصين، مما يهدد بتفريغ المدينة من القوى العاملة، واقترحت البلدية توظيف 5,000 عامل إيراني برواتب تتراوح بين 12.5 و15 مليون تومان، مع طلب جدول زمني من وزارة الداخلية لتنظيم مغادرة العمال الأجانب، إلا أن هذه الخطة لم تحقق نجاحا كبيرا.

لم تقتصر الأزمة على تنظيف الشوارع، بل امتدت إلى “بهشت زهراء”، حيث يواجه العاملون الإيرانيون صعوبات في أداء مهام شاقة مثل نبش القبور القديمة، التي كانت تُوكل سابقا للعمال الأفغان.. هذا النقص أدى إلى بطء ملحوظ في العمليات، مما يعكس هشاشة الاعتماد على العمالة الأجنبية غير المستقرة. وينسحب هذا الوضع على مشاريع البناء والمساحات الخضراء، التي تعاني بدورها من نقص في العمالة الماهرة.
حلول مؤقتة أم وعد زائف؟
أعلن داود غودرزي، نائب مدير الخدمات الحضرية والبيئة في بلدية طهران، عن دعوة وطنية لتوظيف عمال إيرانيين برواتب تتراوح بين 200 و220 مليون ريال، مع تأمينات ومزايا إضافية وفي تحذير صريح، طالب المقاولين بتحمل مسؤولياتهم، مهددا بفرض غرامات باهظة أو إنهاء عقودهم في حال عدم الالتزام. لكن، يبدو أن هذه الجهود لم تُثمر بعد، حيث يستمر النقص في القوى العاملة، مما يعيق تحسين الخدمات البلدية.
أشار ناصر أماني، عضو مجلس مدينة طهران، إلى أن نقص العمالة يؤثر بشكل رئيسي على الخدمات البلدية والمساحات الخضراء، مؤكدا أن التزام المقاولين بتوظيف عمال محليين لم يتحقق بالكامل. من جهته، انتقد محمد حقاني، عضو سابق في المجلس، غياب الرقابة على المقاولين، مشيرا إلى تجاهلهم لحظر توظيف الأجانب، واستمرار استخدامهم للعمالة الأفغانية بأجور زهيدة دون تأمين أو ضرائب.
أكد مهدي إقراريان، عضو آخر في مجلس المدينة، أن أزمة النظافة تمثل تحديا كبيرا منذ بداية الدورة السادسة للمجلس وأشار إلى أن التغييرات المتكررة في المناصب الإدارية، وقلة الاهتمام بالمعدات الحديثة، ساهمت في تفاقم المشكلة وحذّر من أن استمرار الفجوة بين الوعود والتنفيذ قد يعمق الأزمة، داعيا إلى مكننة أعمال التنظيف واستخدام تقنيات حديثة.
نحو حلول مستدامة
تكشف أزمة النظافة في طهران عن تحديات عميقة تتجاوز نقص العمالة إلى سوء الإدارة وغياب التخطيط الاستراتيجي.
رحيل أكثر من 1.6 مليون لاجئ أفغاني من إيران خلال العام الماضي، وفق التقارير، أظهر مدى هشاشة الاعتماد على العمالة الأجنبية ومع إعلان بلدية طهران عن خطط لتوظيف 16,000 عامل نظافة، يبقى السؤال: هل ستتمكن المدينة من بناء نظام خدمات بلدية مستدام، أم ستظل عالقة في دائرة الحلول المؤقتة؟

