- زاد إيران - المحرر
- 408 Views
جاءت زيارة وزير الخارجية الإيراني عراقجي إلى العاصمة التركية أنقرة في توقيت بالغ الحساسية، حيث تمر المنطقة بمرحلة تتقاطع فيها التهديدات العسكرية مع محاولات إعادة إحياء المسارات الدبلوماسية، في ظل تصاعد غير مسبوق للضغوط الأمريكية والأوروبية على إيران، فلم تكن هذه الزيارة عادية في توقيتها ولا في مضمونها، بل بدت جزءا من تحرك دبلوماسي إيراني محسوب يسعى إلى إدارة الأزمة المتفاقمة ومنع انزلاقها نحو مواجهة مفتوحة.
استقبال رسمي ومباحثات مكثفة
بدأت الزيارة بوصول عراقجي إلى تركيا، الجمعة 30 يناير/ كانون الثاني 2026، وسط استقبال رسمي، حيث عقد فور وصوله سلسلة لقاءات مع كبار المسؤولين الأتراك، على رأسهم وزير الخارجية هاكان فيدان، قبل أن يلتقي لاحقا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ومنذ اللحظات الأولى، حرص عراقجي على التأكيد أن الزيارة كانت سابقة الترتيب، وجاءت في إطار المشاورات الدورية بين البلدين، إلا أن السياق الإقليمي جعلها تحظى بوزن سياسي مضاعف.

وفي تصريحاته الأولى، أشار وزير الخارجية الإيراني إلى أن قضايا المنطقة اليوم بالغة الجدية، وأن الأهداف التي تطرحها الولايات المتحدة وبعض الأطراف الأخرى تفرض تكثيف المشاورات، ومراجعة المواقف، والتنسيق بشأن سبل التعامل مع التحديات القائمة، هذا التوصيف الذي لم يكن توصيفا بروتوكوليا حسب خبراء، بل عكس إدراكا إيرانيا بأن المنطقة تقف عند مفترق طرق خطير.
وخلال لقائه مع هاكان فيدان، عقد مؤتمر صحافي مشترك شكل أحد أبرز محطات الزيارة، ففي هذا المؤتمر، شدد عراقجي على أن طهران لا ترفض مبدأ التفاوض، لكنها ترفض التفاوض القائم على الإملاءات والضغوط، كما أكد أن أي مفاوضات محتملة يجب أن تقوم على أساس الندية، والاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة، وأن تكون منصفة وعادلة في مضمونها وشكلها.

في المقابل، أكد وزير الخارجية التركي أن بلاده ترى في استقرار إيران عنصرا أساسيا لاستقرار المنطقة، وأن أنقرة تعارض أي تدخل عسكري خارجي ضد إيران، وأوضح أن الحلول العسكرية لم تؤد في السابق إلى نتائج إيجابية، ولن تؤدي في المستقبل إلى استقرار، داعيا إلى العودة لمسار الحوار، لا سيما فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني.
لقاء القمة…عراقجي وأردوغان في لحظة إقليمية حرجة
هذا على أن الزيارة بلغت ذروتها السياسية مع لقاء عراقجي بالرئيس التركي أردوغان، حيث تناول الجانبان العلاقات الثنائية، والتطورات الإقليمية، والملف النووي الإيراني، وأكد عراقجي خلال اللقاء التزام بلاده بالدبلوماسية كخيار مبدئي لتأمين المصالح الوطنية ومنع تصعيد التوترات، مشيدا بالمواقف التركية التي ترفض التدخلات الأجنبية وتدعو إلى الحلول السياسية.

من جهته، نقل أردوغان تحياته إلى القيادة الإيرانية، وأعرب عن ثقته بأن إيران، حكومة وشعبا، قادرة على تجاوز التحديات الراهنة عبر الوحدة الوطنية، شدد على أن المنطقة لا تحتمل مزيدا من التوتر، وأن الدبلوماسية تمثل الخيار الوحيد لمعالجة الملف النووي الإيراني، معلنا استعداد تركيا للقيام بأي مساع دبلوماسية في هذا السياق.
التصريحات والمواقف الإيرانية… دبلوماسية مشروطة وخطوط حمراء واضحة
في قراءة لمضمون الزيارة، صرح خبراء أن تصريحات عراقجي، سواء في المؤتمرات الصحافية أو في المقابلات الإعلامية، شكلت إطارا واضحا للموقف الإيراني في المرحلة الراهنة، فقد حرص وزير الخارجية الإيراني، والعضو السابق في فريق المفاوضات النووية تحت قياد محمد جواد ظريف وزير الخارجية الأسبق، على الجمع بين تأكيد الانفتاح على الدبلوماسية، والتشديد في الوقت نفسه على مجموعة من الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها تحت أي ظرف.
أبرز ما شدد عليه عراقجي هو عدم وجود أي برنامج حالي لعقد لقاءات مباشرة أو غير مباشرة مع المسؤولين الأمريكيين، وأوضح أن إيران لم تضع على جدول أعمالها في هذه المرحلة أي خطة للتفاوض مع الإدارة الأمريكية الجديدة، وأن أي حديث عن اتصالات أو لقاءات يبقى في إطار التكهنات الإعلامية، وليس في إطار القرار السياسي الإيراني.

في الوقت ذاته، لم يغلق عراقجي باب الدبلوماسية، بل أشار بوضوح إلى أن تركيا وبعض الدول الأخرى تعمل على بلورة إطار تفاوضي محتمل للمستقبل، هذا الإطار، وفقا لتصريحاته، لا يزال قيد الدراسة، ويهدف إلى ضمان أن أي حوار محتمل يتم في ظروف تحفظ كرامة إيران، وتراعي مصالحها الوطنية، وتبتعد عن منطق الإملاء أو الضغط.
وفي أكثر من موضع، أكد عراقجي أن المفاوضات لا يمكن أن تبدأ قبل الاتفاق على شكلها، ومكانها، وجدول أعمالها، كما صرح أن التفاوض الحقيقي يعني الأخذ والعطاء، وليس فرض نتائج مسبقة، مشددا على أن نتائج أي تفاوض يجب أن تحسم على طاولة المفاوضات، لا قبل الجلوس إليها.
الخط الأحمر الأبرز الذي أعاد عراقجي التأكيد عليه هو القدرات الدفاعية الإيرانية، وعلى رأسها البرنامج الصاروخي، فقد قال بوضوح لا لبس فيه إن القدرات الدفاعية لإيران وصواريخها لن تكون موضوعا لأي مفاوضات، معتبرا أن هذه القدرات تمثل عنصرا سياديا غير قابل للمساومة، وأن أي تصور أمريكي بإمكانية الضغط العسكري لتحقيق تنازلات في هذا المجال هو تصور خاطئ.

وفي معرض حديثه عن التهديدات العسكرية، قال عراقجي إن إيران كما هي مستعدة للتفاوض، فهي مستعدة أيضا للحرب، لكنه في الوقت نفسه أعرب عن أمله في أن تسود العقلانية، وأن يفشل من يسعون إلى جر المنطقة إلى حرب شاملة، هذا التوازن في الخطاب بين الردع والانفتاح عكس، حسب خبراء، استراتيجية إيرانية قائمة على الجمع بين القوة والدبلوماسية.
كما كان أبزر محاور تصريحات عراقجي خلال مقابلاته الإعلامية الدور الأوروبي والصراعات الأخيرة مع القارة العجوز، معتبرا أن المواقف الأوروبية الأخيرة، بما في ذلك تصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية، لا تسهم في خفض التوتر، بل تؤدي إلى تصعيده، وأكد أن مثل هذه الخطوات تقوض فرص الدبلوماسية، وتدفع المنطقة نحو مزيد من الاستقطاب.
الدور التركي والوساطة الإقليمية…أنقرة بين طهران وواشنطن
برزت أنقرة في الفترة الأخيرة، وحتى قبل زيارة عراقجي، بوصفها لاعبا محوريا في الجهود الإقليمية الرامية إلى احتواء التصعيد ومنع اندلاع مواجهة عسكرية بين إيران والولايات المتحدة، فالمواقف التي عبر عنها المسؤولون الأتراك، سواء في اللقاءات الثنائية أو في التصريحات العلنية، أظهرت رغبة واضحة في لعب دور الوسيط النشط، لا الوسيط الرمزي.
فقد شدد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في أكثر من مناسبة على أن بلاده ترى في الحوار الطريق الوحيد لمعالجة الملفات العالقة، وعلى رأسها الملف النووي الإيراني، مؤكدا أن التدخلات العسكرية لم ولن تحقق الاستقرار، وداعيا إلى حلول داخلية تحترم سيادة الدول، لا سيما فيما يتعلق بإيران.

أما الرئيس أردوغان، فقد ذهب أبعد من ذلك، معلنا استعداد بلاده للقيام بمساع حميدة لتقريب وجهات النظر بين طهران وواشنطن، وأكد أن تركيا، بحكم موقعها الجغرافي وعلاقاتها المتوازنة، قادرة على لعب دور تسهيلي يخفف من حدة التوتر، ويعيد الأطراف إلى طاولة الحوار.
هذا الدور التركي لا ينفصل عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث أظهرت عدة دول في الشرق الأوسط، بما في ذلك دول عربية، قلقا متزايدا من احتمال اندلاع حرب شاملة، وقد تجلى ذلك في سلسلة اتصالات هاتفية أجراها قادة المنطقة، شددوا خلالها على رفض استخدام أراضيهم كنقطة انطلاق لأي عمل عسكري ضد إيران، وعلى ضرورة إقناع واشنطن بالعودة إلى الدبلوماسية.
في هذا الإطار، تبدو تركيا في موقع فريد، فهي تحتفظ بعلاقات عمل مع إيران، وفي الوقت نفسه ترتبط بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، هذا الموقع يمنحها هامش حركة أوسع من غيرها، لكنه يفرض عليها أيضا تحديات كبيرة، إذ يتطلب منها تحقيق توازن دقيق بين مصالح متعارضة.
التحليلات الإعلامية الغربية والإيرانية رأت في زيارة عراقجي إلى أنقرة مؤشرا على أن تركيا باتت واحدة من القنوات القليلة المتبقية لنقل رسائل غير مباشرة بين طهران والغرب، كما اعتبرت بعض التقارير أن أنقرة تحاول إعادة تعريف الأزمة عبر مقاربة خطوة خطوة، فتبدأ بالملف النووي، وتؤجل الملفات الأكثر تعقيدا إلى مراحل لاحقة.
غير أن نجاح هذا الدور التركي يظل مرهونا بعوامل عدة، في مقدمتها استعداد الأطراف المعنية لتقديم تنازلات متبادلة، وقبول منطق التدرج، والتخلي عن لغة التهديد، فبدون ذلك، قد تتحول الوساطة إلى مجرد إدارة للأزمة، لا حل لها.
بين التصعيد والفرص الدبلوماسية
وسط هذا المشهد المعقد، تبقى زيارة عراقجي إلى أنقرة خطوة مهمة، لكنها غير كافية وحدها لتغيير مسار الأزمة، فهي تفتح نوافذ للحوار، وتعيد ترتيب الأوراق، لكنها لا تلغي عوامل التصعيد القائمة، ويبقى السؤال مفتوحا حول ما إذا كانت الأيام المقبلة ستشهد تقدما فعليا نحو إطار تفاوضي واضح، أم أن لغة القوة ستغلب مجددًا على لغة السياسة.
في المحصلة، تعكس زيارة عراقجي إلى تركيا دبلوماسية إيرانية نشطة تحاول التحرك في مساحة ضيقة بين الردع والانفتاح، وهي دبلوماسية تدرك أن الحرب ليست خيارا مرغوبا، لكنها في الوقت ذاته ترفض الدخول في مفاوضات تفرض عليها من موقع ضعف. وبين هذين الحدين، ستتحدد ملامح المرحلة المقبلة في واحدة من أكثر أزمات الشرق الأوسط تعقيدا.

