زيارة لاريجاني المفاجئة للكرملين.. دبلوماسية الظل تعود إلى الواجهة

في توقيت حساس من عمر التوترات الإقليمية والدولية، أطلت طهران مجددا على الساحة الدبلوماسية من بوابة موسكو، عبر زيارة مفاجئة لأحد أبرز رجالات النظام الإيراني وأكثرهم خبرة في دهاليز السياسة والدبلوماسية.

كذلك فالإعلان عن اللقاء الذي جمعه بالرئيس الروسي، رغم غيابه عن واجهة المشهد السياسي مؤخرا، لم يمر كحدث عابر، بل كحدث مستقل في ذاته، حيث أعاد طرح تساؤلات حول أدوات إيران التقليدية في إدارة الأزمات، ورسائلها الخفية في لحظة اشتباك معقدة. زيارة تندرج في إطار أوسع من ديناميات التحرك الإيراني، وتعيد تسليط الضوء على أدوار ظل تعود بثقلها حين تشتد الحاجة.

ففي زيارة غير متوقعة وغير معلنة، أعلن ديميتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين، مساء الأحد 20 يوليو/تموز 2025 عن لقاء ومباحثات جرت بين علي لاريجاني، مستشار المرشد الأعلى الإيراني على خامنئي، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

حيث صرح قائلا: “استقبل رئيس الجمهورية السيد لاريجاني وخلال اللقاء قدّم ممثل إيران تقييمه للأوضاع في الشرق الأوسط والمسائل المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني”، وتابع: “وقد أعرب الجانب الروسي عن مواقفه المعلنة التي تهدف إلى استقرار الأوضاع في المنطقة وإيجاد تسوية سياسية للقضايا المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني”.

من جانبه، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية، إسماعيل بقائي، خلال مؤتمر صحفي، الاثنين 21 يوليو/تموز 2025، بشأن تلك الرحلة: “إن لاريجاني، وبصفته مبعوثا خاصا لرئيس الجمهورية، كان يحمل رسالة ورؤية شاملة للجمهورية الإيرانية بشأن التطورات الإقليمية والدولية، وكذلك العلاقات الثنائية، وقد أجرى لقاء جيدا جدا مع رئيس جمهورية روسيا”.

وأضاف بقائي: “من المتعارف عليه أن تقوم الدول، حسب مستجدات الأوضاع، بإيفاد مبعوثين خاصين، وقد كانت الخارجية على علم بتلك الزيارة”.

جدير بالذكر أن تلك الزيارة تأتي بعد أسابيع قليلة من زيارة وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، لموسكو، في 22 يونيو/حزيران 2025، لبحث ملفات الشرق الأوسط والحرب على إيران والملف النووي.

رمزية الزيارة ورسائلها في خريطة الدبلوماسية الإيرانية

يشير المحللين إلى أن تلك الزيارة قد حملت أبعادا رمزية تتجاوز كونها مجرد مهمة دبلوماسية عابرة، فرغم الغموض الذي أحاط بتفاصيل اللقاء ومخرجاته الرسمية، فإن مجرّد اختيار لاريجاني، السياسي المخضرم والوجه البارز في النظام الإيراني، ليكون مبعوثًا خاصا يحمل في طياته دلالات متعددة، لعل أبرزها أن طهران باتت تتحرك على خطوط أكثر حساسية في علاقاتها الدولية، وتراهن على شخصيات ذات ثقل سياسي وتاريخي لتمرير رسائلها في اللحظات الحرجة.

تلك الزيارة تأتي في وقت تشهد فيه المنطقة اضطرابا متصاعدا في أعقاب الحرب في غزة، وزيادة التهديدات الإسرائيلية، والضغوط الغربية المتعلقة بالملف النووي، الأمر الذي يدفع المحللين إلى وصف موسكو الآن كنقطة ارتكاز أساسية في توازنات إيران، سواء عبر التنسيق الاستراتيجي في الملف السوري، أو في دعم موقفها بوجه العقوبات الغربية، وهنا تبرز رمزية الزيارة في توقيتها، حيث تسعى طهران إلى طمأنة حلفائها بأنها ما زالت تمتلك خيارات تحرك مستقلة وفعالة، رغم التصعيد الدولي.

الرسالة الأبرز التي قد يكون حملها لاريجاني إلى بوتين تدور حول ضرورة تعزيز محور التحالف بين موسكو وطهران لمواجهة ما تصفه إيران بـ”الهيمنة الغربية” على النظام الدولي، وإعادة تأكيد التفاهم حول خطورة التصعيد الإقليمي، كما تعكس الزيارة إدراك طهران المتزايد بأن الدبلوماسية الوقائية، لا سيما من بوابة الحلفاء الكبار، باتت ضرورة وجودية في وجه احتمالات المواجهة العسكرية أو العزلة السياسية.

تمجيد لاريجاني ودلالات عودته للمشهد

هذا فيما تكتسب تلك الزيارة بعدا إضافيا من حيث كونها تعيد لاريجاني إلى واجهة المشهد السياسي والدبلوماسي، بعد سنوات من الغياب والحضور، فلاريجاني، الذي ترأس البرلمان الإيراني على مدى ثلاث دورات متتالية ويعد من أبرز الشخصيات ذات الثقل داخل مؤسسة النظام، لطالما كان أحد وجوه الدبلوماسية الإيرانية الخلفية، خاصة في الملفات الحساسة.

في هذا الشأن يرى المحللون أنه خلال الأشهر الأخيرة ومع تصاعد التوترات بين إيران وإسرائيل، واحتدام النقاشات حول مستقبل الاتفاق النووي، بدا أن النظام الإيراني يعيد توظيف بعض رموزه ذوي الخبرة في إدارة الملفات الكبرى، ولعل زيارة لاريجاني إلى موسكو تعد مؤشرا على هذا التوجه، وخصوصا في ظل تصريحاته الأخيرة التي أكد فيها أن “المفاوضات تكتيك، ويجب أن تُستخدم في الوقت المناسب الذي يحدده المرشد الأعلى”.

فخلال هذه التصريحات، رفض لاريجاني الدعوات المتسرعة نحو التفاوض، مؤكدا أن المرشد الأعلى وحده يملك القرار النهائي في توقيت وأسلوب التفاوض، ومشددا على ضرورة استمرار ما اسمّاه المقاومة الفاعلة إلى جانب الدبلوماسية. هذا الموقف، المقرون بزيارته موسكو، يظهر توجها نحو دبلوماسية مزدوجة تمزج بين الميدان السياسي والعسكري.

أيضا، فقد فتحت الزيارة الباب أمام تحليل إعلامي واسع في الصحف الإيرانية، لا سيما الأصولي منها، التي رأت في تحرك لاريجاني دليلا على فشل محاولات تهميشه سياسيا، فصحيفة خراسان الأصولية على سبيل المثال، قد نشرت تقريرا مطولا أشادت فيه بموقف لاريجاني خلال وبعد الحرب الأخيرة، حيث كتبت: “في وقت بدأ بعض أبناء الداخل يهمسون بكلام عن الهزيمة بعد وقف إطلاق النار، كان علي لاريجاني هو من قدم، بعد رسالة القائد، أكمل وأدق رواية عن الحرب التي استمرت 12 يوما وعن انتصار إيران، ثم كان أحد الخطباء الرئيسيين في مراسم وداع الشهداء، حيث بث في كل خطاب له رسائل توعوية دقيقة وهادفة للعدو”.

وأضافت الصحيفة: “لقد أثبت لاريجاني أن الرجولة في الحرب لا تقاس بالشعارات في زمن السلم! لقد بيّن أنه رجل الأوقات العصيبة، سواء في وقت الحاجة للدفاع عن العقلانية والدبلوماسية، حيث يكون في الصفوف الأمامية غير آبهٍ بالافتراءات والإهانات، أو في وقت الحرب عندما تكون هناك حاجة لرواية وشرح الأحداث ومواجهة العدو بالمنطق والكلمة، دون أن يخشى تهديدات الخصم”.

بدورها، كتبت صحيفة فرهيختكان أن “إدارة الحرب لا تتوقف عند الجبهات، بل تمتد إلى الإعلام والرواية، وفي هذا السياق يبرز دور شخصيات كعلي لاريجاني، ممن يملكون المهارة في مواجهة الحرب النفسية والإعلامية الغربية”.

دبلوماسية الظل تعود بثقلها

رغم أن لاريجاني لم يعلن بعد عن أي نية للعودة إلى منصب رسمي، فإن ظهوره المتكرر في الآونة الأخيرة، سواء في اللقاءات الدبلوماسية أو في المناسبات الدينية والسياسية، يعزز من احتمالية إعادة دمجه في منظومة القرار بشكل علني، وهو أمر بدأت تروج له الصحف المقربة من النظام، معتبرةً أن “تجميد دور لاريجاني كان خطأ، وأن الرجل لا يزال من بين القلائل القادرين على التفاوض والوساطة دون أن يُتهم بالتساهل”.

كذلك، فإن زيارة لاريجاني للكرملين لم تكن فقط لقاء دبلوماسيا بين مستشار إيراني والرئيس الروسي، بل شكلت أيضا رسالة سياسية مركبة، تحمل أبعادا إيرانية داخلية وإقليمية ودولية، من بينها عودة إلى دبلوماسية الظل التي يتقنها النظام الإيراني، مستعينا برجاله المخضرمين في فترات الأزمات.

وفي ظل المتغيرات المتسارعة في الإقليم، والضغوط الغربية المتزايدة على طهران، يُرجح أن نشهد في الفترة المقبلة مزيدا من التحركات المشابهة، وربما عودة تدريجية لوجوه الحرس القديم إلى الواجهة، على رأسهم علي لاريجاني، الذي أثبت مجددا أنه لم يخرج من المشهد، بل كان ينتظر اللحظة المناسبة للعودة.