زيارة لاريجاني للعراق.. خطوة دبلوماسية استراتيجية في ظل التحديات الإقليمية

في أول مهمة خارجية له بعد تعيينه أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي، غادر علي لاريجاني طهران متجها إلى العراق، المقصد الأول نفسه للرئيس الإيراني الحالي مسعود بزشكيان بعد توليه السلطة في يوليو/تموز 2024، في رحلة ذات أبعاد سياسية وأمنية عميقة، تعكس توجه إيران إلى تحريك دبلوماسية نشطة تستهدف استقرار الوضع الإقليمي، خاصة في ظل توترات متصاعدة في غرب آسيا، كأنها ترسل برسالة بأن استقرار الوضع الخارجي، سيبقى، باستقرار وترتيب أوراق الوضع الإقليمي.

خلفية الزيارة وأهميتها الاستراتيجية

فبعد أقل من أسبوع من تعيينه، اختار لاريجاني بغداد وجهة أولى لسفرياته الخارجية، في خطوة واضحة لتعزيز العلاقات مع أحد أهم جيران إيران، الذي يشكل ركيزة أساسية في سياسة طهران الإقليمية، فيما تأتي هذه الزيارة في ظل ظروف إقليمية حساسة، تميزت بوقف مؤقت للأعمال القتالية بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، وسط مخاوف من تجدد الصراعات.

هذا وقد وصف لاريجاني هذه الزيارة بأنها بالغت الأهمية، مؤكدا مبدأ ضمان الأمن المتبادل بين إيران وجيرانها. وقال قبل الزيارة في مقابلة مع هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية: “إن وجهة نظر إيران أن أمن مواطنيها هو المحور الأساسي، لكنها تهتم أيضا بأمن جيرانها، بخلاف بعض الدول التي لا ترى سوى أمنها الخاص”.

وفي بغداد، ركز لاريجاني على جملة من الملفات الأمنية والسياسية التي تمثل الأولويات المشتركة بين طهران وبغداد، فيما أفضت المباحثات مع كبار المسؤولين العراقيين، وعلى رأسهم مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي، ورئيس الوزراء محمد شياع السوداني، ورئيس الجمهورية عبد اللطيف رشيد، إلى توقيع اتفاقية أمنية مشتركة، ترمي إلى تعزيز التعاون في مجالات مكافحة الإرهاب، ضبط الحدود، ووضع استراتيجية أمنية إقليمية مشتركة، ضمن إطار الاحترام المتبادل للسيادة الوطنية لكلا البلدين.

وخلال لقائه مع الأمين العام لمجلس الأمن القومي، أكد السوداني على حرص بلاده تطوير العلاقات مع إيران وتعزيز الشراكات التي تخدم مصالح الشعبين، مشددا على إدانة العدوان الإسرائيلي على إيران ودعم الحوار بين طهران وواشنطن، من جانبه، صرح الأعرج أن بغداد تبذل جهودا جدية لمنع أي خرق أمني يستهدف جيرانها. 

تأتي هذه الاتفاقية لتشكل خطوة نوعية في تقوية روابط التعاون الأمني بين إيران والعراق، معززة بذلك استقرار الحدود الممتدة بين البلدين، ومواجهة التحديات الأمنية التي تتشاركها طهران وبغداد في مواجهة الجماعات المسلحة والتهديدات الإقليمية.

تعزيز العلاقات الاقتصادية والثقافية.. توسيع نطاق التعاون

هذا في حين لم تقتصر مباحثات لاريجاني على الجانب الأمني فقط، بل شملت تعزيز العلاقات الاقتصادية والثقافية بين البلدين، في محاولة من إيران لتعميق العلاقات التاريخية والمصالح المشتركة مع العراق.

كذلك، تحدث لاريجاني عن العلاقات التجارية الواسعة بين البلدين، مؤكدا ضرورة تسهيل التعاون التجاري والاقتصادي، وفتح آفاق جديدة للتبادل في مجالات متعددة، بما في ذلك المشاريع التنموية والبنى التحتية، إلى جانب التنسيق الثقافي والديني.

زيارة أربعينية.. أولوية أمنية وإنسانية

إلى جانب ذلك، فقد شكلت مناسبة الأربعين، إحدى أهم المناسبات الشيعية، واحدا من المحاور الرئيسية التي ناقشها لاريجاني مع المسؤولين العراقيين، خاصة مع الوجود الكبير للزوار الإيرانيين في هذا الحدث السنوي الها، حيث أكد لاريجاني على ضرورة تعزيز التعاون الأمني لتأمين سلامة الزوار وتأمين الطرق، بالتنسيق مع السلطات العراقية، بالإضافة إلى تطوير العلاقات الثقافية والدينية التي تمثل ركيزة مهمة في تعزيز التفاهم بين البلدين، ما يساهم في تدعيم العلاقات السياسية والأمنية.

توقيت الزيارة ورسائلها السياسية

يذكر أن تلك الزيارة تأتي في ظل تصاعد الضغوط الخارجية، لا سيما من الولايات المتحدة والقوى الأوروبية الغربية، على بغداد، بسبب عدة قضايا أوهما ملف إيران ودعمها والجماعات المسلحة التابعة لها، الأمر الذي تحدث عنه لاريجاني، مؤكدا أن إيران تسعى إلى دعم العراق في مواجهة هذه الضغوط، خاصة في ما يتعلق بالقضايا المرتبطة بالقوات الشيعية، الحشد الشعبي، التي تشكل عنصرا حيويا في الأمن العراقي، ومؤكدا بوضوحٍ أيضا أهمية تطوير التعاون الاستراتيجي بين البلدين، ومواجهة محاولات التأثير التي تهدف إلى تقويض العلاقات الثنائية، ونقل موقف إيران حول آخر المستجدات الإقليمية، داعيا إلى احترام سيادة العراق وعدم التدخل في شؤونه الداخلية.

لبنان.. المحطة التالية

هذا وقد استكمل لاريجاني زيارته بالسفر إلى العاصمة اللبنانية بيروت، الأربعاء 13 أغسطس/آب 2025، في الوقت الذي تواجه فيه الحكومة اللبنانية ضغوطا من الداخل والخارج حول مسألة نزع السلاح من حزب الله، أحد أهم الكيانات الإقليمية الداعمة لإيران، وهو الأمر الذي أصدرت بشأنه الحكومة اللبنانية قرارا رسميا يقضي بنزع سلاح الحزب في موعد أقصاه نهاية العام الميلاد الجاري، ما سبب فوضى داخلية بين مؤيد ومعارض.

ويهذا الشأن، ترى طهران أن ما وصفته بالتدخل الخارجي، هو العامل الرئيسي في هذه النزاعات، وأنها تدعم حق الشعب اللبناني في تقرير مصيره، معتبرة أن غياب حزب الله يهدد بقاء لبنان ويغري إسرائيل بالمزيد من الأطماع، وجهة النظر نفسها التي أكدها لاريجاني قبل الزيارة حين صرح” مواقفنا في لبنان واضحة، يجب الحفاظ على الوحدة الوطنية للبنان، واستقلال هذا البلد مهم بالنسبة لنا”.

كذلك، وحول زيارته لبنان قال إن هناك علاقات تاريخية عميقة بين البلدين، وتعاون مستمر في القضايا الإقليمية، كما أوضح أنه يحمل رسائل سيعرضها على المسؤولين اللبنانيين، مجددا موقف إيران الداعم لوحدة لبنان الوطنية واستقلاله، وحرصها على تعزيز العلاقات التجارية معه، في الوقت ذاته اعتبر أن الحوار مع لبنان في الظروف الحالية، بما فيها الصراع مع إسرائيل، مهم لتحقيق الاستقرار في المنطقة.

خطة دبلوماسية إيرانية واسعة

لا يمكن اعتبار زيارة لاريجاني للعراق والتي سيتبعها زيارة للبنان مجرد جولة دبلوماسية عادية، بل هي جزء من خطة إيرانية أوسع تهدف إلى إعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية في المنطقة بعد حرب الـ12 يوما التي جمعت إيران وإسرائيل، فمن خلال هذه الخطة تسعى إيران إلى بناء تحالفات قوية ومستقرة مع جيرانها، خصوصا العراق ولبنان، للحفاظ على استقرار حدودها وتأمين خطوط الدعم السياسي والعسكري، كذلك تعزيز التعاون الأمني المشترك لمواجهة التهديدات الإرهابية والإقليمية، خاصة في ظل المواجهات المستمرة مع إسرائيل والولايات المتحدة.

من أهداف الزيارة أيضا، حسب محللين، رفع مستوى التنسيق الاقتصادي والثقافي، لدعم العلاقات الثنائية وتوسيع شبكات التعاون، وإرسال رسائل سياسية واضحة إلى الأطراف الدولية، مفادها أن إيران قادرة على بناء تحالفات متينة ولن تسمح للضغوط الخارجية بتفكيك هذه الشبكات.

تحديات داخلية وضغوط إيرانية

رغم هذه التحركات الدبلوماسية الهامة، يواجه لاريجاني تحديات داخلية على صعيد السياسة الداخلية، حيث تشكل التيارات الأصولية ضغطا على أي توجه دبلوماسي يهدف إلى التفاوض أو التعاون مع الغرب، سواء عبر الصحافة أو جبهة الصمود الأصولية التي تسيطر على البرلمان، في الوقت الذي تحاول فيه الحكومة التوصل لاتفاق مع جميع الأطراف يضمن لها عدم تفعيل آلية العقوبات من قبل الاتحاد الأوروبي، والاستمرار في المشروع النووي ضمن اتفاق مع الوكالة والولايات المتحدة.

تأتي تلك الدعوات الرافضة للمفاوضات في الوقت الذي وصل فيه ماسيمو أبارو، نائب رافائيل جروسي، أمين عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلى طهران الإثنين 11 أغسطس/آب 2025 بصفته أول مسؤول رفيع في الوكالة الدولية للطاقة الذرية يزور طهران بعد توقف الحرب، ووفقا لمسؤولين كبار في وزارة الخارجية، فإن هذه الزيارة تهدف إلى التفاوض حول وضع إطار تعاون بين إيران والوكالة في مرحلة ما بعد الحرب.

جدير بالذكر أن البرلمان الإيراني كان قد أصدر قرار عقب انتهاء الحرب مباشرة بتعليق التعاون أو التفاوض بأي شكل مع الوكالة الدولية بعد ما وصفه بالتحيز غير المبرر والعمالة التي ظهرت من جانب الوكالة.

مبادرة إيرانية في سبيل الاستقرار

حسب محللين، فيمكن اعتبار رحلة علي لاريجاني بداية فصل جديد في سياسة إيران الخارجية، يرتكز على تعزيز العلاقات الاستراتيجية مع جيرانها، واستثمار علاقات تاريخية في بناء شبكة أمنية وسياسية تحمي مصالحها في بيئة إقليمية مضطربة.

وفي ظل استمرار التوترات الدولية، تؤكد هذه الخطوة حرص إيران على تعزيز دبلوماسيتها النشطة، التي تراهن على الحوار والتفاهم المشترك مع القوى الإقليمية، بهدف مواجهة التحديات وحفظ الاستقرار.

نتائج هذه الزيارة ومخرجاتها، خاصة توقيع الاتفاقية الأمنية مع العراق، تعكس إرادة قوية لطهران في تحويل الجوار إلى مساحة للتعاون والتناغم، في مواجهة محاولات زعزعة الاستقرار، مما يجعل من هذه الزيارة محطة مهمة في مسار السياسة الإيرانية الإقليمية في السنوات القادمة.