سوق العملة الرقمية في إيران.. البيتكوين تحت المراقبة

في بلد يعاني تحت ثقل العقوبات وتقلبات الاقتصاد، تتسلل البيتكوين إلى تفاصيل الحياة اليومية في إيران كخيط رقمي من الأمل وسط عتمة مالية متزايدة، لم تأت هذه العملة المشفرة بوصفها رفاهية تقنية أو نزوة عابرة من عالم الإنترنت، بل كاستجابة واقعية لأزمة خانقة يعيشها مجتمع يبحث عن متنفس خارج النظام المالي الخاضع للرقابة، فمع عزلة المصارف عن النظام العالمي وتراجع الريال إلى مستويات غير مسبوقة، باتت الشبكات المشفرة بديلا غير رسمي للثقة التي فقدها الناس في عملتهم المحلية.

وتحت هذا المشهد العام، تتجلى المفارقات على الأرض بأوضح صورها، ففي نهار صيفي قائظ بمحافظة يزد، تنطفئ الأنوار فجأة، ويتوقف التيار عن ورش الحدادة والمخابز والمنازل في الأحياء السكنية، وبينما يتصبب العرق من جباه العمال في الظل، تدور في مكان آخر مولدات عملاقة تغذي مئات الأجهزة الإلكترونية التي تلتهم الكهرباء بلا توقف، خلف تلك الأسوار العالية، تعمل مزرعة تعدين ضخمة تحول الطاقة المدعومة إلى بيتكوين يباع في الأسواق العالمية، فيما يبقى المواطن العادي في العتمة، في صورة تختصر التناقض العميق بين اقتصاد رسمي مأزوم واقتصاد رقمي ينمو في الظل.

منذ سنوات، أصبحت العملات المشفرة في إيران رمزا للازدواجية بين المنع والإباحة، بين الحاجة الاقتصادية والسيطرة السياسية، فالدولة تفرض القيود بيد، وتمنح تراخيص التعدين باليد الأخرى، فيما يجد المواطن نفسه بين الخوف والطموح، بين الملاحقة والأمل.

نفتح سويا ملف البيتكوين الإيراني لنبحث في عمق المفارقة، كيف أصبحت أداة التحرر المالي العالمي وسيلة بيد السلطة لتجاوز العقوبات؟ ومن يملك فعلا مفاتيح هذا الاقتصاد الرقمي الذي يعمل في الظل ويغير وجه إيران الاقتصادي؟

خلفية المشهد… من العقوبات إلى البديل الرقمي

منذ أن فرضت العقوبات الدولية القاسية على إيران عام 2012، بدأت تتكشف ملامح أزمة مالية غير مسبوقة داخل البلاد، فقد استهدفت آنذاك قطاعات النفط والمصارف والنقل البحري، ثم جاء القرار الأشد قسوة، فصل البنوك الإيرانية عن نظام التحويلات المالية العالمية، المعروف اصطلاحا SWIFT، وهو الشريان الذي تمر عبره معظم المعاملات التجارية الدولية، هذا الإجراء جعل من المستحيل تقريبا على الشركات الإيرانية تحويل الأموال أو تلقيها عبر القنوات البنكية الرسمية، لتدخل طهران في حالة اختناق مالي طويل الأمد.

Image

ومع مرور السنوات، لم تعد إيران تواجه فقط صعوبة في بيع نفطها أو استيراد السلع، بل أصبحت معزولة ماليا عن العالم، فلم تعد التحويلات بالدولار ممكنة، وبدأت البنوك الأجنبية في تجميد الأرصدة الإيرانية خوفا من العقوبات الثانوية الأمريكية، وعند هذه النقطة، بدأ النظام الإيراني يبحث عن أدوات رمادية لتجاوز النظام المالي الغربي من دون الاصطدام المباشر به.

في البداية، كانت الحلول بدائية، التبادل عبر الوسطاء، المقايضة بالنفط أو الذهب، واستخدام شبكات مالية في دول مثل تركيا وماليزيا لتدوير الأموال، غير أن هذه القنوات كانت مكلفة وغير آمنة، إذ تفرض عليها رقابة مشددة وتعرض القائمين عليها للملاحقة، ومع تصاعد الضغوط، بدأت تتشكل في الدوائر الاقتصادية الإيرانية فكرة البديل الرقمي.

Image

بحلول العام 2016، ومع صعود العملات المشفرة عالميا، رأت طهران في البيتكوين فرصة غير مسبوقة، فهذه العملة، القائمة على نظام البلوك تشين اللامركزي، وهو تقنية رقمية تسجل المعاملات في سلسلة من الكتل المترابطة والمشفرة، تحفظ بشكل موزع وآمن دون حاجة إلى وسيط مركزي، تتيح تحويل الأموال خارج نطاق المصارف، لا وسطاء، لا بنوك، ولا إمكانية لتجميد الأرصدة، وهذه كانت الخصائص بمثابة حلم لدولة محاصرة ماليا مثل إيران.

Image

لكن البداية كانت مترددة، فبينما رأى بعض المسؤولين في العملات الرقمية أداة ابتكار مالي، حذر آخرون من تحولها إلى وسيلة اختراق اقتصادي قد تسمح بتسرب الأموال أو تهديد السيادة النقدية، ومع ذلك، أخذت الحكومة خطوة صامتة نحو الداخل، السماح لمراكز الأبحاث والجامعات بدراسة تقنيات البلوك تشين، وتسهيل دخول أجهزة التعدين إلى السوق عبر قنوات محددة.

Image

على مستوى الخطاب العلني، ظلت الحكومة الإيرانية تتحدث بحذر، فبين عامي 2017 و2018، كانت الصحف الرسمية تنشر مقالات عن خطر العملات المشفرة على الأمن المالي، بينما كانت مؤسسات شبه حكومية تستثمر في شركات تقنية ناشئة متخصصة في البلوك تشين، هذه الازدواجية لم تكن مصادفة، بل كانت انعكاسا لسياسة مزدوجة هدفها استكشاف السوق من جهة، وإنكار التورط العلني من جهة أخرى، تحسبًا لأي عقوبات جديدة.

ومع تدهور قيمة الريال الإيراني وتزايد التضخم إلى مستويات قياسية بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، أصبحت الحاجة إلى منفذ مالي بديل أكثر إلحاحا، فبدأ رجال الأعمال والتجار يبحثون عن وسيلة لتسوية صفقاتهم الخارجية دون المرور بالبنوك، ووجدوا في العملات المشفرة وسيلة شبه قانونية لتحقيق ذلك. ومن هنا، بدأت الحكومة تغض الطرف عن استخدام البيتكوين في بعض القطاعات الحساسة، خاصة في مجال تصدير النفط والسلع.

Image

لم يعد التعامل بالعملات الرقمية مجرد ظاهرة فردية أو تجربة محدودة، ففي ظل العقوبات، بدأ النظام الإيراني يشكل بنية مالية موازية، شبكات من المحافظ الرقمية، وسطاء خارجيون، ومراكز تعدين محلية توفر البيتكوين كوسيلة لتبادل القيمة خارج النظام البنكي الدولي. لم يكن الهدف مجرد الربح، بل بناء منظومة مالية بديلة قادرة على الحركة في الظل.

هذا التحول مثل نقلة نوعية في التفكير الاقتصادي الإيراني، إذ أصبحت الحكومة تنظر إلى التكنولوجيا، التي كانت تراها تهديدا بالأمس، كوسيلة للبقاء اليوم. ومع أن الدوافع كانت اقتصادية في ظاهرها، فإن خلفها أهدافا سياسية واستراتيجية، الحفاظ على تدفق الأموال، وتمويل الأنشطة الخارجية، وتجنب الانكشاف أمام الرقابة الدولية، وهكذا، مهدت العقوبات الطريق لظهور اقتصاد رقمي إيراني مزدوج، علني في شعارات الابتكار المالي، وسري في الممارسة الفعلية التي تغذي خزائن الدولة بعملة لا يمكن تعقبها، تلك كانت البداية الحقيقية لقصة البيتكوين الإيراني.

مزارع التعدين… اقتصاد كهرباء مدعوم

يبدو مشهد مزارع التعدين الإيرانية أشبه بمفارقة صادمة في بلد يواجه نقصا مزمنا في الكهرباء، ويعاني سكانه من انقطاعات متكررة خلال الصيف والشتاء، فمنشآت ضخمة تعمل ليل نهار، تستهلك مئات الميغاواط من الطاقة، لإنتاج أصول رقمية تباع في الخارج، بينما تتوقف المصانع الصغيرة والمخابز عن العمل في الظلام.

قبل تتبع مسيرة تعدين العملات الرقمية في إيران علينا أن نعرف أولا معنى كلمة تعدين، فيشير هذا المصطلح إلى العملية التقنية التي يتم من خلالها إنتاج البيتكوين والعملات المشفرة عبر أجهزة حاسوب متخصصة تجري ملايين العمليات الحسابية المعقدة للتحقق من المعاملات المسجلة على شبكة البلوك تشين، ففي كل مرة ينجز فيها المعدن مهمة التحقق بنجاح يكافأ بكمية من البيتكوين مما يجعل التعدين أشبه بعملية تنقيب رقمي عن الذهب لكن داخل شبكات مشفرة بدلا من المناجم الحقيقية.

Image

هذه العملية تتطلب قدرة حاسوبية هائلة واستهلاكا كبيرا للطاقة الكهربائية وهو ما يجعلها مثار جدل في كثير من الدول، فبينما تعتبر وسيلة لتحقيق الأرباح أو دعم الاقتصاد الرقمي يرى آخرون فيها عبئا على البنية التحتية وتهديدا للبيئة. وهنا بالضبط تبدأ خصوصية التجربة الإيرانية حيث تحول التعدين من نشاط فردي إلى صناعة كاملة تتقاطع فيها السياسة بالطاقة والاقتصاد.

بدأ نشاط تعدين البيتكوين في إيران على نطاق محدود في عام 2017 مع دخول معدات التعدين الصينية إلى السوق عبر تجار إلكترونيات في طهران وتبريز، لكن المشهد تغير جذريا بعد عامين فقط حين اكتشفت السلطات أن استهلاك الكهرباء في بعض المحافظات الصناعية تضاعف دون تفسير واضح، وعندما شنت حملات تفتيش مفاجئة في كرمان ويزد وخراسان تبين أن خلف الأبواب المعدنية كانت تعمل مزارع تعدين تضم مئات الأجهزة المتصلة بشبكات خاصة تحول الطاقة الرخيصة إلى بيتكوين يحول عبر محافظ خارجية إلى دول أخرى.

Image

فوفق تقديرات رسمية صدرت عن وزارة الطاقة الإيرانية عام 2021 فقد وصل استهلاك الكهرباء في قطاع التعدين إلى ما يقارب 2% من إجمالي الاستهلاك الوطني، وهو رقم ضخم في بلد يعاني من عجز في إنتاج الطاقة خلال فترات الذروة، هذا الاستهلاك يعادل تشغيل مئات الآلاف من المنازل ما يفسر الاضطرابات المتكررة في الشبكة الكهربائية خاصة في المحافظات الوسطى والجافة التي تعتمد على الطاقة الحرارية.


تكمن المفارقة الكبرى في أن إيران تعد من أرخص دول العالم في أسعار الكهرباء بفضل الدعم الحكومي الهائل الموجه للمستهلكين الصناعيين والسكان في المنازل، هذا الدعم تحول مع الوقت إلى مصدر ربح استثنائي لشبكات التعدين الكبيرة فبينما يدفع المواطن الإيراني سعر الكيلوواط بسنتات معدودة تباع العملة الناتجة أي البيتكوين في السوق الدولية بأسعار تعادل آلاف الدولارات للوحدة الواحدة.


تحقيقات محلية نشرتها الصحف الإيرانية أظهرت أن بعض مزارع التعدين المسجلة رسميا تستهلك يوميا ما يقارب 175 ميغاواط، وهو ما يعادل استهلاك مدينة صغيرة وقد منحت وزارة الصناعة تراخيص لأكثر من مئة مزرعة تعدين خلال عام واحد فقط معظمها في مناطق صناعية نائية لتقليل الانتباه الشعبي، لكن ما لم يعلن رسميا هو هوية المستثمرين الفعليين وراء هذه المزارع.

Image

العملات الرقمية كأداة للالتفاف على العقوبات

منذ أن فصلت البنوك الإيرانية عن شبكة SWIFT الدولية، أصبح أي تحويل مالي من أو إلى إيران خاضعا لرقابة صارمة، توقفت التحويلات بالدولار، وجمدت الأرصدة الخارجية، وانكمشت قدرة البلاد على تمويل تجارتها الدولية، أمام هذا الانسداد، لم يكن أمام طهران سوى البحث عن قنوات بديلة لا تمر عبر البنوك الغربية. وهنا برزت العملات المشفرة، بقيادة البيتكوين والتيثر، كأداة مالية صممت في الأصل للتحرر من الوساطة المصرفية، لكنها تحولت في الحالة الإيرانية إلى وسيلة التفاف ممنهجة على العقوبات.

Image

تقرير صادر عن شركة Elliptic البريطانية المتخصصة في تتبع العملات المشفرة للعام 2022 قدر أن إيران استخدمت أنشطة التعدين والتداول الرقمي لتوليد ما يعادل مليار دولار سنويا من البيتكوين، تستخدم لاحقا في تمويل الواردات أو في تغطية المعاملات التجارية مع دول مثل الصين وروسيا وتركيا، هذه الأموال تحول غالبا إلى عملات مستقرة لتسهيل تسوية الصفقات بعيدا عن تقلبات الأسعار.

كذلك، فتدار عمليات الالتفاف هذه عبر سلسلة معقدة من الوسطاء المحليين والدوليين، ففي المرحلة الأولى، تباع شحنات من النفط أو البتروكيماويات لتجار مستقلين في دول الجوار، خصوصا تركيا والإمارات وماليزيا، مقابل عملات مشفرة. هؤلاء الوسطاء يقومون بإنشاء محافظ رقمية مؤقتة لتحويل المدفوعات إلى محافظ داخل إيران، أو إلى حسابات تدار من قبل شركات واجهة تابعة لمؤسسات حكومية، ووفقا لمصادر اقتصادية إيرانية، تستخدم هذه الشبكات كذلك في استيراد معدات حساسة مثل الشرائح الإلكترونية أو أجهزة الطرد المركزي، حيث تدفع قيمتها عبر عملات رقمية يصعب تتبّع مصدرها، كما يتم تمويل بعض المشاريع التقنية داخل إيران من محافظ تدار في الخارج، ما يسمح بتجنب القيود المفروضة على التحويلات البنكية باليورو أو الدولار.

Image

وسطاء الظل… دور دول الجوار

تلعب تركيا والإمارات دورا محوريا في هذه الشبكة، فبفضل وجود منصات تداول عالمية في دبي وإسطنبول، تحول العملات المشفرة الناتجة عن التعدين أو التجارة إلى عملات مستقرة، ثم إلى نقد في حسابات مصرفية محلية، ومن هناك، ترسل الأموال إلى وجهاتها النهائية عبر شركات استيراد وتصدير، والتي تكون بمثابة الواجهة، فيما يستفيد الوسطاء من ضعف القوانين المنظمة في بعض هذه الدول، حيث يمكن فتح محافظ رقمية وشركات محدودة المسؤولية بسرعة دون رقابة كافية، وهكذا تنجح إيران في تدوير أموالها رقميا دون أن تمر عبر أي مصرف غربي.

Image

لكن هذا النظام لا يخلو من المخاطر، فغياب الشفافية يجعل الباب مفتوحا أمام الفساد وغسل الأموال، حيث أظهرت تحقيقات أجرتها عدد من الصحف الإيرانية أن بعض الشركات المرخصة لتعدين البيتكوين نقلت أرباحها إلى الخارج عبر محافظ مرتبطة بشركات وهمية في هونغ كونغ، ما يعني أن جزءا من العوائد لم يدخل الاقتصاد الإيراني أصلا، بل ذهب إلى جيوب وسطاء وشخصيات نافذة.

Image

وما بدأ كوسيلة اضطرارية لتجاوز العقوبات تحول تدريجيا إلى أداة اعتماد مالي، فاليوم، تعتمد طهران على العملات المشفرة ليس فقط في التجارة، بل في دفع مستحقات بعض الموردين والمستشارين الأجانب الذين لا يستطيعون تلقي أموال عبر البنوك.
ورغم محاولات البنك المركزي وضع ضوابط على الاستخدام، فإن غياب الإطار القانوني الواضح سمح بتوسع هذا الاقتصاد الموازي، بحيث أصبح يهدد العملة الوطنية نفسها، فالبيتكوين لم يعد مجرد حل مؤقت، بل جزءا من هيكل التمويل الإيراني، بموافقة ضمنية من مؤسسات الدولة.

في الأخير، نجحت إيران إلى حد كبير في التحايل على القيود البنكية الدولية باستخدام التكنولوجيا الرقمية، لكنها دفعت ثمنا باهظا، فالنظام المالي المزدوج الذي نشأ بين الرسمي والموازي عمق الفجوة بين الدولة والمجتمع، وخلق بيئة مثالية للفساد المالي وغسل الأموال، كما زاد من تعقيد مهمة الجهات الرقابية التي باتت عاجزة عن تتبع حجم الأموال الخارجة والداخلة عبر المحافظ الرقمية.

وبهذا المعنى، أصبحت العملات المشفرة في إيران أداة للنجاة من الحصار، لكنها أيضا سلاح ذو حدين، يغذي اقتصاد الظل ويضع البلاد على حافة نظام مالي غير قابل للضبط.

موقف البنك المركزي الإيراني… تنظيم أم تواطؤ؟

منذ أن بدأت العملات الرقمية تتسلل إلى المشهد الاقتصادي الإيراني منتصف العقد الماضي، لم تتخذ الحكومة موقفا حاسما تجاهها، فكلما أعلن مسؤول رفيع عن ضرورة ضبط السوق، خرج آخر ليؤكد أهمية الاستفادة من التقنيات الجديدة، هذا التناقض المزمن جعل موقف البنك المركزي الإيراني يبدو أقرب إلى إدارة الغموض منه إلى تنظيم فعلي.، فهل كان الهدف حماية الاقتصاد الوطني؟ أم احتكار سوق رقمية تدر أرباحا هائلة بعيدا عن الرقابة العامة؟

البداية الرسمية تعود إلى عام 2018، حين أصدر البنك المركزي بيانا يحظر التعامل بالعملات الرقمية في المؤسسات المالية والمصرفية، بحجة خطرها على الاستقرار النقدي ومكافحة غسل الأموال، في الظاهر، بدا القرار حاسما، لكنه جاء في وقت كانت فيه مؤسسات حكومية أخرى، مثل وزارة الصناعة، تمنح تراخيص لتعدين البيتكوين، وبهذا، ولدت أول مفارقة تنظيمية، الدولة تحظر التداول لكنها تسمح بالإنتاج. ومنذ ذلك الحين، أصبحت السياسة الإيرانية تجاه العملات المشفرة قائمة على منع الاستخدام الشعبي مقابل تشجيع الاستغلال المؤسسي.

Image

وفي عام 2019، أقر مجلس الوزراء لائحة تنظيمية تجيز رسميا أنشطة التعدين شرط تسجيلها والحصول على ترخيص من وزارة الصناعة، مع دفع تعرفة كهرباء أعلى من التعرفة المنزلية، كما نصت اللائحة على أن العائدات الناتجة عن التعدين يجب أن تعاد إلى البلاد وتُستخدم فقط لتسوية الواردات، هذه الصيغة القانونية الغامضة فتحت الباب أمام استخدام العملات المشفرة في التجارة الخارجية تحت مظلة البنك المركزي، الذي أصبح الجهة الوحيدة المخولة بإصدار التصاريح لاستخدامها في المدفوعات الدولية.

بهذا الإطار الجديد، تحول البنك المركزي إلى المنسق العام للاقتصاد الرقمي الإيراني، ففي الوقت الذي يُحذّر فيه المواطنين من التعامل بالبيتكوين أو المنصات الأجنبية، يشرف هو نفسه على معاملات رسمية تستخدم فيها العملات المشفرة لتمويل الاستيراد.

هذا وأكدت وثائق صادرة من لجنة الشؤون الاقتصادية في البرلمان الإيراني في العام 2021 أن البنك المركزي منح تراخيص لعدد محدود من الشركات ذات الثقة الحكومية لاستخدام البيتكوين في دفع قيمة السلع المستوردة، هذه الشركات تعمل غالبا كواجهات لمؤسسات شبه حكومية أو شركات تابعة للحرس الثوري. وبهذا الشكل، أصبح البنك المركزي شريكا في بناء اقتصاد رقمي مغلق، يخدم الدوائر القريبة من السلطة دون أن يمتد إلى بقية السوق.

Image

في عام 2022، أعلن البنك المركزي رسميا عن مشروع الريال الرقمي، وهو نسخة رقمية من العملة المحلية تهدف، بحسب التصريحات، إلى تحديث النظام النقدي وتقليل الاعتماد على العملات المشفرة الأجنبية، لكن المشروع أثار تساؤلات أكثر مما قدّم إجابات، فبينما روج له كرمز للحداثة المالية، رأى خبراء أنه محاولة لفرض رقابة مركزية صارمة على حركة الأموال داخل البلاد، بعد أن أصبحت المحافظ المشفرة وسيلة شائعة لتجاوز الرقابة المصرفية.

Image

النسخة التجريبية من الريال الرقمي، التي أطلقت في عدد من المصارف المحلية، تعتمد على نظام بلوك تشين مغلق لا يسمح بالتداول الحر، أي أنها ليست عملة مشفرة حقيقية، بل أداة دفع إلكترونية تخضع بالكامل لإشراف البنك المركزي، وبهذا المعنى، لم يكن الريال الرقمي بديلًا عن البيتكوين بقدر ما كان ردا سلطويا عليه، محاولة لاستعادة السيطرة على فضاء مالي انفلت من قبضة الدولة.

اليوم، وبعد مرور أكثر من خمس سنوات على دخول العملات المشفرة إلى الاقتصاد الإيراني، لم ينجح البنك المركزي في إنشاء نظام واضح للتعامل معها، بل يمكن القول إن سياساته المتناقضة ساهمت في ازدهار الاقتصاد الموازي الذي كان يفترض به ضبطه.

الاقتصاد الخفي وشبكات النفوذ

في خلفية مشهد العملات المشفرة في إيران، يقف اقتصاد خفي يعمل في الظل، لا يخضع لقوانين السوق أو لرقابة المؤسسات الرسمية، بل لشبكات متشابكة من المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية، هذا الاقتصاد ليس مجرد نشاط جانبي، بل أصبح جزءا من بنية النظام المالي غير المعلن، تدار عبره مليارات الدولارات من الأرباح التي لا تمر عبر البنوك ولا تدخل الموازنات العامة.

منذ ظهور أنشطة التعدين التجارية في إيران، برزت مؤسسات شبه حكومية بوصفها المستثمر الأكبر في هذا المجال، فتحقيقات نشرتها وسائل إعلام  أكدت أن عددا من أكبر مزارع التعدين في البلاد تدار من قبل شركات واجهة تابعة لـ الحرس الثوري الإيراني أو مؤسسة المستضعفين والعتبة الرضوية في مشهد، هذه الكيانات تمتلك نفوذا اقتصاديا هائلا، وتمثل ما يعرف محليا بالاقتصاد المقاوم، أي الكيانات التي تمول نفسها ذاتيا بعيدا عن الموازنة العامة وتتمتع بإعفاءات من الضرائب والرقابة.

Image

بمرور الوقت، تحول تعدين العملات الرقمية إلى أداة مالية مضمونة لهذه المؤسسات، فهي تحصل على الكهرباء بأسعار تفضيلية، وتستورد معدات التعدين دون قيود جمركية تذكر، وتحوّل أرباحها إلى الخارج عبر محافظ رقمية يصعب تتبعها، وبينما تبرر الدولة هذه التسهيلات بتعزيز الأمن الاقتصادي، فإن الواقع يشير إلى أن تلك الامتيازات خلقت طبقة مالية جديدة داخل النظام، تدير ثروة رقمية موازية خارج أي محاسبة.

Image

شبكات النفوذ هذه لا تعمل داخل إيران فقط، بل تمتد إلى الخارج عبر سلسلة من الشركات الوهمية والمكاتب المسجلة في الإمارات وتركيا وهونغ كونغ، وتستخدم هذه الكيانات كواجهات قانونية لإدارة المحافظ الرقمية وتدوير الأموال الناتجة عن التعدين أو التجارة المشفرة.
فمن خلال هذه الممرات، يمكن نقل البيتكوين أو العملات المستقرة إلى حسابات مرتبطة بمؤسسات داخل إيران، من دون الحاجة إلى أي تحويل مصرفي رسمي. تقرير استقصائي صدر عن مركز أبحاث Chainalysis في عام 2023 أشار إلى أن إيران من أكثر الدول استخداما لشركات واجهة في تحويل العملات المشفرة، وأن جزءا كبيرا من المعاملات المرتبطة بعناوين إيرانية تمر عبر وسطاء في دبي وإسطنبول، وبهذه الطريقة، يصبح من الصعب التمييز بين الأموال المخصصة للتجارة الشرعية وتلك الموجهة لتمويل أنشطة غير معلنة، بما في ذلك دعم مجموعات سياسية أو عمليات خارج الحدود.

وبينما تكدس هذه المؤسسات أرباحا هائلة من التعدين والتداول، يتحمل المواطن الإيراني التكلفة الباهظة، فالكهرباء المدعومة التي تستهلك في المزارع الكبرى هي من موارد الدولة العامة، أي من جيوب المواطنين أنفسهم، فوفقا لبيانات وزارة الطاقة، تجاوزت خسائر الدولة من استهلاك الكهرباء غير الصناعي في قطاع التعدين ملياري دولار خلال ثلاث سنوات، نتيجة استنزاف الطاقة بأسعار الدعم الحكومي، لكن هذه الخسائر لم تنعكس في أي محاسبة رسمية، لأن المستفيدين منها يتمتعون بغطاء سياسي يجعلهم خارج نطاق المساءلة.

هذا الوضع خلق ما يسميه الاقتصاديون الإيرانيون بالاقتصاد المزدوج، اقتصاد رسمي خاضع للقوانين، واقتصاد مواز تحكمه شبكات النفوذ، وفي حين يتحدث الخطاب الرسمي عن استقلال مالي واقتصاد مقاوم، فإن الواقع يشير إلى خصخصة غير معلنة للثروة العامة، حيث تُستنزف موارد الدولة لصالح مؤسسات مغلقة لا تقدم بيانات مالية شفافة.

البعد الإقليمي والدولي

حين اتجهت إيران نحو العملات المشفرة كوسيلة لتجاوز العقوبات، لم تكن تتحرك في فراغ دولي، فقد سبقتها أو لحقتها دول عدة وجدت في الاقتصاد المشفر طريقا للهروب من الهيمنة المصرفية الغربية، لكن خصوصية الحالة الإيرانية تكمن في قدرتها على تحويل الأزمة إلى منظومة موازية مستمرة، لا مجرد وسيلة مؤقتة للنجاة.

فمنذ العام 2019، رصد مؤشر كامبريدج العالمي لاستهلاك الكهرباء في تعدين البيتكوين أن إيران كانت مسؤولة في بعض الفترات عن نحو 7% من إجمالي إنتاج البيتكوين في العالم، وهي نسبة ضخمة بالنظر إلى البنية التحتية المحدودة والعقوبات المفروضة على البلاد، هذا الرقم وحده كان كفيلا بوضع إيران ضمن الدول الخمس الأولى عالميا في إنتاج العملة المشفّرة، إلى جانب الصين والولايات المتحدة وروسيا، ومع أن النسبة تراجعت لاحقا إلى ما بين 3 و4% بسبب تشديد الرقابة الداخلية، إلا أن حضور إيران في المشهد العالمي بقي مؤثرًا ومقلقًا للقوى الغربية.

Image

كما يظهر تحليل النماذج الدولية أن التجارب المشابهة، في روسيا وكوريا الشمالية وفنزويلا، تحمل ملامح مشتركة مع التجربة الإيرانية، لكنها تختلف في البنية والغاية، فروسيا، وبعد غزو أوكرانيا وفرض العقوبات الغربية عام 2022، بدأت رسميا في استخدام العملات المشفرة في بعض المعاملات التجارية مع شركائها في آسيا، لكنها فعلت ذلك تحت إشراف مركزي من البنك الروسي، وبنظام أكثر شفافية نسبيا من النموذج الإيراني.

Image

كذلك، كوريا الشمالية، حيث تعتمد بيونغ يانغ على هجمات سيبرانية وسرقة العملات المشفرة من منصات تداول عالمية، وهو نموذج عدائي لا تجاري، أيضا فنزويلا والتي أطلقت بترو، وهي عملة رقمية مدعومة بالنفط، كنسخة محلية من البيتكوين بهدف تجاوز العقوبات الأميركية، لكنها فشلت في جذب الثقة الدولية.

أما إيران، فقد اختارت النهج المركب، مزيج من التعدين الداخلي الواسع، والتداول الخارجي عبر وسطاء، والاعتماد التدريجي على العملات المستقرة مثل التيثر (USDT) لتسوية الصفقات، بهذا النموذج، لا تواجه إيران العقوبات فحسب، بل تخلق نظاما ماليا موازيا عابرا للحدود، يمتزج فيه الرسمي باللاشرعي، والتقني بالسياسي.

Image

الموقف الغربي.. من المراقبة إلى القلق

تفاوتت ردود الفعل الدولية على هذا الاتجاه الاقتصادي الذي انتهجته طهران، فبالنسبة إلى الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، يشكل توسع إيران في استخدام العملات المشفرة أحد أكثر التحديات تعقيدا في مشهد العقوبات الاقتصادية الحديثة، فبينما صمم نظام العقوبات الأمريكي ليعتمد على السيطرة على النظام المالي العالمي، ظهرت البلوك تشين كمساحة جديدة خارجة عن هذا النطاق التقليدي، تتيح نقل القيم دون المرور عبر البنوك أو الوسطاء الخاضعين للرقابة، هذه الخاصية جعلت العملات الرقمية وسيلة مثالية لإيران للتحايل على القيود المالية المفروضة عليها منذ سنوات طويلة.

وردا على ذلك، بدأت وزارة الخزانة الأمريكية منذ عام 2021 باتخاذ خطوات أكثر تحديدا في هذا المجال، فأدرجت عشرات المحافظ الرقمية المرتبطة بكيانات أو أفراد إيرانيين على قوائم العقوبات، وأصدرت تحذيرات صارمة لمنصات التداول العالمية بعدم التعامل، ولو بطريقة غير مباشرة، مع المحافظ التي قد تكون ذات صلة بالنشاط الإيراني، كما وجهت واشنطن ضغطا كبيرا على الشركات الأمريكية العاملة في مجال تحليل البلوك تشين لتطوير أدوات تعقب أكثر تطورا لرصد الأنشطة الإيرانية على الشبكات العامة.

Image

لكن هذه الإجراءات، رغم طابعها الرمزي والسياسي، تبقى محدودة الفاعلية من الناحية التقنية، فالعقوبات في عالم العملات المشفرة تختلف جذريا عن العقوبات المصرفية الكلاسيكية، فلا يمكن لأي جهة حكومية أن تصادر المفاتيح الخاصة التي تمكن المستخدم من الوصول إلى أصوله الرقمية، ولا يمكنها منع تحويل الأموال بين محافظ موزعة على آلاف العناوين المنتشرة في جميع أنحاء العالم، وحتى عندما تجمد حسابات أو تحظر منصات، يمكن نقل الأصول بسرعة إلى منصات أخرى أقل التزاما بالقوانين الغربية أو إلى شبكات تداول لامركزية لا تخضع لأي سلطة مركزية.

Image

إزاء هذا الواقع، انتقل الموقف الغربي من مجرد المراقبة إلى مستوى القلق الاستراتيجي، فإيران ليست وحدها في هذا المسار؛ بل تمثل نموذجا لما قد تفعله دول أخرى خاضعة للعقوبات كما ذكرنا سابقا، ولهذا، باتت النقاشات في المؤسسات الغربية تدور حول كيفية فرض عقوبات رقمية تتجاوز فكرة تجميد الحسابات إلى تطوير أنظمة رقابة ذكية على سلاسل الكتل نفسها. ومع ذلك، يظل تحقيق هذا الهدف صعبا، إذ يتناقض مع المبادئ التقنية للبلوك تشين التي تقوم على اللامركزية والشفافية والحياد.

في النهاية، يمكن القول إن الموقف الغربي من النشاط الإيراني في مجال العملات المشفرة يتراوح اليوم بين الإدراك المتزايد لحجم التهديد والعجز عن إيجاد أدوات فعالة للحد منه، فبينما تتقدم طهران بخطوات محسوبة نحو بناء اقتصاد رقمي مقاوم للعقوبات، يجد الغرب نفسه مضطرا لإعادة التفكير في بنية العقوبات ذاتها، بعدما أثبتت التكنولوجيا أنها قادرة على إعادة توزيع موازين القوة المالية العالمية خارج نطاق السيطرة التقليدية.

بيتكوين بين الحاجة والمراقبة

تحولت العملات الرقمية في إيران من وسيلة للتحرر المالي إلى أداة تدار بها السلطة وتبرر عبرها السياسات، فبينما لجأت الدولة إلى البيتكوين هربا من العقوبات واختناق النظام المصرفي، انتهى بها الأمر إلى بناء اقتصاد مواز يعمل في الظل ويخدم مصالح مؤسسات نافذة.

المواطن، الذي رأى في التعدين أو التداول أملا في النجاة من التضخم، وجد نفسه مطاردا ومحروما من الكهرباء التي تستهلك لإنتاج بيتكوين رسمي لا يراه إلا على الشاشات. وبين وعود البنك المركزي بتنظيم السوق ومشروع الريال الرقمي الذي يهدف للسيطرة لا الانفتاح، تبدو المفارقة صارخة، أداة خلقت للحرية تحولت في طهران إلى وسيلة للرقابة.

 واليوم تقف إيران أمام مفترق طرق، فإما أن تجعل من اقتصادها الرقمي رافعة إصلاح وشفافية، أو تتركه يتحول إلى شبكة مغلقة تعمق العزلة وتكرس اقتصاد الظل الذي ولد من رحم العقوبات.