طلاب إيران يجهلون أحداث الحرب الإيرانية-العراقية.. فشل التعليم في نقل الذاكرة الوطنية

ترجمة: سارة شعبان المزين

نشر موقع نور نيوز الإيراني، الجمعة 26 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا  ذكر فيه أنه وفق شهادة أهل الرأي وخبراء مجال التعليم والتربية، يُعد أحد أوضح أوجه النقص في النظام التعليمي الإيراني، العجز عن الحفاظ على نقل الترابط الثقافي والتاريخي إلى الأجيال الجديدة. 

وأضاف الموقع أن هذا الضعف بات اليوم أكثر وضوحا من أي وقت مضى؛ إذ يفتقر كثير من الطلاب وحتى الجامعيين إلى صورة واضحة ومعرفة موثوقة عن تاريخ إيران، والتراث الثقافي والحضاري للإسلام، والأحداث المهمة والفاصلة مثل حركة الدستور، ونهضة تأميم صناعة النفط، وانتصار الثورة الإسلامية، وأخيرا قضايا واسعة النطاق مثل الحرب الإيرانية–العراقية التي استمرت ثماني سنوات. 

وتابع: “إنهم بدلا من ذلك يتذكرون أسماء لاعبي كرة القدم والممثلين والمطربين، وما يُعرف بالسيلبريتيات الغريبة، ويعرفون تفاصيل حياتهم بدقة هذه الظاهرة، أي انقطاع الترابط الثقافي، ليست مجرد قضية تربوية مرتبطة بالمدارس فحسب، بل تمثل جرس إنذار لهوية الأمة ورأس المال الاجتماعي في البلاد”.

Image

تعليم بلا ذاكرة

أفاد الموقع بأن المهمة الأساسية لأي نظام تعليمي ليست مجرد نقل المعرفة الحديثة والمهارات الفنية، بل تشمل أيضا نقل الذاكرة التاريخية والثقافية والقيمية للأمة إلى الأجيال القادمة. 

وأضاف أن النظام التعليمي في إيران قد فشل إلى حد كبير في هذه الرسالة الأساسية وسبب هذا الفشل ليس غياب المحتوى، إذ أن الكتب الدراسية تحتوي على موضوعات تتعلق بتاريخ إيران، الإسلام، الثورة، والحرب الإيرانية–العراقية. 

وتابع أن المشكلة الأساسية تكمن في أن هذه المحتويات مكتوبة بأسلوب لا يجعلها جذابة أو مؤثرة أو باقية في ذهن الطلاب، فهي أشبه بنصوص رسمية وجافة تُحفظ للامتحان ثم تُنسى فورا، وليس بسرد حي يشد انتباه ووجدان المراهقين.

وأشار إلى أن تزامن بداية العام الدراسي مع أسبوع الذكرى للحرب الإيرانية–العراقية يمثل مناسبة مناسبة لإبراز مثال واضح على هذا النقص. 

وأوضح أن هذه الحرب التي استمرت ثماني سنوات كانت أهم تجربة جماعية للأمة الإيرانية في نصف القرن الأخير؛ تجربة كان من الممكن أن تصبح عمودا من أعمدة الهوية الوطنية في تعليم الأجيال الجديدة، لكن ذلك لم يحدث على أرض الواقع. 

ونوّه الموقع إلى أنه إذا سُئل أي طالب عن أحداث مهمة من تلك المرحلة مثل احتلال وتحرير خرمشهر، أو عمليات كبرى مثل كربلاء 5 والفجر 8 أو شخصيات بارزة مثل الشهيد جمران، الشهيد همت، الشهيد بروجردي، الشهيد فلاحی، فإن غالبية الإجابات ستكون غامضة أو ناقصة، إذا كان لدى الطالب إجابة أصلا.

وأكد الموقع أن الحرب الإيرانية–العراقية ليست مجرد حدث تاريخي، بل مصدر فريد لمفاهيم إنسانية مثل الإيثار، الصمود، التضامن، والثقة بالنفس الوطنية، لكن النظام التعليمي لم يتمكن من ترجمة هذه المفاهيم بلغة العصر ونقلها إلى الأجيال الجديدة. 

وأضاف أن النتيجة هي أن الحرب الإيرانية–العراقية في ذهن كثير من الشباب باتت مقصورة على عدد من الأسماء والصور النمطية.

تبعات الانقطاع الثقافي ومسؤولية المؤسسات

ذكر الموقع أن هذا النقص لا يمكن تحميله بالكامل على عاتق وزارة التربية والتعليم فقط، فى عملية النقل الثقافي واجب وطني تتحمل مسؤوليتها جميع المؤسسات الثقافية في البلاد ـ من الإعلام الرسمي مرورا بوزارة الثقافة، والهيئات الفنية، والبلديات، وحتى المؤسسات الدينية. 

وأشار الموقع إلى أن هذه المؤسسات للأسف غالبا ما تناولت موضوع الحرب الإيرانية–العراقية وتاريخ الثورة بأسلوب نمطي، شعاري وغير جذاب والنتيجة كانت زيادة الفجوة بين الجيل الجديد وإرثه التاريخي والثقافي يوما بعد يوم.

وأوضح أن هذه الفجوة الذهنية لا تقتصر على الحرب الإيرانية–العراقية فقط، بل يمتد أثرها إلى معرفة الطلاب بالمفاخر والأسماء اللامعة في الثقافة والأدب الإيراني. 

وأشار إلى السؤال المهم: لماذا فشل نظام التعليم الإيراني في عملية النقل الثقافي؟

وذكر الموقع عدة أسباب رئيسية:

1. اللغة غير المناسبة للمحتوى: حيث أن النصوص الدراسية أقرب إلى قوائم جافة بلا روح، بدلا من أن تكون سردا حيّا.

2. طرق التدريس التقليدية: التركيز على الحفظ بدلا من التعلم التجريبي والإبداعي.

3. غياب الصلة بالحياة المعاصرة: حيث تُعرض الحرب الإيرانية–العراقية كحدث تاريخي وليس كتجربة يمكن أن تُستمد منها دروس لحل مشاكل المجتمع اليوم، من الأزمات الاقتصادية إلى تعزيز التماسك الاجتماعي.

4. قصور المؤسسات الثقافية المساندة: حيث لم تتمكن وسائل الإعلام والمؤسسات الأخرى من إنتاج سرد عميق وجذاب، ما جعل العبء الأكبر يقع على عاتق التعليم.

وأكد الموقع أن هذا الانقطاع لا يعني مجرد نسيان بعض الأحداث التاريخية، بل يعني تآكل الهوية الوطنية فالجيل الذي لا يعرف ماضيه سيكون أكثر ضعفا أمام الضغوط الثقافية الخارجية والأزمات الاجتماعية الداخلية، مما يؤدي إلى فقدان رأس المال الروحي الهائل للأمة، الذي كان يمكن أن يكون مصدر إلهام للتقدم والصمود أمام التحديات.

وأشار الموقع إلى عدة إستراتيجيات ضرورية للخروج من هذا الوضع:

أ) إعادة صياغة وإعادة خلق المحتوى: عبر تقديم تاريخ الحرب الإيرانية–العراقية والثورة في قالب سرد إنساني وقصصي جذاب، مع أمثلة واقعية وذكريات المقاتلين وقصص المراهقين في زمن الحرب.

ب) استخدام أدوات ثقافية حديثة: مثل الأفلام، الوثائقيات، الرسوم المتحركة، روايات الشباب، وحتى ألعاب الفيديو التي يمكن أن تحمل السرد التاريخي والثقافي.

ج) تدريب معلمين متخصصين: إذ لا يمكن للمعلم الذي لا يؤمن بأهمية هذه المواضيع أو يفتقر للأدوات اللازمة أن يؤدي دوره الأساسي.

د) تنسيق بين المؤسسات الثقافية: فلا يجب أن تبقى مسؤولية التربية والتعليم بمفردها، بل يجب أن تعمل الإذاعة، وسائل الإعلام الرقمية، الهيئات الفنية والدينية ضمن إطار استراتيجي مشترك.

هـ) ربط الماضي بالحاضر: عبر توضيح أن مفاهيم الحرب الإيرانية–العراقية ليست حكرا على الماضي، بل لها معنى لحل قضايا المجتمع اليوم، من تعزيز الثقة الوطنية في الاقتصاد إلى الصمود أمام الضغوط الخارجية.

وأضاف الموقع أن بداية العام الدراسي وأسبوع الحرب الإيرانية–العراقية تذكران مرة أخرى أن النظام التعليمي والثقافي في إيران قد فشل في مهمته لنقل الذاكرة التاريخية، سواء التاريخ القديم أو فترة الإسلام أو العصر المعاصر وحتى أحداث قريبة مثل الحرب الإيرانية–العراقية. 

وأشار إلى أن الذاكرة التاريخية والثقافية للأمة تشكل عمود الهوية الجماعية، ولم نتمكن من نقل هذا العمود بصلابة إلى الأجيال الجديدة. 

وختم الموقع بأن إصلاح هذا المسار ضرورة وطنية، فإذا لم تُؤخذ بجدية فإن المستقبل الثقافي للبلاد سيكون مهددا بتهديد خطير.