طهران على حافة الخطر: مبان متهالكة ورافعات غير آمنة وزلزال ينتظر لحظته

Image

كتب: الترجمان

في المدن الكبرى، لا يكون الخطر دائما صاخبا أو مرئيا. أحيانا يختبئ في الخرسانة المتشققة، أو في أعمدة صدئة، أو في رافعة شاهقة تتحرك فوق رؤوس المارة دون ضمانات سلامة. هكذا تبدو طهران اليوم؛ عاصمة مترامية الأطراف، مزدحمة بالسكان، مثقلة بالمباني القديمة، وتقف في الوقت ذاته فوق واحد من أكثر الأحزمة الزلزالية نشاطا في المنطقة.
خلال السنوات الأخيرة، تحوّل ملف سلامة المباني والمنشآت من شأن فني هامشي إلى قضية حضرية من الدرجة الأولى، بعد أن كشفت الأرقام الرسمية عن اتساع غير مسبوق لدائرة المباني غير الآمنة، وبطء مقلق في الانتقال من مرحلة التحذير إلى مرحلة الفعل.

من التقدير المحدود إلى الكشف الشامل

في بدايات التعاطي مع ملف السلامة، كان تحديد المباني الخطرة في طهران يتم بصورة جزئية وانتقائية، نتيجة غياب قاعدة بيانات موحدة ونظام رقابي متكامل. حينها، انصب التركيز على الحالات الأشد وضوحا، ما أسفر عن تحديد 129 مبنى فقط وُصفت بأنها في وضع “حرج جدا”، وغالبا ما كانت مباني عامة أو تجارية تشهد كثافة بشرية عالية.

غير أن هذا النهج سرعان ما بدا قاصرا عن عكس الواقع الحقيقي. ومع 2021، أطلقت منظمة الإطفاء في طهران مشروع “نظام تفتيش سلامة المباني”، الذي اعتمد على عمليات تفتيش ميدانية منظمة شملت مختلف أحياء العاصمة.
نتائج هذا التحول كانت صادمة: نحو 80 ألف مبنى غير آمن تم رصدها في طهران، بينها قرابة 27 ألف مبنى عالي الخطورة، وحوالي 50 ألف مبنى متوسط الخطورة، إضافة إلى نحو 3 آلاف مبنى منخفض الخطورة، بينما لم تعد الـ129 مبنى “الحرجة جدا” سوى رأس جبل الجليد.

Image

أرقام أكبر… لكن هل الخطر أكبر؟

الارتفاع الحاد في أعداد المباني غير الآمنة لا يعني بالضرورة أن وضع السلامة تدهور فجأة، بل يعكس – وفق الجهات المختصة – تحسنا في دقة الرصد واتساع نطاق التفتيش مقارنة بالسنوات السابقة.
غير أن المفارقة تكمن في أن هذا التقدم المعرفي لم يواكبه تقدم مماثل على مستوى الإصلاح والتحصين. فدور منظمة الإطفاء، بحسب القوانين الحالية، يقتصر على التفتيش وإصدار الإنذارات، دون امتلاك أدوات قانونية كافية لإجبار الملاك على تنفيذ أعمال التأمين.

إلى جانب ذلك، تمثل الكلفة المرتفعة لإعادة تأهيل المباني القديمة، خاصة التجارية منها، عائقا رئيسيا يدفع كثيرا من الملاك إلى تأجيل الإجراءات، فيما تسهم تغييرات استخدام العقارات دون تحديث معايير السلامة، وضعف الرقابة بعد منح التراخيص، في تعقيد المشهد أكثر.

الأسواق القديمة… حياة يومية تحت التهديد

من أكثر جوانب الأزمة حساسية، أن عددا كبيرا من المباني المصنفة غير آمنة ليس مهجورا أو معزولا، بل جزء من النسيج اليومي للمدينة.
تقارير إعلامية محلية تشير إلى أن أسواقا ومراكز تجارية قديمة مثل جراند هتل، وعلمي، وطلا زادة، ووحدت، واتفاق وغيرها، لا تزال تستقبل آلاف الزوار يوميا، رغم ورود تحذيرات رسمية بشأن سلامتها منذ سنوات.

هذه المراكز، التي تشكل شرايين اقتصادية واجتماعية، قد تتحول – في حال اندلاع حريق أو وقوع زلزال – إلى بؤر كوارث إنسانية، خصوصا في ظل ضعف تجهيزات الإطفاء وضيق المخارج وتهالك البنية الإنشائية.

رافعات شاهقة… خطر فوق الرؤوس

لا يقتصر ملف السلامة في طهران على المباني الثابتة، بل يمتد إلى ورش البناء والرافعات البرجية المنتشرة في أفق المدينة.
فقد حذّر مهدي بابائي، رئيس لجنة السلامة في مجلس مدينة طهران، من أن أكثر من 50% من الرافعات البرجية غير آمنة. وبحسب الإحصاءات، يوجد في العاصمة نحو 500 رافعة في قرابة 300 ورشة بناء، بينها 150 رافعة تفتقر للمعايير المطلوبة، إضافة إلى 190 مشغّلا دون شهادات رسمية.

ويكمن الخطر، بحسب بابائي، في أن نطاق حركة هذه الرافعات لا يهدد العمال داخل الورش فحسب، بل يمتد إلى الشوارع والمعابر العامة، ما يجعل أي خلل تقني محتملا ذا تبعات كارثية على المارة.

Image

زلزال محتمل… ومدينة غير مستعدة

فوق كل ذلك، تقبع طهران على صدوع زلزالية نشطة. وتشير الدراسات العلمية إلى أن احتمال وقوع زلزال مدمر في العاصمة وضواحيها ليس سيناريو بعيدا.

وفي هذا السياق، يؤكد بابائي أن الخسائر المحتملة ستكون “جسيمة للغاية” إذا وقع زلزال قوي، في ظل بقاء عدد كبير من المباني دون تحصين كاف. ويضيف أن معظم المستشفيات، الخاضعة لإدارة الدولة، تعاني من تأخر كبير في التحديث، ما يضاعف المخاطر في حال الطوارئ.

رغم تحركات الإدارة الحضرية، لا يزال ملف السلامة يصطدم بعقبة توزع الصلاحيات. فالبلدية، بحسب مسؤوليها، لا تملك ولاية مباشرة على المباني الحكومية، ما يقيّد قدرتها على التدخل.
ويقترح مجلس المدينة حلولا تقوم على “الإدارة الحضرية الموحدة” وتفويض أوسع من الحكومة والبرلمان، بما يتيح للبلدية إعادة بناء المدارس والمستشفيات المتهالكة عبر صيغ استثمارية حديثة، في ظل عجز الميزانيات الحكومية.

إجراءات ردعية… ولكن

في محاولة لتعزيز الردع، أعلنت لجنة السلامة عن إيقاف أي مشروع إنشائي يفتقر لمشرف سلامة (HSE)، وفرض غرامات واقتطاعات مالية وصولا إلى إغلاق المشاريع المخالفة. كما رُصدت ميزانيات ضخمة لتحسين سلامة الطرق السريعة وتحديث الحواجز وتقليل المخاطر على العاملين والمواطنين.

غير أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تبقى – وفق مراقبين – جزئية ما لم تُدمج في استراتيجية شاملة تعالج جذور المشكلة، لا مظاهرها فقط.

Image

تكشف أزمة المباني غير الآمنة في طهران عن مفارقة حضرية خطيرة: المعرفة بالخطر أصبحت أوضح من أي وقت مضى، لكن القدرة على مواجهته لا تزال محدودة. فبين أرقام صادمة، وصلاحيات منقوصة، وكلفة اقتصادية مرتفعة، يقف ملايين السكان في مدينة مترهلة فوق صدوع زلزالية، بانتظار قرار حاسم قد يؤجل الكارثة… أو يمنعها.
ويبقى السؤال المفتوح: هل تتحول التحذيرات المتكررة إلى فعل مؤسسي جاد، أم تظل السلامة في طهران رهينة “العاصمة الصامتة” التي لا تصرخ إلا عند وقوع الكارثة؟