- زاد إيران - المحرر
- 499 Views
ترجمة: ساره شعبان المزين
مع تفاقم أزمة المياه في العاصمة الإيرانية طهران، عاد ملف نقل العاصمة إلى الواجهة مجددا بعد سنوات من الجدل والتأجيل.
ففي خطاب حديث، اعتبر مسعود بزشكیان، الرئيس الإيراني، أن استمرار طهران في لعب دور العاصمة لم يعد ممكنا، مؤكّدا أن مسألة نقل المركز السياسي لم تعد “خيارا” بل “ضرورة حتمية”، ويعيد هذا التصريح النقاش حول مشروع قديم طُرح منذ أكثر من عقدين لمواجهة التحديات البيئية والديموغرافية في طهران، لكنه ظل عالقا بسبب غياب الإرادة السياسية، ونقص التمويل، وتعقيدات إدارية وقانونية.
وبينما يرى مراقبون أن الأزمة الحالية قد تدفع باتجاه تسريع اتخاذ القرار، يشكك آخرون في قدرة حكومة بزشكیان على تنفيذ هذا المشروع الضخم في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

أعلن مسعود بزشكيان، رئيس الحكومة الإيرانية، حسبما أورده موقع عصر إيران، أن تفاقم أزمة المياه في طهران جعل هذه المدينة غير قادرة على الاستمرار في أداء دور العاصمة، مؤكّدا أن مسألة نقل العاصمة لم تعد مجرد خيار مطروح، بل تحوّلت إلى إلزام لا مفر منه، وأوضح بزشكيان أن استمرار الأوضاع الراهنة سيقود حتما إلى أزمات أكبر في المستقبل.

كما أشار الرئيس الإيراني، في وكالة أنباء خبر اونلاين، إلى أنّه في لقاء سابق مع المرشد الأعلى خلال العام الإيراني، مارس/آذار 2024 – مارس/آذار 2025، قدّم اقتراحا بنقل العاصمة إلى منطقة الخليج الفارسي، مؤكدا أنّ هذا الاقتراح، رغم ما لاقاه من انتقادات إعلامية حينها، أصبح اليوم ضرورة لا خيارا بعد رؤية التحديات القائمة.

ووفقا لما أورده موقع دنياي اقتصاد، فقد صرّح مسعود بزشكيان ظهر يوم الخميس 2 أكتوبر/تشرين الأول 2025، خلال لقائه بالمستثمرين والناشطين الاقتصاديين في محافظة هرمزكان، في إطار جولته بالمحافظات، بأن الحكومة على استعداد لتقديم كل أشكال الدعم من أجل تسهيل الأنشطة الاقتصادية، مؤكّدا: «لن نقصر في أي عمل يقع ضمن صلاحياتنا أو في مجال الدعم لتهيئة أرضية العمل والإنتاج».
وأشارالرئيس الإيراني بزشكيان إلى مسار اللامركزية الذي تنتهجه حكومته، موضحا: «لقد قررنا نقل الصلاحيات من المركز إلى المحافظات، حتى لا يبقى الحال كما كان من قبل، حيث يجلس البعض في العاصمة ليقرروا مصير المناطق المختلفة من البلاد. فالاختيار يجب أن يُمنح للمنطقة نفسها التي يتعلّق بها الأمر».
وانتقد بزشكيان المركزية الإدارية قائلا: «لقد قلتُ لكثير من الذين يُصرّون على إنشاء مؤسسات في طهران من أجل تصميم البرامج: إذا أردتم أن تعملوا، فاذهبوا إلى نفس المنطقة نحن نمنحكم الصلاحيات ونوفّر لكم الهيكل، لكننا لن نسمح بأن يُتخذ القرار من طهران بشأن تلك المناطق».
وشدّد الرئيس على ضرورة الاطلاع الميداني على قضايا المحافظات قائلا: «قررنا أن نأتي إلى المنطقة لنرى الواقع عن قرب ونتخذ القرار، لأن الكلام والتقارير لا تكفي لفهم الحقيقة».
وأضاف بزشكيان أن المشكلات التي تواجه البلاد اليوم تفرض توجيه مسار التنمية نحو الخليج الفارسي، قائلا: «إن مدن طهران وكرج وقزوين تواجه حاليا أزمة مياه، وهذه الأزمة لا يمكن حلها بسهولة».

أزمة المياه وتحديات التنمية في طهران
حسب موقع تابناك أكّد الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، أنّ التحديات التي تواجه البلاد تفرض توجيه مسار التنمية نحو منطقة الخليج العربي، مشيرا إلى أنّ مدن طهران وكرج وقزوين تعيش أزمة مائية معقّدة لا يمكن حلّها بسهولة.
وأوضح الرئيس الإيراني، مستندا إلى إحصاءات حول معدلات الأمطار، أنّ نسبة الهطول المطري في عام 2024/2025 لم تتجاوز 140 ملليمترا، في حين أنّ المعدل الطبيعي يبلغ 260 ملليمترا، أي بتراجع يتراوح بين 50 و60 بالمئة، مؤكدا أنّ الوضع هذا العام لا يقلّ خطورة.
وأضاف أنّ انخفاض منسوب السدود، وجفاف بعض الآبار، والتكاليف الباهظة لنقل المياه من مناطق أخرى، كلّها مؤشرات على ضرورة تغيير النهج المتبع، لافتا إلى أنّ نقل المياه إلى طهران سيكلّف نحو أربعة يورو لكل متر مكعب، أي قرابة 12 دولارا أمريكيا وفق السعر الرسمي.
وشدّد بزشكيان على أنّ التنمية إذا لم تُبنَ على مبدأ التوازن بين الموارد والاستهلاك فلن تؤدي إلا إلى الدمار، معتبرا أنّ أي مشروع يفتقر إلى هذا التوازن محكوم عليه بالفشل.
وانتقد بشدّة أسلوب الريّ في المدن، قائلا: “حين نفتقد المياه، لماذا نزرع العشب؟ إننا نستخرج المياه الجوفية بكلفة عالية لنستخدمها في الريّ، لتتبدّد بالتبخّر قبل أن تصل حتى إلى العشب”.
وأشار الرئيس إلى أنّ الوصول إلى هذا المستوى من الأزمة سببه غياب التخطيط والتنمية العشوائية، مؤكدا أنّ التنمية المستدامة تتطلب خططا تمتد لمئة أو حتى مئتي عام، وأنّ الحفاظ على قابلية العيش للأجيال القادمة يستوجب اعتماد خطط دقيقة وعلمية، مشددا بقوله لقد جئنا لنخدم، لا لنصدر أوامر من أعلى.
نقل العاصمة: ضرورة بيئية وإدارية
ذكر في وكالة أنباء ايسنا الإيرانية أن طهران تواجه اليوم وفرة من الأزمات البيئية والجيولوجية، بما في ذلك هبوط الأرض، وتراجع موارد المياه الجوفية، وتصاعد التلوث، والضغط على أحواض المياه الأخرى، ويبدو أن استمرار هذا الوضع سيؤدي في نهاية المطاف إلى ضرورة إخلاء نحو 70% من المدينة، إذ إن الموارد المائية المستدامة، حتى مع عمليات النقل المكلفة، لن تستطيع تلبية احتياجات السكان الحاليين والمستقبليين.

وكشف بزشكيان أنّه اقترح في لقاء سابق مع المرشد الأعلى نقل العاصمة إلى منطقة الخليج العربي، مبينا أنّ المقترح قوبل بانتقادات حينها، لكن الأزمة الراهنة تثبت أنّ الأمر لم يعد خيارا بل صار التزاما.
وحذّر من خطر الهبوط الأرضي في طهران، مشيرا إلى أنّ بعض المناطق تشهد هبوطا يصل إلى 30 سنتيمترا سنويا، وهو ما وصفه بـ”الكارثة” التي تدل على نضوب المياه الجوفية.
وأوضح أنّ حتى نقل المياه من الجنوب لن يحل الأزمة، إذ إن التكاليف ستصبح باهظة، ما يجعل العيش في طهران أمرا مستحيلا.
وأشار إلى أنّه طلب إذنا من المرشد الأعلى للاستعانة بخبراء أجانب في إعداد مخطط لتطوير جنوب البلاد، مؤكدا أنّ القضايا الاجتماعية بالغة التعقيد وتتطلب خبرة عميقة.
ودعا إلى الاستعانة بالاستشاريين الدوليين لرسم خطة تنمية للمنطقة والعمل وفقها بدقة.
وأكد أنّه لن يُسمح بأي توسع جديد في طهران وكرج والمناطق الوسطى، مشيرا إلى أنّ الجنوب يتمتع بفرص لتأمين المياه بكلفة أقل، مما يتيح إنشاء مناطق أكثر ازدهارا، وأعرب عن ثقته بإمكانية بناء مستقبل أفضل إذا ما وُضعت خطط علمية مدروسة.
وفي هذا الإطار، شدّد بزشكيان بقوله إنّ التحريم الحقيقي يبدأ من داخلنا، داعيا إلى دعم المشاريع العلمية والمنطقية في مجالات الثروة السمكية والموانئ والاقتصاد، مؤكدا أنّ الحكومة ماضية في إعداد مخطط تنمية إقليمي شامل لتأسيس منطقة حديثة، متطورة، ومستدامة.
خطة لمواجهة الأزمة
نقلت صحيفة شرق عن الرئيس الإيراني بزشكيان قوله إن بعض الأصوات قبل الثورة كانت ترى ضرورة نقل 60% من سكان البلاد نحو الخليج العربي، إلا أننا ركزنا جميع جهود التنمية حول طهران، واليوم نواجه أزمة مياه ظاهرة هبوط الأرض.

وأكد “بزشكيان” ضرورة تغيير الرؤية والسلوك، قائلا: «علينا أن نكون حاضرِين في الميدان، لنرى الواقع عن قرب، ومع تعاونكم نبني المنطقة. لقد اتُخذ قرار حاسم بعدم السماح بأي توسع في طهران وكَرَج وبقية المناطق المركزية للبلاد».
وأشار الرئيس إلى الفروقات في تكلفة توفير المياه بين طهران والمناطق الجنوبية، قائلا: «إذا كان بإمكاننا توفير المياه في الجنوب بتكلفة أقل وإنشاء البنى التحتية اللازمة، فلماذا لا نتمكن من إنشاء منطقة مزدهرة تتفوق على مثيلاتها في المنطقة؟».
وأكد بزشكيان انه إذا تقبلنا الوضع الحالي ووضعنا خطة علمية دقيقة للمستقبل، فإننا بالتأكيد قادرون على بناء غد أفضل، أنا أؤمن بأن ذلك ممكن.
ولفت الرئيس إلى حجم الاستهلاك العالي للطاقة في البلاد، مشيرا إلى أن «إنتاجنا اليومي يعادل نحو 8 ملايين برميل من النفط والغاز، وإذا وفرنا 10% فقط، فإن ذلك يوفر نحو 16 مليار دولار يمكن توجيهها لبناء المدارس والمستشفيات وتوفير الأدوية والعلاج مجانا».
وأضاف أنه في رحلاتنا إلى الدول الأخرى، لا يُسمح بالإضاءة المفرطة في الفنادق، بينما في إيران تُشغل الأضواء والمكيفات بلا مراعاة، رغم نقص الميزانية علينا تعديل سلوكياتنا الاستهلاكية لتحرير الموارد وتلبية الاحتياجات الحقيقية للشعب.
وأكد الرئيس أهمية احترام النخب والعلماء والمستثمرين، مشددا على أن “التحريم الحقيقي يبدأ من الداخل، فإذا وضعنا ضغوطا على المستثمرين وتجاهلنا النخب وعقدنا طريقهم، فإننا نفرض على أنفسنا التحريم من يريد أن يكون نموذجا وقائدا يجب أن يثبت جدارته عمليا، فالتصريح وحده لا يكفي”.
واختتم بزشكيان شاكرا الفاعلين الاقتصاديين في المحافظة، مؤكدا أن «متابعة الإجراءات ستستمر بجدية، وأن أي عمل علمي أو مدروس أو منطقي سيكون ضمن الأولويات وسيُبحث بدقة كل ما يتعلق بالمشاريع التنموية في مجالات الثروة السمكية والموانئ والاقتصاد، كما أن خريطة تطوير إقليمية تُجرى حاليا لوضع تصميم لمنطقة حديثة وجميلة ومتقدمة ومستدامة».
عقبات تنفيذ مشروع نقل العاصمة
وذكر في موقع تجارت نيوز أن فكرة نقل العاصمة الإيرانية تواجه عقبات كبيرة، أولها الأعباء الاقتصادية الضخمة، إذ يتطلب المشروع استثمارات هائلة تُقدّر بنسبة كبيرة من الناتج المحلي، وهو أمر صعب في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد.

إضافة إلى ذلك، توجد ضغوط سياسية واجتماعية واضحة، تتمثل في مقاومة داخلية من جهات سياسية ومجتمعية مختلفة تعارض الفكرة، فضلا عن اختلاف الآراء حول الخيار الأمثل لمعالجة أزمة طهران.
كما تمثل التحديات البيئية عائقا كبيرا، في طهران تواجه مشاكل مستمرة تشمل شح المياه، وتلوث الهواء، والانكماش الأرضي، ما يجعل عملية النقل تتطلب دراسات عميقة لضمان عدم تكرار هذه المشكلات في العاصمة الجديدة.
من جهة أخرى، تأتي التعقيدات الإدارية والتنظيمية في مقدمة الأسباب، حيث يستلزم نقل العاصمة تخطيطا واسع النطاق وتنسيقا بين جهات متعددة، مما يزيد من احتمالات التأخير.
في النهاية، تشير الخبرات السابقة والدراسات التي أُجريت منذ عام 1989 إلى أن معظم الحلول المطروحة تميل نحو تنظيم طهران بدلا من نقل العاصمة، مما يعزز فكرة أن النقل ليس الحل الأمثل للأزمة.

