- زاد إيران - المحرر
- 619 Views
تشهد الساحة السياسية في طهران حالة غير مسبوقة من التوتر الداخلي، تلقي بظلالها على استقرار الإدارة الحكومية وتماسك مؤسساتها، فمع تصاعد الجدل حول مسار العمل التنفيذي واتساع دائرة الانتقادات بين التيارات المختلفة، أصبحت مشاهد الاحتجاجات الصامتة، والانسحابات الهادئة، جزءا من يوميات المشهد السياسي. وفي ظل مناخ تتقاطع فيه الحسابات الحزبية مع ضغوط البرلمان وتحديات العمل الإداري، برزت أصوات تعكس حجم الإرباك داخل دوائر صنع القرار، ما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الأداء الحكومي وقدرته على الصمود أمام موجات الاستقطاب المتنامية.
في آخر تداعيات المشهد السياسي الإيراني، قدم محمد مهاجري، السياسي الإصلاحي، الثلاثاء 18 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، استقالته من مجلس الإعلام الحكومي بحكومة الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، وذلك اعتراضا على النهج المتبع في الحكومة والقائم على اختيار شخصيات محسوبة على التيار الأصولي لتولي مناصب حكومية بارزة.

هذا ولم تكن تلك الاستقالة الأولى التي تقدم من رجال الحكومة، فقد قدم فياض زاهد، عضو مجلس الإعلام الحكومي أيضا، استقالته من عضوية المجلس، 14 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، وذلك عبر رسالة وجهها إلى إلياس حضرتي، رئيس مجلس الإعلام الحكومي، قال فيها “إن صداقتي معك تمتد لسنوات طويلة، وبفضل ثقتك وثقة الدكتور بزشكيان، والتي أنا فخور جدا بالدعم الذي قدمته له ، قبلت التعاون في مجلس الإعلام الحكومي، وكان تصوري أنه بصفتي عضوا في المجلس، أملك الصلاحية والإرادة لأعبر عن آرائي بهوية مستقلة تتناسب مع طبيعة هذه المسؤولية، وبالطبع، فقد كانت مداراة جنابكم ومداراة السيد رئيس الجمهورية خلال هذا العام بالنسبة لي دعما كبيرا”.

ويتابع” لكن يبدو أن طباعي الشخصية وبعض التصريحات والكتابات العرضية بين الحين والآخر تسبّبت في بعض الاستياء، وعليه، وبكل تقدير لثقتكم ومشاعر الأخوّة التي كانت بالنسبة لي رأسمالا ثمينا عبر السنين، أتقدم باستقالتي من عضوية مجلس الإعلام الحكومي، متمنيا لكم ولحكومة السيد رئيس الجمهورية النجاح والرفعة”، ليوافق حضرتي على الاستقالة في رسالة من طرفه، جاء فيها “أعلم أن استقلال الرأي ونزاهة القلم بالنسبة لك إرث لا تتخلى عنه أبدا، وهذه الصراحة كانت دائما من أبرز صفات شخصيتك، ورغم أن قبول استقالتك أمر صعب وغير سار بالنسبة لي، فإنني احتراما لنهجك وخيارك، أقبلها بكل تفهم”.
كذلك، فقد انتشرت إشاعة بتقديم محمد رضا عارف، النائب الأول لبزشكيان، باستقالته، لتخرج الحكومة لتنفي الخبر وتقول أن عارف مستمر في أداء مهامه، لتخرج صحيفة صبح نو، المقربة من رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، لتذكر في تقرير لها اليوم الأربعاء 19 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، أن عارف، الذي يمتلك سجلا إداريا وخبرة طويلة في المستويات التنفيذية، وجد نفسه في موقع يشعر فيه بأن دوره كنائب أول قد أصبح محدودا، وأن القرارات الرئيسية تتخذ من دون التنسيق معه، كما أكدت الصحيفة على أن وجود بعض الإشكالات مع محمد جعفر قائم بناه، نائب الرئيس للشئون التنفيذية، ومحسن حاجي ميرزايي، رئيس مكتب الرئيس، هو جزء من هذه القضية، الأمر الذي دفع عارف إلى تقديم طلب استقالته، إلا أن بزشكيان لم يوافق عليها حتى الآن، أي من الممكن أن نرى عارف خارج الحكومة في الأيام المقبلة.

جديرا بالذكر أن بزشكيان نفسه كان قد انتقد مؤسسة رئاسة الجمهورية، حيث صرح خلال خطابه الذي دعى فيه إلى إخلاء طهران، قائلا” تضم مؤسسة رئاسة الجمهورية 4 آلاف موظف، صدقوني، لو كانوا 400 فقط لكانوا يعملون أفضل من هذا بكثير”.

غير أن تقارير صحافية كشفت عن تناقض بين دعوات الرئيس لخفض عدد موظفي رئاسة الجمهورية وبين ما شهدته حكومته من زيادة ملحوظة في التعيينات داخل هذا الجهاز، فرغم تأكيده أن أربعة آلاف موظف يعملون حاليًا وأن 400 فقط يكفون، لم يحدَد بعد أثر هذا التضخم الوظيفي على البطء الإداري، كما تفيد التقارير بأن التعيينات الجديدة تمت بكثافة خلال العام ونصف الماضيين، ما يستدعي خطوات حكومية عاجلة لضبط حجم الجهاز الإداري، هذا وقد اقترحت صحف إصلاحية حلولا تشمل منح الموظفين الزائدين رواتب دون حضور حتى تقاعدهم أو تشجيعهم على الانتقال للعمل في المناطق المحرومة،

كواليس وراء الاستقالات
تعيش الحكومة الايرانية في الأشهر الأخيرة على وقع سلسلة متلاحقة من الاستقالات والضغوط الداخلية التي تحولت إلى محور نقاش واسع داخل الأوساط السياسية والإعلامية، فالمشهد الذي بدأ باستقالة محمد جواد ظريف من منصبه كنائب للشئون الاستراتيجية ، لم يعد مجرد حدث عابر أو خلاف شخصي داخل أروقة السلطة، بل أصبح جزءا من نمط متكرر يشي بوجود أزمة أعمق داخل بنية الحكومة، على أن الخيط الذي يجمع هذه الاستقالات المتتالية ، على حد وصف الصحف الإصلاحية، هو شعور عدد من الشخصيات الحكومية بأن قدرتهم على الأداء تقيد بفعل ضغوط التيار الأصولي في البرلمان وخارجه، إلى جانب حالة من الارتباك الإداري وضعف التنسيق في قمة هرم السلطة التنفيذية.
فبهذا الشأن، قالت صحيفة آرمان ملي في تقرير لها اليوم الأربعاء 19 نوفمبر/ تشرين الثاني أنه منذ اليوم الأول لتولي بزشكيان منصبه، بدا واضحا أن قوى متشددة في المشهد السياسي لم تهضم نتائج الانتخابات، وأنها تسعى لإفراغ الحكومة من رموزها الأكثر تأثيرا، ولم يمض وقت طويل حتى بدأت هذه القوى تمارس ضغوطا مباشرة وغير مباشرة على شخصيات رئيسية في الحكومة، مستخدمة ملفات شخصية أو قانونية كذريعة لدفعهم نحو الاستقالة أو إزاحتهم عن مواقعهم.

وتتابع الصحيفة أن استقالة ظريف جاءت بعد أشهر من معركة حقيقية خاضها التيار الأصولي داخل البرلمان، ركزت على مسألة جنسية أبنائه، لتتحول إلى وسيلة ضغط أجبرته في النهاية على مغادرة منصبه، ولم تكن هذه الخطوة مجرد انتصار سياسي لجبهة الصمود بالبرلمان، بل فتحت الباب أمام سلسلة جديدة من التحركات التي استهدفت مواقع قيادية أخرى.
تباعا لذلك، كتب موقع فرارو التحليلي الإيراني، اليوم نفسه، أن عارف، النائب الأول للرئيس، كان الهدف التالي لهذا التيار، فبدلا من التعامل مع موقعه بوصفه شخصية تنفيذية تعد محور التنسيق داخل الحكومة، أصبح عارف مادة لصراعات سياسية تصاغ بعناية في أروقة البرلمان وتضخم في الفضاء الإعلامي، فقد ادعى المتشددون أن ابن عارف يحمل جنسية ثانية، وبالتالي فإن القانون يمنعه من تولي منصب حساس، وهو ما اعتبر ذريعة جديدة لمحاولة إقصائه، ومع تكرار الضغوط، بدأت أخبار استقالته الوشيكة تنتشر كالنار في الهشيم، رغم نفي الحكومة لها، ولكن مجرد انتشارها يكشف حجم الاضطراب داخل الجسم التنفيذي.

الأمر اللافت في هذه التطورات أن الاستقالات لم تعد محصورة في الصف القيادي الأول، بل امتدت إلى أعضاء مؤثرين في مجلس الإعلام الحكومي، الذين اشتكوا من تعيينات صادمة لشخصيات محسوبة على التيار المقرب من الحكومة السابقة. فقد جاءت استقالة فياض زاهد ثم محمد مهاجري لتؤكد أن الخلافات لم تعد فقط سياسية، بل تنظيمية أيضا، وأن هناك شعورا متزايدا لدى بعض الكوادر بأن الحكومة تنحرف عن وعودها بتجديد الدماء واعتماد كفاءات مستقلة.
إلى جانب هذا كله، هناك عامل آخر يزيد حدة الأزمة، وهو ضعف الخطاب الإعلامي للحكومة، فتظهر التقارير أنه كلما ظهرت شائعة جديدة حول استقالة مسؤول رفيع، تتأخر الحكومة في الرد أو تكتفي بتصريحات عامة لا تكشف الحقيقة كاملة، مما يفتح الباب أمام المزيد من التأويلات ويفقد الجمهور ثقته بالخطاب الرسمي، وحين تغيب الرواية الأصلية، يصبح المسرح مفتوحا أمام الخصوم لبناء قصصهم الخاصة، وهو ما حدث مرارًا خلال الأشهر الماضية.
في الأخير، يوضح الخبراء أن تكرار الاستقالات والاستقالات المحتملة يشير إلى وجود مشكلة بنيوية تتعلق بالتنسيق داخل السلطة التنفيذية نفسها، فالتنافس بين مراكز القرار، وغياب حدود واضحة للصلاحيات، وتشابك الأدوار بين الوزارات ومؤسسة الرئاسة، كلها عوامل تجعل أي خلاف إداري يتحول بسرعة إلى أزمة سياسية، وما لم يتمكن بزشكيان من إعادة ترتيب هرم القيادة وتثبيت فريق متجانس قادر على اتخاذ القرارات بوضوح، فإن هذه الاستقالات لن تكون الأخيرة، بل ربما مجرد بداية لمسار أطول من الاضطرابات الداخلية.
في المحصلة، فإن ما يجري اليوم في العاصمة العتيقة وتحت سقف الباستور لا يمكن فهمه فقط على أنه استقالات فردية لأسباب شخصية أو صحية، بل هو انعكاس مباشر للصراع على شكل الحكومة، ولرغبة بعض القوى في إعادة الإمساك بمفاصل السلطة، وإذا لم تحسم هذه المعركة لصالح رؤية حكومية مستقرة، فإن مسلسل الاستقالات سيظل مستمرا، وستظل القرارات التنفيذية تدار في ظل جوّ من التشكيك والضغوط المتقاطعة.

