- زاد إيران - المحرر
- 445 Views
نشرت وكالة أنباء تسنيم الأصولية، الاثنين 14 يوليو/تموز 2025، تقريرا ذكرت فيه أن عقيدة بيجن، التي سُمّيت باسم رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق مناحيم بيجن، تُعدّ الاستراتيجية الأمنية الأساسية لهذا النظام في مواجهة الأنشطة النووية أو ما يعتبره الإسرائيليون تهديدات نووية للدول في المنطقة.
وأضافت الوكالة أن هذه العقيدة قد ترسخت بعد قصف مفاعل أوزيراك العراقي عام 1981، وتقوم على مبدأ، مفاده أن إسرائيل تعتبر أي قدرة نووية محتملة لدى أعدائها تهديدا وجوديا، ويبرر شن ضربات استباقية لتدمير تلك المفاعلات حتى قبل وصولها إلى مرحلة التسلح، خشية دفع ثمن أمني باهظ مستقبلا.
نطاق تنفيذ عقيدة بيجن في منطقة غرب آسيا
أفادت الوكالة أنه منذ تبني عقيدة بيجن، نفّذ النظام الإسرائيلي عمليات عسكرية واستخباراتية في ثلاث دول لمنعها من بلوغ العتبة النووية، أول هذه الحالات قصف مفاعل أوزيراك العراقي عام 1981، ثانيا تدمير مفاعل قيد الإنشاء في سوريا عام 2007، ثالثا شنّ سلسلة هجمات معقّدة ضد البرنامج النووي الإيراني، لكنها فشلت حتى الآن في وقف تقدّمه.

من الكُبَر إلى نطنز؛ تقاطع عقيدة بيجن مع الوقائع الجيوسياسية
أوضحت الوكالة أن حالات تطبيق عقيدة بيجن تُظهر أن إسرائيل غيّرت أدواتها حسب ظروف كل دولة؛ فالهجوم السريع على منشأة سوريا الناشئة يختلف عن نهجها التدريجي والمعقد تجاه إيران، التي تتمتع ببنية تحتية متقدمة، وخبرة علمية، وأمن أقوى.
وأبرزت أن فشل البرنامج السوري بالكامل، في مقابل الصمود العنيد للبرنامج الإيراني، يُظهر أن الاعتماد على الأدوات العسكرية أو الاستخباراتية وحدها لا يكفي لتدمير برنامج نووي؛ بل إن عوامل متعددة مثل القدرة على التوطين، وعمق الدفاع الأمني، والصمود السياسي تلعب دورا حاسما في النتيجة النهائية.
ويستعرض هذا التقرير مسار البرنامج النووي السوري وأسباب انهياره، ويقارن ذلك بحالة إيران التي، رغم كل التهديدات والضغوط، نجحت في الحفاظ على برنامجها النووي وتعزيزه.
البرنامج النووي السوري؛ الانهيار في بداية التطوير
أوردت الوكالة أن سوريا بدأت منذ التسعينيات جهودا سرية لتطوير برنامج نووي رغم عضويتها في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية(NPT)، وكان أبرز شركائها في هذا المشروع كوريا الشمالية. وأظهرت صور الأقمار الصناعية ووثائق الموساد وتقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية لاحقا أن المشروع السوري يشبه إلى حد كبير المفاعل الكوري يونغبيون.
موقع الكُبَر: قلب المشروع السري السوري
ذكرت الوكالة أن سوريا كانت تبني مفاعلا نوويا في صحراء دير الزور، عُرف لاحقا بموقع الكُبَر، وقد انطلقت أعمال إنشائه عام 2001، واقترب المشروع من مراحله النهائية بحلول عام 2007.

عملية “بستان الفاكهة” الإسرائيلية
أشارت الوكالة إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي، باستخدام مقاتلات F-15 وF-16، شن عملية سرّية أُطلق عليها اسم عملية بستان الفاكهة في ليلة 5 سبتمبر/أيلول 2007، دمّر خلالها المفاعل النووي السوري بالكامل. وفي البداية، لم تعلن إسرائيل مسؤوليتها عن الهجوم، لكنها اعترفت به رسميا في عام 2018.
وأقرَّت بأن إسرائيل حصلت قبل أشهر من الهجوم على معلومات دقيقة من مصادر استخباراتية بشرية وتقنية، وأكد الموساد صحتها بالتعاون مع الولايات المتحدة وجهات غربية، ما مكّنها من تدمير مبنى المفاعل بالكامل خلال الغارة.

اغتيال العلماء النوويين السوريين؛ حرب استخباراتية صامتة
1- محمد سليمان؛ مهندس البرنامج النووي السوري والعقل التكنولوجي المفكر في دمشق
أشارت الوكالة إلى أن محمد سليمان، المستشار الأمني البارز للرئيس السوري السابق بشار الأسد وأحد أبرز قادة البرنامج النووي السوري، اغتيل في أغسطس/آب 2008 برصاصة قناص أثناء وجوده في طرطوس. وأظهرت التقارير أن العملية نُفذت من قبل وحدة كوماندوز إسرائيلية بالتنسيق مع جهاز الموساد، بعد أن تسلل الفريق سرا عبر البحر إلى موقع العملية.
2- اغتيالات وتخريبات أخرى
نوَّهت الوكالة إلى مقتل عدد من الخبراء السوريين في مجالي الإلكترونيات والهندسة بين عامي 2007 و2011 في ظروف غامضة. وسط اتهامات من مصادر غربية بأن إسرائيل كانت تراقبهم ضمن مشروع نووي. كما نُسب إلى الموساد تدمير شحنات تحوي مكونات نووية حساسة أثناء نقلها إلى سوريا عبر دول ثالثة.
لماذا انهار البرنامج النووي السوري؟
العوامل العلمية والفنية
1- عدم استكمال البُنى التحتية
أكدت الوكالة أن البرنامج النووي السوري توقّف في مراحله الأولى، إذ لم يتجاوز بناء مفاعل واحد غير مشغَّل في الكُبَر، دون وجود مؤشرات على دورة وقود نووي أو بنى تحتية فنية وصناعية داعمة، ما كشف عن اعتماده الكامل على الدعم الخارجي وافتقاره للمقومات الذاتية للاستمرار.

2- الاعتماد على الدعم الخارجي (كوريا الشمالية)
أشارت الوكالة إلى أن البرنامج النووي السوري كان يعتمد بالكامل تقريبا على كوريا الشمالية، من حيث التصميم والتنفيذ والتكنولوجيا، حيث شارك خبراء كوريون شماليون بشكل مباشر في المشروع. وقد أظهرت الوثائق أن مفاعل الكُبَر كان مشابها لمفاعل يونغبيون. وهذا الاعتماد التام جعل المشروع هشا، إذ إن أي انكشاف أو قطع للعلاقات كان سيؤدي إلى انهياره، لغياب الخبرة والكفاءات المحلية السورية.

3- غياب الدفاع المدني السلبي وقابلية التعرّض للهجمات
أفادت الوكالة بأن مفاعل الكُبَر السوري بُني فوق سطح الأرض وفي منطقة مكشوفة، من دون تحصينات أو أنظمة دفاع جوي فعالة، بخلاف المنشآت النووية الإيرانية المحصنة. وهذا الضعف الدفاعي والتسرّع في البناء سهّل على إسرائيل تدمير المفاعل بالكامل بعدد محدود من المقاتلات ومن دون أي مقاومة تُذكر.
العوامل الأمنية والاستخباراتية
4- اختراق الموساد الاستخباراتي
سلّطت الوكالة الضوء على أن جهاز الموساد اخترق مبكرا شبكة البرنامج النووي السوري، حيث تمكن من الوصول إلى معلومات حساسة وصور تفصيلية من حاسوب أحد العلماء أثناء وجوده في أوروبا، ما مكّن إسرائيل من تنفيذ هجوم دقيق بناءً على بيانات استخباراتية مؤكدة.
العوامل السياسية والاستراتيجية
لفتت الوكالة إلى أن العزلة الدولية وضعف القدرات التفاوضية لسوريا آنذاك، حالا دون قدرتها على مواجهة الضغوط الإسرائيلية أو تأمين دعم فعّال لمشروعها النووي، مما جعلها عاجزة عن الرد على الهجمات التي استهدفته.
لماذا يستمر البرنامج النووي الإيراني بقوةٍ أكثر من أي وقت مضى؟
1- بنية تحتية تكنولوجية متقدّمة وجذور علمية محلية
أوضحت الوكالة أن امتلاك إيران لبنية علمية وتكنولوجية محلية ومنسجمة يُعدّ من أهم عوامل استمرارية برنامجها النووي، بخلاف دول مثل سوريا التي اعتمدت على دعم خارجي. وبيّنت أن إيران طوّرت هذا المسار عبر برامج جامعية وبحثية متكاملة، وأسّست شبكة من المراكز النووية مثل أصفهان، طهران، نطنز، فُردو وبوشهر، تعمل ضمن منظومة وطنية مستقلة قائمة على المعرفة.
وأشارت إلى أن إيران لم تقتصر على إنتاج أجهزة الطرد المركزي من الجيل الأول (IR-1)، بل طورت أجهزة أكثر تقدمًا مثل IR-2m وIR-4 وIR-6 وIR-9، وذلك نتيجة امتلاكها بنية علمية متينة تمتد إلى الجامعات والمراكز البحثية والصناعات الوطنية، ما جعلها غير محتاجة للاعتماد على الخارج في هذا المجال.
2- القدرة على التوطين، وتأهيل الكوادر البشرية، والاكتفاء التكنولوجي
أبرزت الوكالة أن البرنامج النووي الإيراني تميّز بالتركيز الاستراتيجي على تأهيل الكوادر المحلية، عبر إنشاء تخصصات أكاديمية نووية في الجامعات، ما أسهم في تخريج جيل متخصص. بخلاف سوريا التي اعتمدت على خبراء أجانب، كما نجحت إيران في تنفيذ دورة الوقود النووي كاملة داخل إيران، من استخراج اليورانيوم حتى تصنيع وقود المفاعلات، ما منحها اكتفاء ذاتيا ساعدها على مواصلة البرنامج رغم العقوبات.
3- قدرة تحمُّل استثنائية في مواجهة الهجمات، التخريب، والحرب السيبرانية
أوردت الوكالة أن إيران قد واجهت خلال العقدين الماضيين هجمات تخريبية واستخباراتية متكررة من قبل الولايات المتحدة والنظام الإسرائيلي، إلا أنها تميّزت بقدرتها العالية على الصمود تقنيا وأمنيا.

وأبلغت أن من أبرز تلك الهجمات، فيروس ستوكس نت عام 2010، الذي عطّل أكثر من ألف جهاز طرد مركزي في نطنز. ورغم تعقيده، استعادت الفرق الإيرانية السيطرة عليه عبر الهندسة العكسية، وحوّلت التجربة إلى مكسب لتعزيز الأمن السيبراني الوطني.
وذكرت أنه تم تنفيذ عمليات اغتيال بحق عدد من العلماء البارزين في البرنامج النووي الإيراني، من بينهم فخري زاده، وأحمدي روشن، وعلي محمدي، ورضائي نجاد، بهدف بثّ الخوف وعرقلة التقدّم العلمي؛ إلا أن إيران واصلت مسيرتها بعزيمة أقوى. كما فشلت الهجمات على المنشآت النووية في تحقيق أهدافها، إما لضعف تأثيرها البنيوي، أو بفعل سرعة الترميم والتطوير التي أجهضت المخطط الاستراتيجي للعدو.
4- الدعم الشعبي، التماسك الداخلي، والشرعية العلمية للمشروع النووي
أوضحت الوكالة أن البرنامج النووي الإيراني، بخلاف نظرائه في العديد من دول المنطقة، يُعدّ مشروعا وطنيا يحظى بدعم شعبي واسع، إذ يُنظر إليه كرمز للكرامة الوطنية والتقدّم العلمي. وقد ساهمت التغطية الإعلامية، وتكريم العلماء الشهداء، ودمج الموضوع النووي في التعليم والثقافة، في ترسيخ هذا الدعم. كما أن الشرعية العلمية للبرنامج، وكونه أولوية أكاديمية وبحثية، أسهمت في تأهيل الكوادر وضمان استمراريته عبر الأجيال.
5- الدبلوماسية الرادعة والحضور الفاعل في الساحة الدولية
ذكرت الوكالة أن من أبرز أسباب فشل عقيدة الضربات الاستباقية ضد إيران هو اعتماد طهران على دبلوماسية متعددة المستويات، أثبتت فعاليتها في تثبيت شرعية برنامجها النووي. فإيران شاركت في مفاوضات متتالية، من اتفاق سعدآباد إلى برجام، ما مكّنها من إدارة البيئة الدولية بذكاء.
ونوَّهت إلى أنه بخلاف ما جرى مع العراق وسوريا، اكتفت الدول الغربية في حالة إيران بالمسار الدبلوماسي وفرض العقوبات، التي رغم شدّتها، لم توقف البرنامج بل ساهمت أحيانا في تسريعه.
فشل دامٍ لعقود للنظام الإسرائيلي في تدمير البرنامج النووي الإيراني
روت الوكالة أن إسرائيل اعتمدت في “عقيدة بيجن” على تنفيذ ضربات استباقية ناجحة ضد برامج نووية في دول مثل العراق وسوريا، مستغلة ضعف تلك الدول علميا، وأمنيا ودبلوماسيا، وغياب بنى تحتية متينة أو دعم دولي. ففي الحالتين، أدت غارات محدودة أو اغتيالات مركزة إلى شلّ المشاريع. وهذه النجاحات دفعت إسرائيل للاعتقاد، خطأ، بإمكانية تكرار النموذج نفسه مع إيران.
وأضافت أن إسرائيل أخطأت في تقدير قدراتها تجاه إيران، إذ واجهت دولة تمتلك دورة وقود نووي مكتملة، وبنية أمنية وعلمية متماسكة، إلى جانب دعم دبلوماسي فاعل. ولذلك، لم تؤدِ الاغتيالات أو التخريب أو العقوبات إلى وقف البرنامج النووي الإيراني.
وفي الختام، أكَّدت الوكالة أن السياسات التي نجحت في إيقاف البرامج النووية في دول أضعف، أدّت إلى نتائج عكسية في حالة إيران، حيث ساهمت في تسريع التطور العلمي، وتوطين التكنولوجيا، وتعزيز الإرادة الوطنية. ونتيجة لذلك، أصبحت عقيدة بيجن غير فعّالة في مواجهة إيران، ومصدرا لخلل استراتيجي في حسابات إسرائيل خلال العقود الأخيرة.

