- زاد إيران - المحرر
- 377 Views
في لحظة فارقة من التوتر بين طهران والعواصم الأوروبية، انعقدت قمة منظمة شنغهاي للتعاون، الأحد 31 أغسطس/آب 2025، وسط ترقب واسع لما ستؤول إليه التحركات الإيرانية على الساحة الدولية، فبينما تسعى الترويكا الأوروبية، فرنسا وألمانيا وبريطانيا، إلى إعادة فرض العقوبات على إيران عبر آلية الزناد، تحاول طهران استثمار منصة شنغهاي لتثبيت حضورها، وإرسال رسائل سياسية واقتصادية، مفادها أنها ليست معزولة كما تحاول بعض القوى تصويرها.
القمة شكلت بالنسبة لإيران أكثر من مجرد اجتماع إقليمي، بل تحولت إلى ساحة اختبار لمكانتها الاستراتيجية، ولقدرتها على موازنة الضغوط الغربية عبر تعزيز تحالفاتها مع الشرق، وضمن ذلك الصين وروسيا ودول آسيا الوسطى.
المشهد قبل القمة
منذ إعلان الترويكا الأوروبية تفعيل آلية العقوبات، الخميس 28 أغسطس/آب 2025، وجدت إيران نفسها أمام تحدٍّ جديد يذكّر بمرحلة الضغوط القصوى التي فرضتها الولايات المتحدة في عهد إدارة ترامب الأولى في العام 2020، كذلك فقد جاء الموقف الأوروبي انعكاسا للتوتر المتصاعد حول الملف النووي، واتهامات بعدم التزام طهران بتعهداتها، خصوصا بعد قرار البرلمان الإيراني بتعليق التعاون مع الوكالة بعد وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل في 24 يونيو/حزيران 2025.

في المقابل، ردت إيران بلهجة حادة، مؤكدة أن هذه الخطوات لا أساس قانونيا لها، وأنها تتعارض مع روح الاتفاق النووي، وهنا، باتت الساحة الدولية مفتوحة على مواجهة دبلوماسية بين الطرفين، فأوروبا التي تبحث عن أوراق ضغط إضافية، وإيران التي تريد أن تظهر أنها قادرة على الصمود وإيجاد بدائل من خارج الدائرة الغربية.
تزامن انعقاد قمة شنغهاي مع هذه التطورات الحرجة، وهو ما منحها أهمية مضاعفة بالنسبة لطهران، فقد أفادت التقرير الإعلامية من الداخل الإيراني بأن القيادة الإيرانية قد رأت في هذه القمة فرصة مثالية لتأكيد أنها جزء من معادلة كبرى تتجاوز حدود الشرق الأوسط، وأنها لا يمكن عزلها بقرارات أوروبية أحادية.
بزشكيان من منبر شنغهاي
خلال كلمته خلال جلسة شنغهاي بلس، الاثنين 1 سبتمبر/أيلول، دعا الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، إلى صياغة تصور جديد للحكم العالمي، مؤكدا أن المنظمة تمثل فرصة لتعزيز التعاون من أجل بناء عالم أكثر سلما، كذلك فقد طرح جملة مقترحات، أبرزها تشكيل لجنة لوزراء الخارجية لإدارة الأزمات، وإنشاء آليات تسوية مالية خاصة لتقليص الاعتماد على الدولار عبر العملات الرقمية وصناديق تبادل العملات، كما شدد على استعداد إيران للعب دور محوري بفضل موقعها الجغرافي، مشيرا إلى ربط ميناء تشابهار قريبا بالشبكة الحديدية الوطنية بما يربط الصين وآسيا الوسطى بالمحيط الهندي.

وفي لقائه مع شهباز شريف، رئيس وزراء باكستان، شدد الرئيس الإيراني على ضرورة تعميق التعاون بين الدول الإسلامية لمواجهة الفقر والأزمات المشتركة، کذلك، فخلال لقائه مع أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، أكد أن إيران لا تسعى لامتلاك سلاح نووي وأن برنامجها سلمي بالكامل، منتقدا في الوقت نفسه الوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ لعدم إدانتها الهجمات الإسرائيلية على منشآت نووية سلمية داخل إيران، غوتيريش، من جانبه، أقر بسلمية البرنامج النووي الإيراني وأكد أنه يعارض تفعيل آلية العقوبات الأوروبية، كما بحث بزشكيان مع الرئيس الطاجيكي، إمام علي رحمان، سبل تعزيز التعاون الثنائي، فيما جدد الأخير إدانته الشديدة للهجمات الإسرائيلية والأمريكية ضد إيران.



على أن أحد أهم لقاءات الرئيس الإيراني كانت مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، حيث أعرب عن سروره إزاء فرصة اللقاء والتشاور، مؤكدا أن استمرار مسار التفاعلات مع روسيا يمثل قيمة كبيرة بالنسبة لإيران، واعتبر بزشكيان أن تفعيل اتفاقية التعاون الشامل طويلة الأمد بين طهران وموسكو سيفتح آفاقا واسعة لتعزيز العلاقات وتوسيع مجالات التعاون المشترك، مضيفا أن التعاون في إطار الاتحاد الاقتصادي الأوراسي سيكون عاملا مهما في تسريع وتسهيل تطوير العلاقات بين البلدين.

وأشار الرئيس الإيراني إلى أنه يتابع شخصيا تسريع تنفيذ جميع الاتفاقيات الموقعة مع روسيا وإزالة أي عقبات قد تعترض طريقها، مؤكدا أن تبادل الخبرات والتعاون العلمي والأكاديمي بين البلدين سيؤدي إلى تعاظم الطاقات المشتركة وتهيئة أرضية صلبة لتوسيع نطاق العلاقات الثنائية في مختلف المجالات.
من جانبه، قال الرئيس الروسي بوتين أن موسكو وطهران تبقيان على اتصال دائم بشأن مختلف القضايا المدرجة على الأجندة الدولية، وضمن ذلك الملف النووي الإيراني، وأن سبل التعاون بين الجانبين مستمرة ومثمرة.
وفي ختام قمة منظمة شنغهاي، وقع الرئيس الإيراني، إلى جانب القادة الآخرين، أكثر من 20 وثيقة وبيانا في مجالات متعددة، من بينها اتفاقية إنشاء مركز شامل لمواجهة التحديات والتهديدات الأمنية للمنظمة، اتفاقية إنشاء مركز لمكافحة المخدرات، الاستراتيجية العشرية للمنظمة، التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي، مكافحة المخدرات، الصناعة الخضراء، التعاون العلمي والتكنولوجي، التجارة متعددة الأطراف، والتنمية المستدامة للطاقة.
رسائل سياسية متعددة
كان لمشاركة إيران في تلك القمة جملة رسائل، كان أولها تأكيد فكرة أنها أصبحت لاعبا أساسيا في القضايا الإقليمية والدولية، وأن أي محاولة لتجاهلها ستبوء بالفشل، أما الرسالة الثانية، فهي موجهة للترويكا الأوروبية مباشرة ومفادها أن سياسة العقوبات لم تعد مجدية، وأن إيران تمتلك اليوم شبكة من العلاقات الاستراتيجية التي تجعلها قادرة على مواجهة الضغوط.

كذلك، فلم يغب الداخل الإيراني عن المشهد ورسائله، حيث أرادت القيادة أن تُظهر للشعب أن خيارات البلاد لا تنحصر في التفاوض مع الغرب، وأن هناك بدائل في الشرق يمكن الاعتماد عليها سياسيا واقتصاديا وأمنيا.
كذلك، فمن بين أبرز ما ركزت عليه إيران في القمة هو توسيع التعاون الاقتصادي مع الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي، فقد أجريت أحاديث ولقاءات عن مشاريع في مجالات الطاقة، والنقل، والاستثمارات المشتركة، إضافة إلى تعزيز التبادل التجاري بالعملات المحلية بعيدا عن الدولار واليورو، هذه الخطوات تمثل محاولة عملية لتقليص تأثير العقوبات الأوروبية والأميركية، عبر خلق قنوات مالية وتجارية بديلة. إيران تعي تماما أن العقوبات تشكل ضغطا على اقتصادها، لكنها تراهن على أن التعاون مع قوى كبرى مثل الصين وروسيا يمكن أن يخفف من حدّة هذه الضغوط ويمنحها متنفسا استراتيجيا.
حسابات الساحتين الداخلية والخارجية
على الصعيد الداخلي، سعت القيادة الإيرانية إلى توظيف نتائج قمة شنغهاي لتطمين الشارع الذي يتوجس من عودة العقوبات الأوروبية، خاصة مع الذاكرة القريبة لمرحلة الضغوط القصوى، فالخطاب الرسمي ركز على أن إيران باتت أكثر خبرة في مواجهة العقوبات، وأنها تملك اليوم شبكة أوسع من الشركاء الاقتصاديين والسياسيين، لكن في المقابل، لم يخل المشهد الداخلي من أصوات ناقدة ترى أن الاعتماد المفرط على الشرق قد لا يكون كافيا لتعويض الأسواق الغربية. هذه الأصوات، وإن كانت محدودة، تعبّر عن قلق مشروع من أن تدفع البلاد ثمنا اقتصاديا باهظا إذا لم تحسن إدارة هذا التحول الاستراتيجي.
على الجانب الآخر، فإن حسابات الترويكا الأوروبية ليست بعيدة عن التعقيد، فهي تدرك أن إعادة فرض العقوبات قد تدفع إيران أكثر نحو الشرق، وهو ما قد يعني تعزيز التحالف الروسي الصيني الإيراني في مواجهة الغرب، ومع ذلك، ترى الترويكا أن الضغط ضروري لدفع طهران إلى تقديم تنازلات في الملف النووي. هذه المعضلة تجعل العلاقة بين الطرفين أشبه بمعادلة صعبة، فأوروبا تضغط لكنها تخشى من دفع إيران إلى أحضان خصومها، وإيران تتحدى لكنها تدرك أن العقوبات ليست أمرا يمكن تجاهله بسهولة.

آفاق المرحلة المقبلة
مع اختتام قمة شنغهاي، بدا أن إيران خرجت منها وقد عززت أوراقها على الأقل في المدى القصير، لكنها في الوقت نفسه تعلم أن المواجهة مع الترويكا الأوروبية لم تحسم بعد، وأن الأسابيع المقبلة قد تشهد تصعيدا جديدا على صعيد العقوبات، السؤال المطروح هو: هل ستنجح إيران في استخدام تحالفاتها الشرقية كشبكة أمان كافية لتجاوز هذه المرحلة، أم أن الضغوط الغربية ستظل قادرة على التأثير في اقتصادها وسياستها؟ هذا السؤال سيبقى مفتوحا، لكنه يوضح أن معركة إيران اليوم لم تعد تقتصر على المفاوضات النووية، بل باتت أوسع وتشمل مكانتها الدولية ككل.
وفي المحصلة، فقد كشفت قمة شنغهاي عن ملامح استراتيجية إيرانية جديدة تقوم على موازنة الضغوط الغربية عبر تعميق الروابط مع الشرق، هذه الاستراتيجية تحمل في طياتها فرصا ومخاطر في آن واحد، فالفرص في تنويع الشراكات والحد من تأثير العقوبات، والمخاطر في الارتهان لتحالفات قد لا تكون دائما في صالحها على المدى البعيد.
لكن المؤكد أن إيران، من خلال حضورها في القمة، أرادت أن تبعث برسالة واضحة وهي أنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام محاولات الترويكا إعادة فرض العقوبات، وأنها قادرة على لعب أدوار تتجاوز حدودها الجغرافية، في عالم يشهد تحولات متسارعة في موازين القوى.

