“كيهان” الأصولية: الموالون للغرب في إيران يبرّرون إخفاق أوروبا ويعيشون وهم السياسة

نشرت صحيفة “كيهان“، لسان حال المرشد الإيراني علي خامنئي، مساء الأربعاء 20 أغسطس/آب 2025، تقريرا حول انتقاد التيار الغربي داخل إيران الذي يبرر تبعية أوروبا للولايات المتحدة ويعتبرها نموذجا يُحتذى به.

إذ ذكرت الصحيفة أن الإهانة العلنية التي وجّهها ترامب لقادة أوروبا لم تكن مدعاة خجل للتيار الموالي للغرب، بل حاول تصويرها على أنّها «دليل عقلانية»، والمفارقة أنّ هؤلاء أنفسهم، الذين كانوا حتى الأمس القريب يرون في استقلال أوروبا طريق الخلاص، باتوا اليوم يعتبرون إذلالها إنجازا.

وأضافت أنه في الوقت الذي دفعت فيه أوروبا أثمانا باهظة اقتصاديا وسياسيا ومعنويا بسبب حرب أوكرانيا، لتتحوّل عمليا إلى أداة بيد واشنطن، خرج التيار الغربي في الداخل بردّ فعل وُصف بالمهين؛ إذ لم يكتفِ بعدم الاتعاظ من هذا المشهد، بل تمنى لإيران أن تكون في الوضع ذاته، وهو سلوك أقرب إلى الاضطراب النفسي منه إلى قراءة سياسية متزنة.

وأوضحت أن الموالين للغرب الذين أصيبوا بداية بالصدمة من مشهد إذلال زيلينسكي وقادة خمس دول أوروبية، تجاوزوا الموقف سريعا، وباتوا اليوم – من دون أن يشعروا بخجل أو حتى سخرية – يوجّهون اللوم والتهكّم على المنتقدين.

وأشارت إلى أن سنوات طويلة زعم هؤلاء أنّ أوروبا قوة سياسية مستقلة، وأنّ التماهي معها سيشق الصفّ بينها وبين واشنطن، أما اليوم، فيتقمصون دور «المستنيرين الواثقين» ويقولون: «لقد قلنا منذ البداية إنّ الولايات المتحدة هي القوى العظمى، والأوروبيون مجرد تابعين”.

وبينت أن المفارقة أنّ هؤلاء «خفاف العقول» الذين ادّعوا الحكمة، وبعد ثلاث سنوات من انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، كانوا يبيعون للناس وعودا زائفة: «اصبروا قليا، فحتى إن لم تفِ أوروبا بتعهداتها، فهي على وشك إطلاق آليات بديلة مثل إنستكس وSPV”.

وتابعت الصحيفة أن السؤال المطروح هنا هو: “إذا كانت الولايات المتحدة، الممثلة بالزعيم الأعلى لأوروبا، قد ألغت الاتفاق بعد أن حصلت على ما أرادت، فلماذا ظل الموالون للغرب متشبثين بأوروبا طوال ثلاث سنوات، ثم بعد انهيار كل شيء، اتهموها بأنها «باعت شرفها»؟”

وأردفت موضحة: “دعونا نتجاوز الماضي ونسأل: ماذا جرى في البيت الأبيض؟
ترامب أهان قادة أوروبا المتكبرين (حلفاءه)، وفرض عليهم رسوما جمركية، وأجبرهم في الوقت نفسه على دفع 100 مليار دولار للولايات المتحدة مقابل صفقات التسليح الخاصة بأوكرانيا”.

وبينت أنه قبل ذلك، كان قد ألزم حليفه الآخر، أوكرانيا، بأن يقدّم نصف ثرواته من المعادن النادرة إلى الولايات المتحدة مقابل «أمن موهوم»، بل وأجبره على التنازل عن جزء من أراضيه لروسيا بحجة إحلال السلام.

وأشارت إلى أن صحيفة هم‌میهن كانت قد كتبت قبل شهرين في سياق الحديث عن محاولة تغيير اسم الخليج العربي:
“لا ينبغي أن ننفعل، صحيح أن ترامب طرد زيلينسكي من البيت الأبيض، لكن الأخير سيطر على غضبه ونجح في قلب المعادلة لصالحه، زيلينسكي نموذج أفضل من الشوفينيين العاطفيين الحالمين”. لكن الصحيفة نفسها خرجت اليوم بعنوان: “كيف يفكّر الشعب الأوكراني بشأن التفاوض أو استمرار الحرب؟ محبط من النصر، غير واثق بالسلام”.

وأضافت أن حرب أوكرانيا كانت نتاج النزعة التوسعية الأمريكية وإقامة قواعد عسكرية على حدود روسيا مباشرة. هذا ما قاله ترامب لقناة فوكس نيوز:
“لو كنتم مكان روسيا، هل ترضون أن يقف عدوكم على حدودكم مباشرة؟ بالتأكيد لا. كان يفترض دائما أن تبقى أوكرانيا منطقة عازلة بين روسيا وأوروبا”.

وذكرت أن أوروبا دفعت بسبب هذه الحرب مئات المليارات، وخسرت بمثلها نموا اقتصاديا وفرصا تنموية، ومع ذلك، يخرج ناشط موالٍ للغرب على تويتر ليقول إنّ أوروبا ربحت 50 مليار يورو من وراء خفض رسوم ترامب! بينما الحقيقة أنّها دفعت 100 مليار دولار نقدا، ليُقال إنها وفّرت 50 مليارا (من الرسوم الجمركية).

وأشارت إلى أن أوكرانيا وأوروبا وثقتا بأمريكا، فأطاعتاها وساندتاها، لكنهما خسرتا الأرض والأمن والاقتصاد والكرامة والمكانة، وفي المقابل، روسيا – التي سبق أن خُدعت وتعرّضت لهجوم في أوكرانيا – هذه المرة لم تتراجع أمام التهديد العسكري ولا أمام العقوبات الاقتصادية؛ بل صمدت، فأصبحت تحظى بالاحترام وتكسب الامتيازات وتفرض شروطها.

ادّعاء باطل
ذكرت الصحيفة أنه منذ سنوات، دأب التيار الموالي للغرب داخل إيران على تكرار مقولة أنّ أوروبا كيان مستقل يمكن التعويل عليه كوزن موازن للولايات المتحدة، هذا التصوّر قاد السياسة الخارجية الإيرانية نحو رهانات عقيمة، كان أبرزها الاتفاق النووي وآليات مثل «إنستكس» و«SPV» التي لم تتحقق، بل عمّقت الخسائر.

وأضافت أن المدهش أنّ هؤلاء أنفسهم، عندما أهان ترامب قادة أوروبا علنا، لم يشعروا بالحرج، بل قدّموا المشهد بوصفه «رمزا للعقلانية» و«إنجازا اقتصاديا». المشهد الذي ظهر فيه الحلفاء الأوروبيون عاجزين عن حماية استقلالهم أو الدفاع عن مصالحهم الأساسية، حوّله الموالون للغرب إلى «مكسب»، على خلاف كل ما كانوا يروّجونه سابقا.

وأوضحت أن هذا التحوّل لا يعني سوى شيء واحد: انهيار كامل للتحليلات التي غذّوا بها الرأي العام لسنوات، فلو كانت أوروبا فعلا قادرة على موازنة واشنطن، لما خضعت بهذه السهولة لأبسط ضغوط البيت الأبيض، ولما دفعت أثمانا باهظة اقتصاديا وسياسيا وانتهت إلى الخضوع الكامل، فالحقيقة الجليّة أنّ أوروبا منذ البداية كانت في المدار الأمريكي، وأنّ الحديث عن استقلالها لم يكن سوى وهم.

وبينت أنه رغم ذلك، لا يزال التيار الغربي يصرّ على تصوير هذا الإذلال كملحمة، بل ويقدّمه نموذجا يُحتذى لإيران! وهو سلوك لا يمتّ إلى التحليل السياسي بصلة، بل يعكس حالة من الانهزام النفسي وفقدان البوصلة؛ تيارٌ قادر حتى على تحويل هزائم حلفائه المذلّة إلى «إنجازات» وهمية.

وأشارت إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في قلب الحقائق رأسا على عقب، بل في ما هو أخطر: أن الموالين للغرب باتوا يتمنّون هذا المصير المذلّ لإيران نفسها، فهم يعلنون بلا مواربة أنّ ما فعله الأوروبيون في مواجهة ضغوط واشنطن هو «عقلانية»، وبالتالي ينبغي على طهران أن تحذو حذوهم؛ أي أن تتنازل عن مصالحها الوطنية، وتستسلم للابتزاز، وتكتفي بوعود جوفاء.

وتابعت أن هذا الموقف لا يمتّ إلى التحليل السياسي بصلة، بل يعكس اضطرابا ذهنيا وعقدة نفسية، فالجماعة نفسها التي روّجت بالأمس لـ«استقلال أوروبا» و«الخلاف بين بروكسل وواشنطن»، هي اليوم من يعتبر أوروبا خادما ذليلا لـ القوة الأميركية، بل وتجد في ذلك مدعاة للفخر! أي تناقض أعمق من أن يرفعوا شعارات الاستقلال بالأمس، ثم يباهوا بالارتهان اليوم؟

وذكرت الصحيفة أن خطورة هذه الذهنية أنّها تفتح الباب لمزيد من الانحدار: فإذا كان الإذلال يُسمّى «نجاحا»، فغدا ستُسمّى التبعية «تعاونا»، والتراجع «سلاما»، والخضوع «تعاملا حضاريا». وهنا يصبح الخطر أكبر: لا يقتصر على تشويه الماضي، بل يمتد إلى خطف المستقبل أيضا.

وتابعت أن الحديث عن «الاضطراب النفسي ـ السياسي» ليس مجرد تعبير بلاغي، بل حقيقة واقعية عن تيار فقد القدرة على إدراك أبسط الحقائق، فالغربُيون لا يتعلمون حتى من الإهانات الصريحة التي يتعرض لها حلفاء أمريكا، بل يتمنون أن تتكرر هذه المشاهد في إيران نفسها، وهذا ليس عقلانية ولا حكمة، بل سقوط في هاوية الوهم والدونية.

وأوضحت أن القضية ليست مجرد إذلال أوروبا أو هزيمة أوكرانيا، بل تكمن المعضلة الأساسية في تلك الرؤية المقلوبة التي تحوّل الهزيمة إلى «نموذج» والانكسار إلى «إنجاز». هذا التيار الذي ظلّ يروّج لنهج التبعية للغرب وأوقع البلاد في فخّ الخسائر عبر الاتفاق النووي وآلية «إنستكس» والوعود الكاذبة، ما يزال يصرّ اليوم على النهج ذاته، مفضّلا إنكار الفشل على الاعتراف بالحقيقة.

وبينت أن التجربة أوضح من أن تحتاج إلى تفسير: أوروبا وأوكرانيا معا، بعد الارتهان لواشنطن، لم تحصلا على أمن ولا رخاء ولا كرامة؛ بل كان نصيبهما الإهانة، التكاليف الباهظة، وفقدان الاستقلال، وإذا ما سارت إيران على الدرب نفسه، فلن تجني سوى ذات المذلة والخسارة.

واختتمت الصحيفة التقرير، بالقول إن الضرورة اليوم- أكثر من أي وقت مضى- هي التشديد على أن السبيل الوحيد لمواجهة الضغوط والتهديدات، يكمن في الاعتماد على القدرات الوطنية، والمقاومة النشطة، واعتماد دبلوماسية متوازنة مع الدول المستقلة والمتقاربة معنا، أما وصفة الغربويين، فليست عقلانية ولا واقعية، بل تكرار لتجارب مريرة انتهت دائما بالخسارة والمهانة والارتهان للغير.