لاريجاني في موسكو: رسالة من طهران إلى بوتين أم جسر سري نحو واشنطن؟

الترجمان

في تطور لافت على صعيد العلاقات الإيرانية الروسية، قام علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، بزيارة مفاجئة إلى موسكو التقى خلالها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حاملا رسالة خاصة من المرشد الأعلى علي خامنئي، في خطوة أثارت العديد من التساؤلات حول أهدافها وتوقيتها ومضمون الرسالة.

الزيارة، التي جرت الخميس  16 أكتوبر/تشرين الأول 2025، جاءت في ظلّ ظروف إقليمية حساسة، وبعد سلسلة من الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي الإيرانية، وحرب الـ 12 يوما، والتي كشفت ثغرات في منظومة الدفاع الجوي الإيراني. كما تزامنت مع تطورات في ملف التسليح الإيراني وصفقات الأسلحة مع روسيا والصين، الأمر الذي منحها أبعادا تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي.

رسالة من طهران إلى الكرملين

سلّم لاريجاني خلال لقائه مع بوتين رسالة من المرشد الإيراني علي خامنئي، وبحث معه سبل تعزيز التعاون الثنائي في المجالات الاقتصادية والدفاعية والإقليمية. 

وقد وصفت وسائل الإعلام الروسية اللقاء بأنه “استراتيجي ومهم”، مشيرة إلى أنه يأتي في سياق التحولات الأمنية الكبرى في الشرق الأوسط وإعادة تشكّل موازين القوى على الساحة الدولية.

ورغم عدم الكشف عن مضمون الرسالة، فإن المراقبين لاحظوا أن نبرة البيانات الرسمية الإيرانية أوحت بأن الرسالة لا تقتصر على العلاقات الثنائية بين طهران وموسكو، بل تتصل أيضا بمسارات أوسع تتعلق بملفات الأمن الإقليمي والنووي وربما بالعلاقات الإيرانية الأمريكية غير المباشرة.

توقيتٌ لا يمكن تجاهله

اللافت في التوقيت أن زيارة لاريجاني تزامنت مع مكالمة هاتفية مطوّلة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأمريكي دونالد ترامب، استغرقت نحو ساعة، وتناولت قضايا الشرق الأوسط وسوق الطاقة وتطورات الحرب في غزة.

ورغم أن إيران لم تُذكر في التصريحات الرسمية للطرفين، إلا أن اقتران الحدثين دفع المراقبين إلى ترجيح احتمال قيام روسيا بدور الوسيط في مفاوضات أو تواصل غير مباشر بين طهران وواشنطن، خصوصا في ظل مؤشرات محدودة على رغبة أمريكية بتهدئة الملف الإيراني لتجنّب تصعيد جديد في المنطقة.

الزيارة جاءت بعد أسابيع من تكثيف الحديث في الصحافة الإيرانية حول تطوير القدرات الدفاعية عقب الحرب الأخيرة.
فبحسب صحيفة “هفت صبح“، تركّز إيران حاليا على سدّ الثغرات التي كشفتها المواجهات الجوية مع إسرائيل، حيث تبيّن أن غياب الغطاء الجوي الكافي وضع منظومات الدفاع الأرضية تحت ضغطٍ كبير، في ظل المساحة الجغرافية الواسعة لإيران التي تعادل تقريبًا مساحة أوروبا الغربية.

لهذا السبب، بدأت طهران مساعي عاجلة لتحديث أسطولها الجوي عبر صفقة مقاتلات “Su-35” الروسية ومنظومات الدفاع الجوي “S-400″، إضافة إلى حديث عن مفاوضات مع الصين للحصول على مقاتلات “J-10”.
ويرى مراقبون أن هذه التحركات العسكرية، بالتزامن مع زيارة لاريجاني، تشير إلى محاولة تنسيق أمني وسياسي أوسع مع موسكو لضمان توازن الردع الإقليمي.

تحذيرات داخلية: فخّ روسي محتمل؟

في الداخل الإيراني، لم تمر الزيارة دون انتقادات، فقد كتب حشمت‌الله فلاحت ‌بيشه، عضو لجنة الأمن القومي السابق، تعليقا لاذعا قال فيه: “إذا لم تكن مهمة لاريجاني تهدف إلى فكّ ارتباط إيران بلعبة الهيمنة الروسية، فهي استمرارٌ للطريق المدمّر الذي بدأ عام 2021”.

ويُشير فلاحت ‌بيشه بهذا إلى أن روسيا تستخدم العلاقة مع طهران كأداة مساومة في صراعاتها مع الغرب، محذرا من أن الارتهان السياسي والعسكري المفرط لموسكو قد يضع إيران في موقعٍ تابع بدلًا من أن تكون شريكًا نِدّيًا في المعادلات الدولية.

وساطة روسية أم إعادة تموضع؟

يرى بعض المحللين الدوليين أن روسيا، التي فقدت كثيرا من نفوذها في الشرق الأوسط بعد حرب أوكرانيا، تحاول اليوم استعادة موقعها من بوابة الوساطة بين الخصوم.

وفي هذا السياق، يُمكن أن تكون زيارة لاريجاني بداية لمحاولة روسية لإعادة تفعيل قناة اتصال بين طهران وواشنطن، في تكرارٍ لتجربة الوساطة العُمانية في بدايات المفاوضات النووية قبل عقد من الزمان.

لكنّ آخرين يرون أن طهران قد تسعى إلى استخدام موسكو لا كوسيط، بل كجدار حماية مؤقت في ظل تصاعد التوتر الإقليمي. فالعلاقات مع روسيا تمنح إيران غطاء استراتيجيا في مجلس الأمن ومجال الطاقة، إلا أن الثمن قد يكون باهظًا إذا تحولت هذه العلاقة إلى تبعية سياسية.

دلالات داخلية لتكليف لاريجاني

اختيار علي لاريجاني تحديدًا لهذه المهمة يثير بدوره إشارات داخلية مهمة. فهو ليس من فريق الحكومة الحالية برئاسة مسعود بزشكيان، بل من الشخصيات “الموثوقة خارج الجهاز التنفيذي”، ما يُوحي بأن القيادة الإيرانية أرادت أن توصل رسائل عليا بعيدا عن القنوات الحكومية المعتادة.
ويُذكّر هذا النمط من التحرك بالآلية التي اعتمدتها طهران سابقا عندما استخدمت شخصيات خاصة في اتصالاتها السرية الأولى مع واشنطن قبل التوصل إلى الاتفاق النووي عام 2015.

جدير بالذكر أن لاريجاني زار فجر الجمعة  17 أكتوبر/تشرين الأول 2025  مرقد الإمام الرضا في مدينة مشهد، بعد عودته من روسيا، في مشهد رمزي فُسّر على أنه طلبٌ للتوفيق في مهمة حساسة لم تنتهِ بعد.

210726613994

زيارة لاريجاني إلى موسكو لم تكن مجرد لقاء بروتوكولي، فهي تأتي في لحظة إقليمية متفجرة، وتطرح سؤالا استراتيجيا: هل تسعى طهران إلى فتح قناة حوار جديدة عبر موسكو لتخفيف الضغوط الدولية، أم أنها تُعيد تثبيت نفسها داخل المحور الروسي كجزء من إعادة ترتيب النظام العالمي؟

الإجابة، كما يبدو، ستتوقف على مدى قدرة إيران على موازنة تحالفها مع روسيا دون أن تفقد استقلال قرارها السياسي. فبينما ترى طهران في موسكو حليفا استراتيجيا، يبقى التاريخ القريب شاهدًا على أن الكرملين لا يتحرك إلا وفق مصالحه الخاصة، مهما كانت تحالفاته.

وبين “الرسالة السرّية” و”الوساطة المحتملة”، تبدو رحلة لاريجاني إلى موسكو فصلا جديدا في لعبة التوازنات الدقيقة التي تخوضها إيران بين الشرق والغرب، في زمنٍ يضجّ بالأزمات والانقسامات.