مأساة طلابية تكشف هشاشة النقل الجامعي في إيران

في صباح خريفي هادئ، تحول طريق سمنان- سرخه إلى مسرح لمأساة جديدة أدمت قلوب الإيرانيين، بعدما اصطدمت حافلة تقل طلابا جامعيين بشاحنات متوقفة على جانب الطريق، لترتفع حصيلة الضحايا إلى قتيلين وعدد من الجرحى بعضهم في حال حرجة، لم يكن هذا الحادث الأول من نوعه، لكنه أعاد إلى الواجهة ملفا طالما شغل الرأي العام، وهو سلامة النقل الطلابي في إيران، ومع تضارب الروايات حول أسبابه، بين نوم السائق وإهمال قواعد المرور أو أعطال ميكانيكية، بدا واضحا أن القصة أعمق من مجرد خطأ فردي، إنها صورة مصغرة لأزمة مزمنة في منظومة النقل والحوكمة المرورية.

ففي صباح الثلاثاء 30 سبتمبر/أيلول 2025 استيقظ الإيرانيون على وقع حادثة مأساوية وقعت في الكيلومتر 6 من طريق سمنان/ سرخه، حين اصطدمت حافلة مخصصة لنقل طلاب كلية العلوم الطبية المساعدة في سرخه بشاحنة أو أكثر كانت متوقفة على جانِب الطريق، قبل أن تنحرف خارج المسار، وكانت الحافلة، وهي حافلة نقل طلابي تابعة لشركة متعاقدة مع جامعة العلوم الطبية في سمنان، تقل 13 طالبا إضافة إلى السائق، وقد أسفر الاصطدام عن وفاة طالبتين في موقع الحادث هما نرجس فتحي ‌نجاد، 20 عاما، وسيدة زينب شاني، 25 عاما، فيما أُصيب 12 طالبا آخرون بإصابات متفاوتة.

Image
Image

على أثر ذلك، تحركت فرق الإنقاذ والإسعاف، إذ نقل المصابون إلى مركز كوثر العلاجي في مدينة سمنان، وأُعلن لاحقا أن ثلاثة مصابين انتقلوا إلى قسم العناية المركزة، واثنين في الأقسام العادية، بينما خضع الباقون للمراقبة في قسم الطوارئ.

أما بشأن الأسباب، فقد تباينت الروايات الأولية، إذ أفاد رئيس محكمة العدل بمحافظة سمنان بأن النعاس الذي انتاب سائق الحافلة كان سببا مباشرا لجنوح المركبة واصطدامها بـ شاحنتين كانتا متوقفتين على حافة الطريق، وفي رواية موازية لشرطة الطرق ورد أن عدم انتباه سائق الحافلة إلى الأمام وعدم مراعاة حق الأسبقية من سائق الشاحنة كانا من العوامل المؤثرة في وقوع الكارثة، في المقابل، أوضحت إدارة العلاقات العامة في جامعة العلوم الطبية بسمنان أن نسبة الحادث إلى نعاس السائق غير مؤكدة من جانبها، في انتظار ما ستخلص إليه التحقيقات الفنية والقضائية.

نائب الرئيس يتابع الموقف.. ومحافظ سمنان يعد بالمحاسبة

منذ الساعات الأولى لوقوع الحادثة، تحرك محمد رضا عارف، النائب الأول لرئيس الجمهورية الإيراني، لمتابعة أخر تطورات الحادث، فأجرى اتصالات هاتفية منفصلة مع محمد جواد كوليوند، محافظ سمنان، وبير حسين كوليوند، رئيس جمعية الهلال الأحمر الإيراني، للوقوف على آخر مسارات العلاج والإغاثة وتذليل أي عقبات لوجستية أو إدارية تعيق تقديم الخدمة المثلى للمصابين، ووفق ما نشر في المنصات الرسمية ووسائل الإعلام المحلية، فقد أصدر عارف تعليمات عاجلة تقضي بالمعالجة الفورية والكاملة لأوضاع الجرحى، وتعبئة الإمكانات الطبية والإسعافية المتاحة في المحافظة وخارجها إذا اقتضى الأمر.

Image

إلى جانب ذلك، وجه النائب الأول رسالة عزاء لأسر الطالبتين الراحلتين، متمنيا للمصابين الشفاء العاجل، ومؤكدا أن كشف الأسباب هو جزء أصيل من واجب السلطات، إذ شدد على ضرورة تسريع التحقيقات في أسباب وقوع الحادثة وإحاطة الرأي العام بنتائجها بشفافية.

بعدها، وخلال جلسة خاصة عقدت في مبنى محافظة سمنان لمراجعة أسباب الحادثة، أعلن محافظ المدينة أن معظم المصابين قد تماثلوا للشفاء وغادروا المستشفى، فيما لا يزال عدد من الطلاب في العناية المركزة، ويتلقون الرعاية الطبية المتخصصة، كما أكد المحافظ أن الأجهزة الطبية مكلّفة بمواصلة العلاج بدقة وجدية، حتى تمام التعافي، نافيا أي هامش للتراخي أو الاكتفاء بالإجراءات الأولية.

Image

كذلك فقد أكد كوليوند على أن الحادثة لن تتحول إلى ملف منسي بمرور الوقت، وأن جميع أبعادها ستراجع، على أن يقدم تقرير واضح وموثق إلى الرأي العام والأُسر، كما أعلن العمل على ملف قضائي متكامل لعرضه على الجهات القضائية المختصة، بما يتيح مساءلة من يثبت تقصيره.

إحصائيات صادمة.. دماء تراق بلا محاسبة

لا يمكن قراءة حادثة سمنان باعتبارها واقعة معزولة في مشهد الحوادث المرورية في إيران، فهي حلقة ضمن سلسلة تمتدّ لعقد على الأقل، تظهر فيها خدمات نقل الطلاب كنقطة هشة داخل منظومة أوسع تتجاوز فيها اختلالات البنية التحتية والحوكمة والسلوك البشري، فيما ترسم التحقيقات الصحفية المحلية وشهادات الخبراء لوحة متكاملة لعوامل الخطر ومسارات التخفيف الممكنة، بما يكشف أن المشكلة أعمق من مجرد خطأ فردي أو ظرف طارئ.

Image

خلال العقد الأخير، وقعت 13 حادثة مرتبطة بتصادم حافلات نقل الطلاب في إيران، إضافة إلى حادثة واحدة داخل الأراضي العراقية، ووفقا للمعلومات المنشورة في وسائل الإعلام، فقد أدت هذه الحوادث إلى وفاة 26 طالبا في المجموع.

ففي ديسمبر/كانون الأول 2015، تعرضت حافلة طلاب الجامعة الحرة، فرع نجف ‌آباد، والتي كانت تقل 39 طالبا، لحادث انقلاب في الطريق بين أصفهان ونجف ‌آباد، وأسفر الحادث عن إصابة 36 راكبًا ومقتل اثنين. وبعد ثلاث سنوات، في ديسمبر/كانون الأول 2018، وقع أحد أشد الحوادث مأساوية عندما انقلبت حافلة طلاب فرع العلوم والبحوث بالجامعة الحرّة في منطقة حصارَك/ بونك، ما أدى إلى وفاة تسعة طلاب وسائق الحافلة، بعد أن اصطدمت بعمود إسمنتي نتيجة عطل في المكابح.

وفي ربيع 2018، اصطدمت حافلة صغيرة تقل طلاب قسم الجيولوجيا بجامعة دامغان على طريق به شهر، ما أسفر عن وفاة طالبين وإصابة 14 آخرين، أما في مارس/آذار 2019، فقد اشتعلت النيران في حافلة طلاب جامعة العلوم الطبية في كرمان أثناء رحلة ميدانية إلى مناطق الحرب في أهواز، بسبب انفجار أنبوب نفطي، ما ألحق بها أضرارا جسيمة.

في 17 أبريل/نيسان 2019، أُصيب تسعة طلاب من جامعة كردستان إثر اصطدام حافلة صغيرة كانوا يستقلونها بشاحنة على طريق ديواندره/ سنندج، وفي 22 أبريل/نيسان من العام نفسه، توفي طالبان من جامعة العلوم الطبية في لرستان بعد أن اصطدمت سيارتهما عند مدخل المدينة عقب مغادرتهما الكلية.

وفي 12 أغسطس/آب 2019، تعرضت حافلة تقل طالبات من شيراز لحريق في مدينة يزد، ما استدعى نقل ثماني طالبات إلى المستشفى للعلاج، دون وقوع وفيات، وفي 28 أكتوبر/تشرين الأول 2019، وقع حادث مأساوي آخر داخل العراق، بعد 20 كيلومترا من معبر مهران، حيث اصطدمت حافلة تقل طلاب جامعة خواجه نصير الطوسي بحافلة أخرى، ما أدى إلى مقتل ستة أشخاص وإصابة اثنين، وهناك خمس حالات أخرى من الحوادث المتعلقة بالنقل الطلابي من العام 2019 حتى العام 2024.

Image

أما على صعيد بيانات حوادث الطرق في إيران، فتظهر إحصائيات الطب الشرعي أن عطلة النوروز، العيد القومي الأكبر لدى الإيرانيين، لهذا العام شهدت تسجيل 101,643 حادثة مرورية، أسفرت عن 880 وفاة، بزيادة بلغت نحو 3% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق 2024، ووفق البيانات الرسمية الصادرة في مايو/أيار من هذا العام، فقد توفي خلال العام الماضي ما مجموعه 19,435 شخصا في حوادث السير، وهو ما يقل بنحو 3% عن عام 2023، فيما لم تعلن بعد الإحصاءات المجمّعة للأشهر الستة الأولى من العام الجاري.

وبحسب هذه البيانات، فقد سجلت سبع محافظات أعلى معدلات الوفيات، أولها فارس بـ 1560 حالة وفاة، طهران 1439 حالة، خراسان الرضا 1335، كرمان 1311، سيستان وبلوشستان 1280، خوزستان 1210، وأصفهان 1186، فيما بلغ مجموع الوفيات في هذه المحافظات السبع 9,321 وفاة، أي نحو 48% من إجمالي الوفيات الناجمة عن الحوادث المرورية في البلاد خلال العام الماضي.

أما في صميم مشكلة النقل الجماعي للطلاب فتتراكم عوامل متشابكة، فيقول خبراء السلامة إن من أسباب الأزمة استخدام حافلات داخل المدن في رحلات بين المدن، وهو خيار لا يتوافق مع معايير السلامة من حيث التجهيزات والسرعات والترخيص، فضلا عن ضعف في الرقابة على العقود ومعايير التشغيل، وغياب فحوص دورية دقيقة في بعض الحالات.

هذا الضعف والقصور البنيوي يتضاعف مع ضعف نظم مراقبة الطرق، إذ إن لجنة سلامة الطرق، والتي من المفترض أن تكون المتولي والمنسق الأعلى لهذا الملف، لا تعقد اجتماعات منتظمة كما ينبغي، وهو خلل انتقلت عدواه إلى لجان المحافظات، فصار الإيقاع المؤسسي رد فعل بعد الكوارث بدل أن يكون رصدا مبكرا ومساءلة دورية للأداء.

 وعلى الأرض، تتبدى مشكلات تنفيذية واضحة، فكاميرات ضبط السرعة المعطلة التي تقوض الردع، تحتاج إلى إدارة وصيانة منهجية تضمن الجودة والاستدامة، إلى جانب بنية مادية، كرصف الطرق، ووضع علامات مرورية وحواجز، ما يتطلب برامج صيانة وتحسين متواصلة بدل المعالجات الموضعية المتقطعة.

Image

ولا يقل تعقيد المشهد المؤسسي عن تعقيد أسبابه الفنية، فملف السلامة المرورية بطبيعته تلتقي فيه وزارات وهيئات عدة، كإدارة الطرق، والشرطة، والجامعات، والبلديات، والصحة، والهلال الأحمر، لكن غياب مسئول أول واضح يخاطب الجمهور ويحاسب أمامه، على الرغم من وجود لجنة مركزية، يفتح الباب لتشتت المسؤوليات وضياع سلسلة المحاسبة، فيما يختصر مختصون المشكلة بالقول إن الميل إلى استدعاء المحافظ أو تحميل جهة واحدة اللوم بعد كل فاجعة مؤشر إلى أن القناة المؤسسية الصحيحة للمساءلة ليست دائما في الواجهة، فتضعف بذلك قدرة المؤسسات على التعلّم من الحوادث، وتبقى أسباب التكرار قائمة.

تكشف تلك الحادثة عن جملة من الدروس العاجلة التي لا تحتمل التأجيل، إذ تضع ملف نقل الطلاب في قلب النقاش حول السلامة المرورية في إيران، فالحادثة أعادت التذكير بضرورة وضع قواعد صارمة لتصنيف المركبات، ومنع الحافلات المخصصة للاستخدام داخل المدن من تسيير رحلات بين المدن، مع تشديد إجراءات الترخيص والفحص الدوري بما يشمل أنظمة الكبح والتثبيت وتجهيزات الأمان داخل المقصورة.

كما تبرز الحاجة إلى إعادة تنظيم عقود النقل الطلابي بوصفها وثائق حياة، عبر إلزامها بمعايير أداء قابلة للرقابة، ونظام واضح للعقوبات عند المخالفة، إضافة إلى إنشاء آليات تدقيق مستقلة في الجامعات والمحافظات. ويوازي ذلك بناء منظومة رقابة ذكية تعتمد على تعميم أجهزة رصد السرعة والسلوك التشغيلي للحافلات، وضمان صيانتها الدورية وفق بروتوكولات جودة معتمدة، وربطها بمراكز سيطرة قادرة على التدخل السريع عند الضرورة.