مصر وإيران: خطوط التقارب تتعمق.. وملف الوساطة يعيد رسم دور القاهرة في الشرق الأوسط

في ظل تحولات إقليمية متسارعة وتحديات متشابكة تواجه منطقة الشرق الأوسط، تشهد العلاقات المصرية الإيرانية تطورا لافتا وغير مسبوق، يشير إلى تحوّل استراتيجي في توجهات البلدين بعد عقود من القطيعة والتباعد، وخلال الأشهر الماضية، تكثفت الاتصالات والمشاورات الثنائية على أعلى المستويات، وشهدت القاهرة وطهران تحركات دبلوماسية متبادلة، شملت لقاءات رفيعة، ومبادرات رمزية، وتصريحات مباشرة تعكس وجود إرادة حقيقية لفتح صفحة جديدة.

في هذا السياق، نسلّط الضوء على أبرز ما تناولته الصحف الإيرانية من تطور العلاقات بعد الاتصال الهاتفي بين وزيري خارجية البلدين الأربعاء 6 أغسطس/آب 2025. 

ذكرت صحيفة شرق أنه في خطوة جديدة، أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، اتصالات منفصلة مع كلٍّ من عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني، ورافائيل غروسي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وأضافت الصحيفة أن وزارة الخارجية المصرية أوضحت أن هذه الاتصالات تأتي ضمن إطار سياسة القاهرة الهادفة إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي، وخفض حدة التوتر، وترويج الحلول السلمية، على ضرورة الالتزام بالمسار الدبلوماسي واستئناف التعاون الفاعل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في رسالة واضحة تعبّر عن مساعي مصر لإعادة الملف النووي إلى مسار الحوار والتفاوض.

دبلوماسية القاهرة النشطة ومتعددة الأطراف

تابعت الصحيفة أنه لم تقتصر التحركات المصرية على التواصل مع طهران والوكالة فحسب، إذ أجرى عبد العاطي منذ مطلع يونيو/حزيران 2025 مشاورات مع شخصيات محورية، من بينهم ستيف ويتكوف، المبعوث الأمريكي الخاص، ووزراء خارجية الدول الأوروبية الثلاث(الترويكا)، بالإضافة إلى مسؤولين عمانيين لطالما اضطلعوا بدور رئيسي في مفاوضات إيران والولايات المتحدة.
وأضافت أنه وفي ظل تجدد الحديث الأوروبي عن تفعيل “آلية الزناد”، تسعى مصر، انطلاقا من موقفها المحايد، إلى احتواء الأزمة عبر المسار الدبلوماسي، مؤكدة أنه “لا حل عسكريا للأزمة النووية أو لبقية التحديات الإقليمية”.

تحوّل في موازين العلاقات بين القاهرة وطهران

ذكرت الصحيفة أن التطورات الأخيرة تشير إلى نقطة تحوّل في العلاقات المصرية الإيرانية. فقد مثّلت زيارة عباس عراقجي للقاهرة ولقاؤه مع كبار المسؤولين المصريين، وعلى رأسهم الرئيس عبد الفتاح السيسي، إلى جانب مشاركته في عشاء رسمي مع دبلوماسيين مصريين سابقين، مؤشرات واضحة على تحسّن العلاقات التي ظلّت متوترة منذ الثورة الإيرانية عام 1979.
وأضافت أنه اعتُبر قرار طهران بتغيير اسم شارع “خالد الإسلامبولي” إلى “الشهيد السيد حسن نصر الله” خطوة رمزية واستراتيجية، اعتبرتها مصر “مبادرة إيجابية” نحو إعادة العلاقات إلى مسارها الصحيح. وقد ساهمت هذه الخطوة في إزالة آخر العوائق النفسية، ومهّدت الطريق أمام إطلاق محادثات رسمية بين البلدين.

وأشارت إلى أن الدور المصري المتصاعد لم يقتصر على الشأن الثنائي فحسب؛ ففي ذروة الاعتداءات الإسرائيلية والأمريكية على إيران، أجرى الرئيس عبد الفتاح السيسي اتصالا مباشرا بنظيره الإيراني، مسعود بزشكيان، أدان خلاله بشكل صريح التصعيد الإسرائيلي.
وأوضحت أن هذه الخطوة منحت مصر موقعا مميزا بين الدول العربية، وأعقبتها تحركات دبلوماسية مكثفة بقيادة عبد العاطي، شملت اتصالات متزامنة مع رافائيل غروسي، المبعوث الأمريكي، ومسؤولين عمانيين، في محاولة عاجلة لإحياء مسار المفاوضات النووية.

المكانة الجيوسياسية والفرص الجديدة

ذكرت “شرق” أن التقارب بين القاهرة وطهران أصبح ممكنا في ظل تغيّرات إقليمية بارزة، من أبرزها وساطة الصين التي أسهمت في المصالحة بين إيران والسعودية، ما أزال أحد أكبر العوائق أمام تحسّن العلاقات المصرية الإيرانية.
وأضافت أن مصر باتت قادرة الآن على الانخراط في تعاون مباشر مع طهران دون الخوف من ردود أفعال شركائها العرب، كما تدفع التحديات الاقتصادية العميقة التي يواجهها البلدان، كأزمة الديون في مصر والعقوبات القاسية على إيران، نحو شراكات عملية في مجالات التجارة والسياحة الدينية.

وتابعت الصحيفة أن التحركات المصرية الأخيرة تمثل أكثر من مجرد إعادة إحياء لعلاقات قديمة بين قوتين إقليميتين؛ فهي تعكس سعي القاهرة إلى إعادة صياغة دورها في هيكل الأمن الإقليمي، فدخول مصر إلى ملف إيران النووي كلاعب محايد وموثوق من قبل الأطراف الدولية، يشكّل تطورا غير مسبوق قد يعزز من مكانتها الإقليمية بشكل ملحوظ.
وأشارت إلى أنه وفي وقت لا تزال فيه مخاطر الحرب والجمود الدبلوماسي قائمة، قد تفتح الدبلوماسية المصرية، القائمة على الحوار وخفض التوتر، نافذة أمل جديدة لحلّ أحد أعقد الأزمات الأمنية في العالم.

وفي السياق نفسه كانت صحيفة “هفت صبح” قد نشرت تقريرا أفادت فيه بأبرز ما قاله وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، بعد الاتصال الهاتفي مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي.

إذ صرح عراقجي قائلا: “شهدت علاقاتنا مع مصر خلال العام الماضي قفزة استثنائية حقا،  فقد التقيت بالرئيس المصري أربع مرات خلال هذه الفترة، وهو عدد لم أحققه مع أي رئيس دولة أخرى، حتى مع الدول التي تربطنا بها علاقات ودية، على سبيل المثال، لم ألتقِ بالرئيس بوتين سوى مرتين، وكذلك الحال مع رؤساء دول الجوار الآخرين”.

وتابع: “أما عدد لقاءاتي مع وزير الخارجية المصري، فأظن أنه تجاوز العشر مرات خلال العام الماضي، ناهيك عن المكالمات الهاتفية التي أصبحت متكررة جدا! وكانت هذه الاتصالات تتركز في الغالب على العلاقات الثنائية، رغم أن قضية غزة وفلسطين كانت أيضا جزءا من المواضيع المطروحة”.

وأشار إلى أنه “في مجال العلاقات الثنائية، أحرزنا تقدما جيدا، إذ كانت هناك بعض العقبات القديمة التي طالما وُعدنا بحلّها، وقد بدأ العمل على تجاوزها؛ فعلى سبيل المثال، تم تغيير أسماء بعض الشوارع، من جانبهم أيضا، قاموا بخطوات معينة لن أخوض في تفاصيلها، لكن الأهم هو وجود إرادة للتعاون من كلا الجانبين”.

وحول موعد الإعلان الرسمي عن هذه العلاقات، نقلت الصحيفة قول عراقجي إن “العلاقات ع مصر تتجاوز حدود التوقعات العادية، فلسنا في عجلة من أمرنا، ولا هم كذلك، وسيتم هذا الإعلان عندما يحين وقته، وفي الأشهر القادمة، سنصل إلى تلك المرحلة، ولولا الحرب والتطورات الأخيرة، لربما كنّا قد بلغنا هذه المرحلة في وقت أقرب”.

ماذا تم في الاتصال الهاتفي بين عراقجي ووزير الخارجية المصري؟

أما وكالة “إرنا” الرسمية الإيرانية، فقد ذكرت أن وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، أجرى اتصالا هاتفيا مع وزير خارجية إيران، عباس عراقجي، بحثا خلاله مسار العلاقات الثنائية، إضافة إلى المستجدات الإقليمية والدولية.

وأضافت أنه بحسب ما أفادت به وزارة الخارجية مساء الأربعاء 6 أغسطس/آب 2025، فقد تناول الجانبان خلال الاتصال تطورات العلاقات بين البلدين، كما تبادلا وجهات النظر حول تفاقم الأزمة الإنسانية في غزة نتيجة الحصار الغذائي والدوائي المفروض على القطاع، واستمرار جرائم الإبادة، حيث شددا على ضرورة تقديم مساعدات عاجلة لسكان غزة العزل ووقف جرائم الاحتلال الإسرائيلي.

وأشارت إلى أن الطرفين تطرقا خلال المحادثة إلى القضايا المرتبطة بالملف النووي الإيراني، في أعقاب العدوان العسكري الذي شنّه الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة ضد إيران.

في هذه المرحلة، تبدو مصر عازمة على استعادة موقعها كقوة إقليمية فاعلة، لا من خلال الاصطفاف بل عبر تبنّي دور الوسيط المتزن والمقبول من مختلف الأطراف، أما إيران، فتبدو بدورها منفتحة على صياغة شراكات جديدة تكسر طوق العزلة وتعيد التموضع السياسي والاقتصادي في محيطها العربي.

ومع تنامي التنسيق بين القاهرة وطهران، تتشكل معادلة جديدة قد تعيد رسم خطوط التوازن في المنطقة، لا سيما إذا نجحت الوساطة المصرية في الدفع نحو حل الملف النووي الإيراني، ووقف التصعيد في غزة، وفتح قنوات حوار شاملة.

بين الملفات الشائكة والفرص الممكنة، تبدو العلاقة المصرية الإيرانية مرشحة لأن تكون أحد أبرز التحولات الاستراتيجية في الشرق الأوسط خلال الفترة المقبلة.