مع صعود وهبوط “دولار الإسكان”.. حلم السكن عند الشباب الإيراني يتحول إلى سراب

شهد سوق الإسكان في طهران تغيرات كبيرة في السنوات الأخيرة، متأثرًا بشكل رئيسي بتقلبات أسعار العملات، والتضخم الاقتصادي، والعوامل الاجتماعية، ووفقا للبيانات المتاحة، ارتفع سعر المساكن بالدولار في العاصمة الإيرانية بنحو 11 ضعفًا بين عامي 2018 و2025، مما يشير إلى انخفاض القدرة الشرائية للمواطنين وتفاقم التفاوت الاقتصادي.

في قلب العاصمة الإيرانية، حيث تتأرجح الآمال الاقتصادية بين الركود والطموح، يشهد سوق العقارات تحولا دراماتيكيا يعيد إلى الأذهان أزمات الماضي مع انتهاء الاتفاق النووي لعام 2015 واستمرار التوترات الإقليمية بعد نزاع قصير في يوليو/ تموز 2025، تراجعت أسعار الشقق بالدولار إلى مستويات غير مسبوقة منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2020 هذا الانهيار ليس مجرد رقم، بل قصة اقتصاد متعثر يواجه تحديات ضعف القدرة الشرائية وتحول المستثمرين إلى الذهب كملاذ آمن في هذا التقرير، نستعرض كيف تشكل 6 عوامل رئيسية:

  •  التحفيزات السياسية
  • مخاطر الحرب
  •  نمو السيولة
  • توقعات الجمهور
  • مستقبل سوق الإسكان
  • مع توقعات تشير إلى سوق يعاني ركودا عميقا رغم قيمته الضخمة

يواجه المستأجرون في طهران واقعا قاسياً، حيث يبلغ متوسط فترة الانتظار لامتلاك منزل حوالي 50 عاما، هذه الفجوة بين الدخل وأسعار السوق لا تعكس فقط تحديات اقتصادية، بل تهدد بتفاقم المشكلات الاجتماعية، مثل الهجرة القسرية وزيادة التهميش.

عاصفة الدولار

في عام 2018، ضرب زلزال اقتصادي طهران، هز أركان سوق الإسكان، حيث قفز سعر الدولار من 33000 ريال إلى 130000 ريال، محققا ارتفاعا مذهلا بنسبة تزيد عن 43% خلال عام واحد، هذا التسونامي في أسعار الصرف لم يكن حدثاً عابرا، بل تسبب في ارتفاع أسعار المنازل بأكثر من 100%، حيث بلغ متوسط سعر المنزل بالدولار حوالي 1500 دولار، هذه القفزة أشعلت شرارة اتجاه تصاعدي كشف عن الارتباط العميق بين العملة والعقارات، بحلول عام 2022، استمر المد التصاعدي في سوق الإسكان، في أقل من أربعة أشهر، تضاعف متوسط سعر المنزل من 380 مليون ريال إلى 800 مليون ريال، بينما ارتفع سعره بالدولار من 350 ألف ريال إلى حوالي 700 ألف ريال، هذا التصاعد لم يكن مجرد أرقام، بل عكس أزمة عميقة حولت حلم امتلاك منزل إلى وهم بعيد المنال.

في النصف الأول من العام 2025، بلغ متوسط سعر الإسكان في إيران بين مليار و1.050 مليون ريال إيراني، ووصلت التكلفة بالدولار لمنزل متوسط إلى حوالي 5,000 دولار، هذا الارتفاع الذي بلغ 11 ضعفا في سعر الإسكان بالدولار خلال سبع سنوات، يكشف عن أزمة هيكلية، أصبح امتلاك منزل في طهران حلماً شبه مستحيل، حيث تستهلك تكلفة الإيجار أكثر من 50% من دخل الأسرة لدى 51% من سكان المدينة، مما يفرض ضغطا ماليا هائلا.

في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، يسجل مؤشر أسعار العقارات في طهران أدنى مستوياته منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2020، حيث يبلغ متوسط سعر الشقة بالدولار حوالي 886 دولارا للمتر المربع، استنادا إلى أسعار البائعين المقترحة هذا الرقم، الذي يتجاوز قليلا أدنى مستوى تاريخي في السنوات الثماني الماضية، يمثل انخفاضا بنسبة 34% مقارنة بأسعار الخريف الماضي، وهو دون المستوى الطبيعي للسوق، وفقا لتقرير صحيفة “دنياي اقتصاد”، يعود هذا الانفصال بين أسعار المساكن والدولار إلى ردود فعل متباينة تجاه مخاطر الحرب في الأشهر الأخيرة بينما تأثر سوق الصرف الأجنبي مباشرة بهذه المخاطر، شهد سوق الإسكان تراجعا حادا في الطلب على رأس المال، مما أدى إلى انخفاض سعر المتر المربع من ذروته عند 1470 دولارا في 2013 إلى 1260 دولارا في 2014، ثم إلى 886 دولارا اليوم هذا المستوى يمثل أدنى قيمة دولارية للشقق في العاصمة منذ خمس سنوات، مع تراجع في عدد المعاملات بنسبة تصل إلى 50% في أحياء راقية مثل شمال طهران، حيث أصبحت الشقق الفاخرة تباع بأقل من 80 ألف دولار لوحدات دون 100 متر مربع.

رحلة مؤشر دولار الإسكان: من الانتعاش إلى الهاوية

تكشف دراسة تاريخية لصعود وهبوط “مؤشر دولار الإسكان” عن خمس مراحل رئيسية منذ 2017، تعكس تأثير السياسات الدولية والاقتصاد المحلي على هذا السوق المتقلب في 2017، تحت ظل اتفاق النووي، بلغ سعر المساكن بالدولار حوالي 1170 دولارا، مع تضخم عقاري بنسبة 10.6% كان ذلك زمن الاستقرار النسبي، حيث جذبت الاتفاقات استثمارات أجنبية ضخمة في مشاريع سكنية، لكن عام 2018 شهد تصعيدا سياسيا بعد انسحاب أمريكا من الاتفاق، مما أدى إلى انخفاض سعر الدولار إلى أدنى مستوى تاريخي عند 766 دولارا، مع ارتفاع التضخم العام إلى 40% في 2019 و2020، ساعد تدفق السيولة، بدعم برامج حكومية للإسكان المدعوم، في عودة الأسعار تدريجيا إلى 1000 دولار، رغم تباطؤ البناء بنسبة 20% بسبب جائحة كورونا.

مع تغيير الحكومة في 2021، وآمال إحياء المفاوضات، انخفض التضخم العقاري إلى 31%، واستقر السعر عند 1000 دولار للمتر، لكن توقف المفاوضات في 2022 أثار انتعاشا، ووصل السعر إلى 1287 دولارا بلغت الذروة في 2023 مع تصاعد التوترات السياسية وارتفاع أسعار المساكن بنسبة 65%، مسجلة 1470 دولارا للمتر المربع، رقما قياسيا دفع المستثمرين إلى العقارات كملاذ ضد التضخم، ومنذ 2024، أدت مخاطر الحرب والركود التجاري إلى انفصال كامل بين الدولار وأسعار المساكن، مع انخفاض كبير بنسبة 34% كما ساهم ارتفاع أسعار النفط بنسبة 17% خلال النزاع في زيادة تكاليف البناء.

أحدث أسعار إيجار الشقق في طهران

في قلب طهران النابض، حيث كانت الأحلام الشابة تتوق إلى امتلاك جدران تروي قصصها، تحولت اليوم تلك الأمنيات إلى صراع يومي لتأمين سقف يحمي من غدر الزمن، لم يعد الهم الأكبر هو جمع المدخرات لشراء “البيت الأول”، بل أصبحت المعركة تدور حول جمع قوت الإيجار، ذلك العبء الذي يبتلع أكثر من ثلثي دخل الأزواج الشباب، تاركًا لهم أقل من عُشر دخلهم لمواجهة متطلبات الحياة الأخرى.

تكشف الأرقام عن واقع قاسٍ: 90% من دخل الأسرة الشهري يتلاشى بين جدران الإيجار ومصاريف الطعام، مما يدفع العائلات للتخلي عن أبسط متع الحياة، من ملابس جديدة إلى لحظات ترفيه أو حتى زيارة طبيب، هذا الواقع، كما تروي صحيفة “دنياي اقتصاد”، يرسم لوحة اقتصادية واجتماعية مظلمة: تراجع الإنفاق الاستهلاكي يُضعف عجلة الاقتصاد، بينما يزداد الفقر السكني، مُنذرا بانحدار جودة الحياة في العاصمة، في بداية خريف 2025، استقر متوسط إيجار المتر المربع في طهران عند 4.5 مليون ريال، في ظل عجز المستأجرين عن تحمل المزيد وتردد الملاك بانتظار من يستطيع الدفع. 

شقة متوسطة الحجم في أحياء العاصمة تكلف شهريا حوالي 202 مليون ريال (حوالي 4,809 دولار أمريكي)، مع إيداع يقارب 5.95 مليار ريال، وهي أرقام تبدو ثابتة ظاهريا، لكنها تخفي ضغطًا ماليًا هائلاً يثقل كاهل 40% من سكان طهران المستأجرين.

في الأحياء الجنوبية، حيث يقل الإيجار نسبيًا إلى 116 مليون ريال شهريًا، لا يزال الطعام والسكن يبتلعان 70% من دخل الأسرة، وفي محاولة يائسة للبقاء، يضطر الكثيرون لبيع ممتلكاتهم، من سيارات إلى مدخرات، تلك التي كانت يوما حلما لامتلاك منزل، لتصبح اليوم وقودا لاستمرار الإيجار.

يصف الخبير الاقتصادي فردين يزداني هذا الواقع بأنه “اختناق معيشي”، حيث تستحوذ تكاليف السكن والغذاء على 80% من دخل الأسرة، تاركة 10% فقط لكل ما تبقى من الحياة، حتى الرعاية الصحية أصبحت رفاهية بعيدة المنال، ومعها تتآكل مستويات المعيشة يومًا بعد يوم.

حلم السكن يتحول إلى سراب

برامج الإسكان المدعومة التي أطلقتها الحكومة كانت تهدف إلى إيواء ذوي الدخل المحدود، لكنها تحولت إلى أداة لإثراء فئات لم تكن بحاجة إلى الدعم، بدلا من تحقيق العدالة السكنية، أصبحت هذه السياسات بوابة لتوزيع الإيجارات وتعميق الفجوة بين الفقراء والأغنياء.

في مؤتمر حديث عن اقتصاديات الإسكان، أجمع الخبراء على أن تركيز إيران على زيادة العرض فقط دون النظر إلى الطلب أو الأدوات المالية أدى إلى فشل السياسات، كانت هناك أيام نجحت فيها الموارد النفطية ووفرة الأراضي في دعم السوق، لكن مع تراجع العوائد النفطية ونفاد الأراضي الحضرية، أصبحت هذه الاستراتيجيات غير قابلة للاستمرار ومع ذلك، تُصر الحكومات على السير في نفس الطريق المسدود.

“مهر”: حلم الإسكان الذي تحول إلى كابوس

تُعد تجربة “مهر” واحدة من أكثر المبادرات كارثية في تاريخ الإسكان الإيراني، لم تُحقق هذه السياسة أي تقدم ملموس للأسر ذات الدخل المنخفض، بل أسهمت في تضخيم أسعار العقارات بمقدار 4000 ضعف، مما أوجد طبقة جديدة من “البرجوازية العقارية”، يؤكد الخبراء أن استقرار الاقتصاد الكلي هو مفتاح النجاح، لكن مع نمو اقتصادي متواضع بنسبة 1% وتضخم يصل إلى 22% على مدى عقود، فإن أي سياسة تركز على العرض وحده محكوم عليها بالفشل.

نحو حلول مبتكرة

يقول الخبير فردين يزداني إن نجاح سياسات الإسكان في السبعينات جاء نتيجة تقارب أسعار الأراضي مع السوق. لكن السياسات اللاحقة، مثل بيع الأراضي عالية الكثافة أو نقل ملكيتها بعقود إيجار طويلة الأمد، أدت إلى ارتفاع الإيجارات مجددا، اليوم، المشكلة ليست نقص الأراضي، بل حالة من الاحتجاز تتطلب حلولا إبداعية بعيدًا عن الأساليب التقليدية، كما يحذر أبو الفضل مشكيني من تدخل الشركات المملوكة للدولة في صياغة وتنفيذ سياسات الإسكان، واصفا ذلك بتضارب المصالح؛ عالميا، يعتمد الإسكان الداعم على مشاركة حكومية مباشرة، لكن في إيران، حتى برامج مثل “مهر” لم تُسفر إلا عن تمليك نسبة ضئيلة من ذوي الدخل المحدود لمنازلهم.

أزمة الأراضي

يرى بهروز مالكي أن سياسات الأراضي منذ بداية الثورة كررت نفس الأخطاء، نقل ملكية الأراضي بأسعار رمزية أو عبر عقود إيجار طويلة الأمد لم يكن سوى وسيلة لإعادة توزيع الريع، مما غذى التربح بدلا من حل الأزمة، هذه السياسات لم تُنتج إلا المزيد من التفاوت الاجتماعي، وتفضل العديد من الأسر ذات الدخل المحدود العيش في الأحياء القديمة غير المستقرة على الانتقال إلى مدن جديدة تفتقر إلى الخدمات الأساسية مثل المخابز. 

السكن ليس مجرد مأوى، بل يعني الوصول إلى خدمات وحياة كريمة نتيجة لذلك، تظل العديد من الوحدات السكنية الوطنية خالية، مما يكشف عن فشل التخطيط الحضري.

تغيير جذري مطلوب

على مدى أربعة عقود، اتسمت سياسات الإسكان في إيران بتوزيع الإيجارات بدلا من دعم المحتاجين، هذا النهج لم يُفاقم أزمة السكن فحسب، بل زاد من معاناة المستأجرين الفقراء وأدى إلى تفاقم التشرد، يشدد الخبراء على ضرورة إصلاح جذري يجمع بين استقرار الاقتصاد الكلي، تنويع السياسات، ومراعاة احتياجات المجتمع لتجاوز هذا المأزق.

لقد تجاوزت أزمة السكن في طهران حلم التملك، لتدخل مرحلة جديدة وأكثر قسوة: “فقر الإيجار”، هذه ليست مجرد أزمة مالية، بل تهديد وجودي يُنذر بتفكك النسيج الاجتماعي للطبقة المتوسطة، تلك التي كانت يومًا عمود العاصمة الإيرانية.

ما الذي يقود سوق الإسكان إلى المجهول؟

يعتمد مستقبل أسعار المساكن بالدولار على أربعة متغيرات حاسمة: محفز الاتفاق النووي، مخاطر الحرب، نمو السيولة، توقعات الجمهور مع انتهاء الاتفاق رسميا في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، أصبحت إمكانية إحيائه ضعيفة، مما يعزز العقوبات ويحد من الاستثمارات الأجنبية مخاطر الحرب أدت إلى تراجع الطلب وانخفاض إصدار التصاريح البنائية بنسبة كبيرة في النصف الأول من 2025، نمو السيولة تباطأ بسبب سياسات نقدية متشددة، مع توقعات بزيادة طفيفة إذا تحسنت العلاقات مع دول الخليج توقعات الجمهور، المتشائمة حاليا، قد تتحول إيجابا إذا خفت التوترات، خاصة مع تحول المستثمرين إلى الذهب كبديل.

سيناريوهات المستقبل

في السيناريو الأول، إذا تم تفعيل محفز الاتفاق النووي وعدم نشوب حرب، قد يحافظ السوق على استقرار نسبي دون 1000 دولار، مع نمو طفيف في الطلب السيناريو الثاني: تصعيد التوترات العسكرية قد يدفع الأسعار إلى انخفاض إضافي، مع ركود يستمر حتى 2026 السيناريو الثالث: إذا تحسنت الظروف السياسية وتم تحييد المحفزات السلبية، قد تعود الأسعار إلى التقارب مع الدولار، مع ارتفاع تدريجي إلى 1200 دولار بحلول مارس/ آذار 2026، مدعوما بزيادة في المشاريع السكنية.

بالنسبة للعمال، يبدو امتلاك منزل كحلم بعيد التحقيق. لشراء وحدة سكنية بمساحة 100 متر مربع في طهران، يحتاج العامل إلى 177 عاماً من مدخرات أجوره الأساسية، هذا الرقم، الذي لا يحسب التضخم أو تكاليف المعيشة الأخرى، يكشف عن هوة اقتصادية عميقة، يظل العمال، العمود الفقري للقوى العاملة الحضرية، محاصرين في دوامة الإيجار، مما يغذي دائرة الفقر ويحد من فرص تحسين حياتهم.

في الختام، انخفاض أسعار الدولار لا يعني أن السوق معتمد عليه كليا، بل يعاني من نقص الطلب وضعف القدرة الشرائية مع توقعات بتباطؤ اقتصادي إقليمي، يبقى السؤال: هل ستشهد طهران انتعاشا، أم ستغرق في دوامة الركود؟