مفاوضات مشروطة.. إيران تشدد شروطها وسط أجواء متوترة

ترجمة: سارة شعبان المزين

نشرت صحيفة «شرق» الإيرانية الإصلاحية، الأربعاء 2 يوليو/تموز 2025، تقريرا موجزا عن ملف المفاوضات المشروطة، مستعرضةً تطورات المشهد السياسي والضغوط الداخلية والخارجية المحيطة به، مع تسليط الضوء على مواقف الأطراف المختلفة وتأثيرها على مستقبل العلاقات الدولية والمصالح الوطنية.

ذكرت الصحيفة الإعلامية أن تجربة الحرب التي دامت 12 يوما في ظل العدوان الإسرائيلي المدعوم مباشرة من الولايات المتحدة، والتي وقعت في خضم المفاوضات غير المباشرة بين طهران وواشنطن في مسقط، قد أضعفت بشكل كبير، ثقة إيران بالمسار الدبلوماسي. 

وأوضحت الصحيفة أن هذه الاشتباكات، التي بدأت بهجمات إسرائيلية في 23 يونيو/حزيران 2025 وتدخل أمريكي مباشر في 23 يونيو/حزيران ضد المنشآت النووية الإيرانية، تكشف هشاشة الهدنة الحالية وتعقيدات استئناف المفاوضات.

وأضافت أن تصريحات عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، في مقابلة مع شبكة «سي بي إس»، ومجيد تخت روانجي، نائب وزير الخارجية، في حديث مع «بي بي سي»، تؤكد وجود شرط رئيسي لاستئناف الحوار مع الولايات المتحدة، وهو «ضمان عدم تكرار العدوان العسكري أثناء المفاوضات». 

وأشارت إلى أن هذا الشرط ورسائله المستقبلية تؤكد استعداد طهران للدبلوماسية مع اليقظة التامة لمواجهة أي تهديد عسكري.

وأفادت الصحيفة بأن الحرب التي استمرت 12 يوما خلفت استشهاد قادة عسكريين بارزين وعلماء نوويين ومدنيين، إلا أن إيران ردت بعمليات الوعد الصادق3، التي أظهرت قدرتها على إلحاق خسائر متبادلة. 

وأوضحت أن الهدنة التي اقترحتها الولايات المتحدة في 24 يونيو/حزيران 2025 جاءت في أثناء المفاوضات غير المباشرة في مسقط، غير أن الهجمات الأمريكية المفاجئة أثرت سلباً على ثقة إيران في العملية الدبلوماسية.

كما ذكرت الصحيفة أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي هدد فيها بتدمير المنشآت النووية الإيرانية بالكامل واستمرار الهجمات في حال مواصلة تخصيب اليورانيوم، زادت من حدة التوترات، في حين أكدت إيران على حقها في التخصيب السلمي ورفضها العودة إلى المفاوضات دون ضمانات واضحة بعدم التعرض العسكري. وأكدت مقابلات عراقجي وتخت روانجي بوضوح هذا الموقف.

درس الحرب.. مفتاح طريق السلام

أردفت الصحيفة أن تجربة الماضي تمثل بمثابة «مشعل طريق» للمستقبل، حيث تؤكد أن انعدام الثقة الناجم عن حرب الأيام الإثني عشر الأخيرة يعمل كتحذير يمنع تكرار أي اعتداء جديد على أرض البلاد أثناء المفاوضات المحتملة. 

وذكرت الصحيفة أن عباس عراقجي في مقابلة مع شبكة «سي بي إس»، شدد على أن إيران قبل استئناف المفاوضات تحتاج إلى ضمان بعدم قيام الولايات المتحدة بأي هجوم عسكري خلال الحوار. وأوضحت أن هذا الموقف ينبع من تجربة الحرب التي دامت 12 يوما، والتي شهدت هجمات إسرائيلية وأمريكية في ظل استعدادات الجولة السادسة من مفاوضات مسقط. 

كما نقلت الصحيفة تصريح مجيد تخت روانجي في مقابلة مع «بي بي سي»، والذي أشار فيه إلى الرسائل غير المباشرة التي أرسلتها واشنطن عبر الوسطاء لاستئناف المحادثات، مشددا على ضرورة وضوح الموقف الأمريكي ورفضه لأي هجمات إضافية.

وأوضحت  أن هذه الثقة المهتزة متجذرة في تاريخ الإخلال بالعهود من قبل الولايات المتحدة، خصوصا الانسحاب الأحادي الجانب من الاتفاق النووي عام 2018 والهجمات الأخيرة، ما أدى حتى الآن إلى إبعاد طهران عن استئناف المحادثات.

وفي سياق متصل، نقلت الصحيفة عن فاطمة مهاجراني في مؤتمر صحفي، قولها إنه لم يتم تحديد موعد للمفاوضات، ومن المحتمل ألا يكون قريبا. وأشارت إلى أن المتحدثة باسم حكومة مسعود بزشكيان تناولت بدورها موضوع فقدان الثقة لدى طهران، مؤكدة أن المحادثات النووية استمرت منذ حكومة الراحل إبراهيم رئيسي  ولم تتوقف، لكن التناقضات من الجانب المقابل وصفتها بأنها صعّبت الوضع، خاصة مع الهجوم على إيران وسط المفاوضات. 

وأضافت مهاجراني أنه “رغم عدم اليقين، لا نتخلى عن مسار المفاوضات، وقد أثبتنا ذلك على مدار عقدين. ولفتت إلى أن إيران منفتحة على الدبلوماسية مع الدول المجاورة وحلّت الخلافات مع البلدان التي قطعت العلاقات، مثل السعودية ومصر”.

وأشارت الصحيفة إلى أن “طهران، رغم فقدان الثقة، تبقي أبواب الدبلوماسية مفتوحة مع تثبيت خطوط حمراء”. ونقلت الصحيفة عن عراقجي وصفه للبرنامج النووي السلمي الإيراني بأنه مسألة فخر واعتزاز وطني، مؤكدا أن القصف لا يمكن أن يدمر المعرفة والتقنية في التخصيب، وأن إيران قادرة على تعويض الأضرار وإعادة بناء برنامجها النووي. كما نقلت الصحيفة عن تخت روانجي رفضه اتهامات الأهداف العسكرية، واعتبر تخصيب اليورانيوم حتى 60% لأغراض سلمية، واعتبر طلب التوقف عن التخصيب «قانون الغابة».

وأوضحت الصحيفة أن هذين المسؤولين أكدا استعداد إيران للدفاع عن نفسها ضد أي اعتداء. كما نقلت عن عراقجي تأكيده على قدرة إيران الدفاعية التي أظهرتها في الحرب الأخيرة، مع تعهده بمواصلة الرد على أي اعتداء متكرر. كما أشار تخت روانجي إلى الوحدة الوطنية الإيرانية في مواجهة التهديدات الخارجية، مؤكدا صمود إيران في وجه أي محاولات لتغيير النظام أو هجمات عسكرية.

وبينت الصحيفة أن موقف إيران يتسم بالتوازن بين الاستعداد للدبلوماسية واليقظة تجاه التهديدات العسكرية، ونقلت عن نائب وزير الخارجية قوله إن إيران لا تسعى للحرب، لكنها ستظل حذرة ومستعدة لتجنب أي مفاجآت جديدة.

واشنطن تُصعّد وترامب يُربك المشهد بتصريحات متناقضة

ذكرت الصحيفة في تقريرها، أن التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي  دونالد ترامب، التي عبّر فيها عن استعداده لاستئناف المفاوضات مع طهران بالتوازي مع تهديدات صريحة بشنّ هجمات إضافية، زادت من حالة الغموض والارتياب، وساهمت في تعميق أزمة انعدام الثقة لدى الجانب الإيراني. 

وأضافت الصحيفة أن ترامب زعم تدمير المنشآت النووية الإيرانية بالكامل، غير أن تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتصريحات المسؤولين الإيرانيين تناقض هذا الادعاء.

وأشارت الصحيفة إلى أن المدير العام للوكالة الدولية، رافائيل غروسي، وصف الأضرار التي لحقت بالمنشآت النووية الإيرانية بأنها كبيرة ولكنها غير كاملة، مؤكدا أن إيران قادرة على استئناف التخصيب خلال بضعة أشهر. ووفقا لتحليل الخبراء، فإن هذه التناقضات تعكس سياسة “الضغط الأقصى” التي ينتهجها ترامب لدفع إيران إلى القبول بشروط أكثر تشددا.

وأبرزت الصحيفة أن الولايات المتحدة لعبت دورا نشطا في دعم إسرائيل خلال الحرب التي استمرت 12 يوما، ونفّذت هجمات مباشرة على المنشآت النووية الإيرانية، في وقت تزامن مع إعلان واشنطن عن صفقة بيع معدات توجيه قنابل بقيمة 510 ملايين دولار لاسرائيل، مما يُظهر التزاما أميركيا بتعزيز القدرات العسكرية الإسرائيلية.

وبيّنت الصحيفة أن هذه الصفقة، التي تشمل أنظمة توجيه JDAM للقنابل الخارقة للتحصينات، تمنح إسرائيل القدرة على استهداف المنشآت النووية الإيرانية تحت الأرض، ما يشكل تهديدا مباشرا لأي مسار تفاوضي. وأوضحت أن هذا التطور، إلى جانب التصعيد العسكري، قد يدفع مستوى الثقة الإيرانية بالمسار الدبلوماسي إلى أدنى مستوياته.

مع ذلك، نقلت الصحيفة عن مجيد تخت روانجي، نائب وزير الخارجية للشؤون السياسية، أن الولايات المتحدة أرسلت رسائل عبر وسطاء- من بينهم دول خليجية كقطر- للتعبير عن رغبتها في استئناف المفاوضات. إلا أن طهران، بحسب التقرير، لا تزال ترى في غياب الوضوح الأمريكي بشأن وقف الهجمات العسكرية عائقا رئيسيا أمام بناء الثقة.

وبيَّن التقرير إلى أن هذا المشهد يعكس التحدي الأكبر أمام الجهود الدبلوماسية الراهنة على أنه كيف يمكن ترميم الثقة المتبادلة في ظل التهديدات العسكرية المستمرة؟ وأشارت إلى أن الحرب الأخيرة، بما خلفته من أضرار مادية وانعدام ثقة أعمق تجاه الولايات المتحدة، زادت من هشاشة أي مسار دبلوماسي بديل.

وتطرقت الصحيفة أيضا إلى تصاعد الغضب الشعبي في إيران، نتيجة استهداف منشآت مدنية، من بينها مراكز طبية وسجن إيفين، وسقوط عدد من الضحايا المدنيين، وهو ما زاد من الالتفاف الشعبي حول مشروع إيران النووي. كما لفتت إلى أن تعليق التعاون الإيراني مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، جاء كردّ مباشر على ما اعتبرته طهران “تقارير منحازة” صادرة عن غروسي، في مؤشر على تراجع ثقة طهران أيضا بالمؤسسات الدولية، من وكالة الطاقة الذرية إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة.

نقلت الصحيفة عن تخت روانجي وصفه للهدنة الراهنة بأنها «هشة» و«غير مضمونة»، في ظل غياب التزام واضح من واشنطن واسرائيل بوقف الهجمات. وأكد أن إيران ستبقى ملتزمة بالهدنة طالما لم تُستهدف، لكنها في الوقت ذاته تحتفظ بأقصى درجات الحذر. 

وأضافت الصحيفة أن هذه الهشاشة تتفاقم بفعل صفقات التسليح الجديدة، تصريحات ترامب التصعيدية، ما يُبقي الوضع على حافة الانفجار.

آفاق الدبلوماسية والتحديات المقبلة

 أوضحت الصحيفة أنه في ظل الأجواء المبهمة الراهنة والمستقبل غير المعلوم، يشكل شرط إيران للدخول في المفاوضات، والمتمثل بضمان عدم الاعتداء العسكري، تحديا أساسيا أمام الولايات المتحدة. إذ صرح تخت روانجي في مقابلة مع شبكة بي بي سي العالمية، بوضوح، بأنه على الولايات المتحدة أن تكون واضحة تماما في هذا الشأن. وبدون هذا الضمان، لا ترى إيران سببا للعودة إلى طاولة المفاوضات، خاصة مع تجاربها المريرة في مفاوضات مسقط التي توقفت بسبب هجمات مفاجئة.

وفي هذا السياق، قد يزيد بند غروب الاتفاق النووي من هشاشة الوضع. إذ مع اقتراب أكتوبر 2025، موعد انتهاء بعض القيود النووية على إيران، تتصاعد الضغوط الدولية. وقد تلجأ الدول الأوروبية إلى تفعيل آلية “الزر النووي” لإعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة، ما قد يرفع من حدة التوتر إلى ذروته.

وانتقد تخت روانجي بشدةٍ القادة الأوروبيين الذين، بدلا من إدانة هجمات الولايات المتحدة وإسرائيل، يبررونها، واصفا هذا الموقف بـ«السخيف». هذه السياسات الغربية ذات المعايير المزدوجة زادت من دائرة عدم الثقة في طهران.

وفي ظل استمرار هذه الأجواء، يبرز أحد السيناريوهات المحتملة وهو استمرار «الجمود الدبلوماسي الحالي»، إذ قد تمتنع إيران عن التفاوض دون ضمان عدم الاعتداء، رغم أن هذا الجمود قد يصاحبه تهديدات عسكرية متزايدة من الولايات المتحدة وإسرائيل، خاصة مع تعزيز القدرات العسكرية الإسرائيلية بأسلحة جديدة.

أما السيناريو الثاني، الذي يظهر في شكل «تصاعد التوترات»، فيتجلى في حال شرعت أمريكا أو إسرائيل بشن هجمات جديدة، حينها سيرد الإيرانيون بردٍّ عسكري مماثل للعمليات الأخيرة، ويصبح هذا السيناريو أكثر احتمالا مع اقتراب موعد انتهاء بند “الغروب”.

أما السيناريو الثالث، فيتمثل في «دبلوماسية مشروطة» قد تنجح إذا قدمت أمريكا ضمانات موثوقة، منها الالتزام بعدم الاعتداء أثناء المفاوضات، ما قد يدفع إيران للعودة إلى الحوار غير المباشر، حيث سيكون دور الوسطاء الإقليميين، مثل قطر، محوريًا في هذا الإطار.

كما بينت الصحيفة أن الشرط  الذي تطرحه إيران لاستئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة، وهو ضمان عدم الاعتداء العسكري، ردا منطقيا على تجربة الحرب التي دامت 12 يوما وخرق الولايات المتحدة المتكرر للعهود. 

وأوضحت أن تصريحات عراقجي وتخت روانجي تعكس عزم إيران على الحفاظ على استقلالها النووي والدفاع عن مصالحها الوطنية في مواجهة التهديدات الخارجية.

ورغم أن إيران لا تزال تترك أبواب الدبلوماسية مفتوحة، فإن الشكوك العميقة تجاه النوايا الأميركية، والدعم الثابت من واشنطن لإسرائيل، إضافة إلى الخطاب التصعيدي الذي يتبناه الرئيس الأمريكي  دونالد ترامب، كلها عوامل ساهمت في تعكير أفق المفاوضات.

واعتبرت الصحيفة بأن الهدنة الراهنة تُعدّ هشة للغاية، وأنه في ظل غياب خطوات جادة لبناء الثقة، فإن خطر تصاعد التوترات يظل قائما. وشددت على أن تفادي اندلاع صراعات جديدة يتطلب من الولايات المتحدة إظهار قدر أكبر من الشفافية والالتزام الصريح بوقف أي تحركات عسكرية، محذّرة من أنه في حال غياب ذلك، فإن المنطقة قد تنزلق إلى مواجهة جديدة.

واختتمت الصحيفة بالإشارة إلى أن دور الوسطاء الإقليميين والضغوط الدولية، لا سيما مع اقتراب موعد تفعيل “بند الغروب” في الاتفاق النووي، سيكون عاملا حاسما في تحديد مسار هذه الأزمة خلال المرحلة المقبلة.