مقتل داعية سني إيراني في إسطنبول  

تعيش الساحة الإيرانية منذ عقود على وقع توترات دينية متصاعدة تتقاطع فيها السياسة بالعقيدة، في ظل نظام يهيمن عليه المذهب الشيعي ويخضع فيه النشاط الديني السني لرقابة صارمة، وبينما تؤكد السلطات أن البلاد تسير على مبدأ المساواة بين المذاهب، تتواتر تقارير محلية ودولية ترصد تضييقا ممنهجا على علماء ودعاة أهل السنة، داخل البلاد وخارجها، عبر الاعتقالات أو تقييد الخطاب الديني أو الملاحقة الأمنية، وهو ملف ما انفك أن يغلق ليفتح، وتلك المرة على واقع حادثة اغتيال هزت إحدى العواصم الإسلامية.

فقد شهدت مدينة إسطنبول التركية حادثة اغتيال جديدة استهدفت أحد أبرز الوجوه الدينية المعارضة للنظام الإيراني في الخارج، حيث قتل الداعية الكردي السني مسعود نظري أمام منزله في منطقة أرناؤوط كوي بعد تعرضه لإطلاق نار مباشر من قبل مسلحين مجهولين.

ووفقا لتقارير إعلامية، فإن الحادثة وقعت مساء الثلاثاء 14 أكتوبر/تشرين الأول 2025، عندما عاد نظري إلى منزله في شارع صالح بحي إسلام‌ بيي التابع لمنطقة أرناؤوط كوي في مدينة إسطنبول، وبينما كان على وشك الدخول أطلق عليه أحد المهاجمين النار من مسافة قريبة، فأصيب بعدة رصاصات في الرأس والصدر، ما أدى إلى وفاته في الحال، فيما تمكن المهاجم من الفرار سيرا على الأقدام قبل وصول الشرطة إلى المكان.

وذكرت وكالة حال ‌وش الفارسية المعارضة أن فرق الإسعاف نقلت الضحية إلى أحد مستشفيات المنطقة، لكنه فارق الحياة بعد وقت قصير من وصوله متأثرا بجراحه البالغة، وقد باشرت الشرطة التركية تحقيقاتها الميدانية فور وقوع الحادث، حيث جرى تطويق موقع الجريمة وجمع الأدلة الجنائية، دون صدور أي بيان رسمي حول دوافع العملية أو هوية منفذيها حتى الآن.

ووفقا للمصدر السابق، فقد اتهمت عائلة نظري ومقربوه الحكومة الإيرانية بالوقوف وراء عملية الاغتيال، وقالوا إن مسعود قد تلقى تهديدات متكررة من الأجهزة الأمنية، وإن آثار ضلوع الأجهزة الأمنية الإيرانية في هذه الحادثة واضحة.

هذا وتتولى الأجهزة الأمنية التركية في الوقت الحالي التحقيق في تفاصيل الحادثة، فيما لم تعلن أي جهة أو فرد مسؤوليته عن عملية الاغتيال.

جدير بالذكر أنه ومنذ أيام قليلة، أعلنت السلطات في مدينة هرات الأفغانية عن مقتل رستم إجباري، وهو معارض بلوشي إيراني كان قد لجأ إلى أفغانستان بسبب التضييق عليه في إيران، ووفق مصادر محلية، فقد تعرض إجباري لإطلاق نار من قبل مسلحين مجهولين في شارع الجمارك بهرات، ما أدى إلى وفاته متأثرا بجراحه، في أسلوب مشابه للذي قتل به نظري.

هذا وكانت وسائل إعلام إيرانية قد نقلت خبر مقتله بوصفه عضوا بارزا في تنظيم جيش العدل، وهو تنظيم سني بلوشي مسلح معارض للنظام الإيراني ينشط في إقليم سيستان وبلوشستان، فيما نفت مصادر أفغانية هذه الادعاءات، مؤكدة أنه لم تكن له أي صلة بالتنظيم، ولم تصدر طالبان أو السلطات الإيرانية أي تعليق رسمي حول الحادثة.

من هو مسعود نظري؟

تحيط سيرة هذا الماموستا، وهو لفظ كردي يعني المعلم أو الشيخ، الكثير من الغموض وشح المصادر، إلا أن التقارير القليلة حوله تشير إلى أنه ينحدر من مدينة جوان رود بمحافظة كرمانشاه شمال غرب إيران، وهي منطقة ذات أغلبية كردية سنية، وقد ولد في أسرة متدينة، وبرز في شبابه كأحد طلاب العلوم الدينية في المدارس السنية المحلية، قبل أن يتدرج في النشاط الدعوي ليصبح داعية معروفا داخل الأوساط الكردية السنية.

تأثر نظري بالمدرسة السلفية الحركية، وكرس جهوده في الدعوة إلى إحياء الهوية السنية في إيران ضمن بيئة يغلب عليها الطابع الشيعي، ومع مرور الوقت، تحول إلى صوت منتقد لسياسات الدولة تجاه الأقليات الدينية، خاصة ما يتعلق بتهميش العلماء السنة وحرمانهم من المناصب الدينية الرسمية.

خلال العقد الأول من الألفية الجديدة، بدأ اسم نظري يبرز في المنابر الدينية ووسائل التواصل كأحد الدعاة الشباب الذين يطالبون بإصلاح ديني ومجتمعي داخل المناطق السنية. وقد زاد نشاطه خلال العقد الثاني، حين أعلن دعمه العلني للثورة السورية عام 2011، ما اعتبرته السلطات الإيرانية موقفا عدائيا، وأدى إلى تضييق متزايد عليه.

تعرض نظري، وفق مقربين منه، إلى مضايقات أمنية واستدعاءات متكررة في مدينته، قبل أن يقرر مغادرة إيران قبل أكثر من عشر سنوات، ليستقر في تركيا كلاجئ سياسي، وهناك، واصل أنشطته الفكرية والإعلامية بشكل محدود، مركزا على القضايا الدينية والاجتماعية الخاصة بالمجتمع السني الكردي في المهجر.

كذلك، تشير المصادر إلى أن نظري، الذي قتل في أواسط الأربعينيات من عمره، متزوج وله أطفال، كما يعرف أنه هادئ الطباع، قليل الظهور الإعلامي، لكنه محبوب في الأوساط الدينية الكردية لما عرف عنه من اعتدال في الخطاب وتمسك بالقيم الإسلامية.

إيران ورجال السنة.. منذ أيام الثورة وحتى اليوم

منذ قيام الثورة في إيران عام 1979، يعيش العلماء والدعاة السنة تحت رقابة أمنية ودينية مشددة، في ظل نظام يقوم على ولاية الفقيه الشيعية التي تمسك بكل مفاصل الدولة الدينية والسياسية، ورغم أن الدستور الإيراني يعترف بالمذاهب الإسلامية كافة، إلا أن التطبيق العملي كشف عن تهميش واضح للأقليات الدينية، خصوصا السنة الذين يمثلون ما بين سبعة إلى عشرة في المئة من السكان، والذين يتمركز أغلبهم في محافظات سيستان وبلوشستان وكردستان وكرمانشاه وهرمزجان، وهي مناطق حدودية ذات طابع قبلي وثقافي مميز، لكنها بقيت بعيدة عن التنمية وشديدة الحساسية أمنيا في نظر السلطات المركزية.

ومع تأسيس النظام الجديد بدأت مرحلة إعادة تشكيل المؤسسات الدينية، فاستبعد، حسب تقارير حقوقية، العلماء السنة من المناصب الرسمية في مجلس الخبراء أو القضاء الديني، وأُغلقت كثير من المدارس التابعة لهم أو أُخضعت لإشراف الدولة، ومنذ الثمانينيات، بدأت موجة من الاعتقالات شملت دعاة وأئمة مساجد اتّهموا بنشر الفكر السلفي أو التحريض على الانفصال، في حين تشير مؤسسات حقوقية إلى أن هذه التهم كثيرا ما كانت غطاء لملاحقة الأصوات الدينية المستقلة التي رفضت تبعية المنابر السنية للمؤسسة الدينية الرسمية في طهران أو قم.

علماء السنة.. بين رصاص الإرهاب وملاحقة الدولة

هذا وقد تعرض علماء الدين السنة في إيران خلال العقود الماضية لسلسلة من الاغتيالات التي استهدفت عددا من أبرز شخصياتهم الدينية في مختلف المحافظات ذات الغالبية السنية، ولا سيما في سيستان وبلوشستان وكردستان جلستان، كان آخرهم مولوي عبد الواحد ريغي، إمام جمعة خاش في محافظة سيستان وبلوشستان جنوب شرق البلاد، الذي اختطف وقتل في ديسمبر/كانون الأول 2022 على أيدي مجهولين أمام منزله في مدينة خاش القريبة من الحدود الباكستانية.

 قبله، وفي يونيو/حزيران من العام 2022، اغتيل مولوي محمد كريم حملي أثناء عودته من قريته في منطقة كلات التابعة لمدينة سرباز بالمحافظة نفسها، عندما أطلق عليه النار مسلحون مجهولون في الطريق الريفي المؤدي إلى قرية هنجوري، كما قتل مولوي عبد الغفور جمال ‌زهي عام 2018 برصاص مجهولين في قرية رضا آباد التابعة لمحافظة كلستان شمال شرق إيران، وهي منطقة يسكنها عدد من البلوش السنة قرب بحر قزوين.

وفي يناير/كانون الثاني 2012، لقي مولوي مصطفى جنك‌ زهي، إمام جمعة مسجد الخضراء بمدينة راسك في محافظة سيستان وبلوشستان، مصرعه بالرصاص في الطريق بين تشابهار وسرباز بعد خروجه من صلاة الجمعة، وهو من العلماء الذين تلقوا علومهم الدينية في باكستان وعرف بنشاطه الاجتماعي والدعوي في المنطقة.

أما في غرب البلاد، فقد شهدت محافظة كردستان عمليتي اغتيال بارزتين عام 2009، حيث قتل محمد شيخ الإسلام، عضو مجلس خبراء القيادة، في مدينة سنندج أمام مسجد سيد قطب بعد صلاة التراويح في سبتمبر/أيلول من ذلك العام، كما اغتيل بعد أيام قليلة برهان عالي، أستاذ جامعة طهران وإمام مسجد قبا في حي بهاران بالمدينة نفسها، عندما استدرج إلى خارج منزله بحجة سؤال ديني وتعرض لإطلاق نار مباشر أودى بحياته.

 وفي جنوب شرق البلاد أيضا، طالت الاغتيالات الشيخ علي دهواري، أحد علماء مدينة سراوان في محافظة سيستان وبلوشستان، الذي قتل في نوفمبر/تشرين الثاني 2008 أثناء تفقده أحد المساجد التي أسسها في المدينة، بعد أن كان إماما وخطيبا لمسجد النور وأحد مؤسسي مدرسة دار الحديث الشرعية.

ولم تقتصر معاناة رجال الدين السنة على الاغتيالات، بل امتدت إلى المحاكمات والإعدامات، ففي أغسطس/آب 2016 أعدمت السلطات الإيرانية خمسة وعشرين رجل دين وناشطا سنيا من مناطق مختلفة، بتهم العداء لله والإفساد في الأرض، وهي تهم فضفاضة تستخدم عادة ضد المعارضين السياسيين، وذكرت منظمة العفو الدولية أن المتهمين لم يسمح لهم بتوكيل محامين مستقلين وأن اعترافاتهم انتُزعت تحت التعذيب، كما وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقارير متفرقة إعدام عدد من الأئمة السنة في كردستان بتهم مشابهة، من بينهم الداعية محمد خضر نجد الذي خففت عقوبته لاحقا بعد ضغوط دولية.

أما في كردستان فقد تعرض العديد من العلماء للملاحقة أو الاعتقال، فقد اعتقل الإمام أحمد مفتاح، وهو أحد أبرز علماء السنة في سنندج، عام 2009 بعد إلقائه خطبة دعا فيها إلى المساواة الدينية ووقف الاعتقالات التعسفية في حق الشباب الكردي، كذلك أُوقف الخطيب المعروف مولوي إبراهيم كريمي عام 2017 بعد أن انتقد علنا تقييد بناء المساجد السنية في طهران والمدن الكبرى، وفي كل هذه الحالات نُسبت إلى العلماء تهم إثارة النعرات الطائفية أو الارتباط بجهات خارجية، بينما أكد ذووهم أنهم لم يتجاوزوا حدود النشاط الديني والاجتماعي.