- زاد إيران - المحرر
- إيران, ترامب, متميز
- 317 Views
كتب: الترجمان
دخل الصراع المباشر بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، مرحلة جديدة، وتحولت إلى حرب مشتعلة تستهدف العصب الحيوي للدول، متمثلا في البنية التحتية للطاقة، والمنشآت النووية، والخدمات الإنسانية.
وفي ظل التقارير الواردة من الداخل الإيراني والأنباء المتواترة من الولايات المتحدة، يبدو أن قواعد الاشتباك القديمة قد دُفنت تحت أنقاض المباني في أصفهان وخرمشهر، بينما تلوح في الأفق كارثة بيئية وإنسانية تهدد أمن الخليج العربي بأكمله، مدفوعة برغبة انتقامية واضحة عقب استشهاد القيادة العليا في إيران، مما جعل الصراع يتخذ طابعا وجوديا يتجاوز الحسابات السياسية التقليدية.
تصاعد لغة التهديد: استهداف البنية التحتية للطاقة
شهد الصراع منعطفا خطيرا بعد التهديدات الصريحة التي وجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، حيث وضع مهلة زمنية مدتها 48 ساعة لإعادة فتح مضيق هرمز بالكامل، مهدداً بتدمير محطات توليد الكهرباء الإيرانية، بدءاً من المنشآت الأكبر حجما.
يعكس هذا التهديد محاولة أمريكية للضغط الاقتصادي والخدمي بعد فشل واشنطن في حشد حلفاء دوليين (مثل ناتو، اليابان، وكوريا الجنوبية) للانضمام لتحالف عسكري في المضيق، مما دفع الإدارة الأمريكية لللوح باستهداف العمق الخدمي الإيراني كوسيلة لتعويض “الأخطاء الحسابية” السابقة بشأن قدرة إيران على إغلاق الممرات المائية.

استهداف العصب الحيوي: أصفهان وخرمشهر في عين العاصفة
في تصعيد ميداني خطير يعكس رغبة الحلف الأمريكي – الإسرائيلي في شل الحياة اليومية داخل المدن الإيرانية الكبرى، أفادت التقارير الصحفية بوقوع هجمات صاروخية وجوية استهدفت منشآت غاز وكهرباء حيوية.
ففي قلب مدينة أصفهان التاريخية والاستراتيجية، تعرض مبنى إدارة الغاز ومحطة تقليل الضغط في شارع “كاوة” لإصابة مباشرة، مما أدى إلى أضرار جسيمة لم تقتصر على المنشأة فحسب، بل امتدت لتطال المنازل السكنية المحيطة، وهو ما يشير إلى تحول تكتيكي نحو استهداف مراكز التوزيع التي تمس حياة المواطن البسيط بشكل مباشر.
وبالتزامن مع ذلك، شهدت مدينة خرمشهر الحدودية سقوط قذيفة في محيط محطة خط الغاز المغذية لمحطة كهرباء المدينة، ورغم تأكيدات السلطات المحلية بعدم وقوع خسائر بشرية، إلا أن الرسالة العسكرية كانت واضحة وهي السعي لتفكيك شبكة الطاقة الإيرانية قطعة قطعة، لخلق حالة من السخط الشعبي والضغط الداخلي عبر قطع الإمدادات الأساسية.

الرد الإيراني واستراتيجية “الأهداف المقابلة”
في المقابل، جاء الرد الإيراني سريعا وحاسما عبر المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء “إبراهيم ذو الفقاري” عن معادلة ردع شاملة. ولم يقتصر التهديد الإيراني على استهداف منشآت الوقود والطاقة التابعة للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة فحسب، بل اتسعت دائرة الأهداف المحتملة لتشمل بنية تكنولوجيا المعلومات ومحطات تحلية المياه.
يشير هذا التصعيد إلى أن أي مساس بالبنية التحتية الإيرانية سيواجه برد يطال مفاصل الحياة الحيوية للوجود الأمريكي والقواعد التابعة له في المنطقة، مما يضع أمن الطاقة العالمي أمام سيناريوهات كارثية تتجاوز مجرد أسعار النفط.

فاتورة الدماء في قطاع الخدمة العامة
وسط أزيز الطائرات وصوت الانفجارات، برزت جبهة أخرى لا تقل ضراوة وهي جبهة الحرب السيبرانية. فرغم مسارعة وزارة الطاقة الإيرانية لنفي وقوع هجمة سيبرانية “شاملة” قادرة على تعطيل شبكة المياه بالكامل، إلا أن البيان الرسمي تضمن اعترافا مبطنا بحجم التحدي، حيث كشف عن تعرض قطاعي الماء والكهرباء لأكثر من ألفي هجمة وصفها بالـ “عمياء والوحشية”.
إن الصمود الإيراني في هذا القطاع لم يكن تقنيا فحسب، بل كان بشريا أيضاًحيث قدم قطاع الخدمة العامة أكثر من عشرة قتلى ومئات الجرحى خلال محاولاتهم المستمرة لترميم الأضرار الناتجة عن القصف تحت النيران لضمان استمرارية الشبكة.
هذا التداخل بين الهجمات المادية على الأرض والهجمات الافتراضية في الفضاء السيبراني يؤكد أن الاستراتيجية الأمريكية تهدف إلى إحداث “شلل عضوي” في مفاصل الدولة الإيرانية، وهو ما تواجهه طهران باستنفار كوادرها الفنية على مدار الساعة.
استغاثة الهلال الأحمر من تحت الأنقاض
لم تسلم المنشآت الطبية والإسعافية من رحى هذه الحرب الضروس، حيث تجاوز القصف الأهداف العسكرية ليطال البنية التحتية الصحية بشكل ممنهج. في رسالة رسمية شديدة اللهجة وجهها رئيس جمعية الهلال الأحمر الإيراني إلى منظمة الصحة العالمية، تم الكشف عن أرقام مرعبة تعكس حجم الانتهاكات الصارخة للقانون الدولي الإنساني.
فقد طال الدمار والضرر نحو 292 مركزا علاجيا وإسعافيا، شملت مستشفيات كبرى وصيدليات ومراكز تابعة للهلال الأحمر، بالإضافة إلى تدمير 48 سيارة إسعاف. هذه الهجمات أدت إلى استشهاد 22 من الكوادر الطبية وإصابة العشرات، مما وضع النظام الصحي الإيراني في حالة حرجة، خاصة مع خروج 13 مستشفى كليا عن الخدمة وإجلاء سبعة أخرى.
إن هذا الاستهداف الممنهج للمؤسسات الصحية يمثل انتهاكا فجا لاتفاقيات جنيف، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية للتدخل ومنع تحويل المستشفيات إلى ساحات قتال.

“الرأس مقابل العين”: لغة الوعيد والردع الجديد
على الصعيد العسكري والسياسي، جاء رد الفعل الإيراني محملا بلغة الوعيد التي تعكس تحولا جذريا في عقيدة الردع عقب فقدان القيادة العليا. القائد الأسبق للحرس الثوري، محسن رضائي، كان قد وجه رسالة مباشرة وحادة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، محذرا من أن أي استهداف إضافي للبنية التحتية للطاقة لن يُقابل برد متماثل فحسب، بل برد يفوق التوقعات بمراحل.
وأكد رضائي أن السياسة الإيرانية الجديدة في “حرب رمضان” لن تكتفي بمبدأ “العين بالعين”، بل ستنتقل إلى مبدأ “الرأس مقابل العين”، متوعدا بإغراق القوات الأمريكية في مياه الخليج وتكبيدها خسائر تشل حركتها العالمية.
هذا التصعيد الكلامي ترافق مع عمليات ميدانية إيرانية استهدفت القواعد الأمريكية في المنطقة ومواقع أمنية في العمق الإسرائيلي، مما يشير إلى أن طهران قررت الذهاب إلى أبعد مدى في هذه المواجهة، معتبرة أن كلفة التراجع الآن أكبر بكثير من كلفة الاستمرار.

الارتداد العكسي: انفجار تكساس ونيران الأسعار في الداخل الأمريكي
بينما كانت الصواريخ تسقط في أصفهان، لم تكن الولايات المتحدة في مأمن من ارتدادات هذه الحرب، حيث شهدت مصفاة “فالرو” في مدينة بورت آرثر بولاية تكساس انفجارا ضخما أدى لاهتزاز المنازل المحيطة وتصاعد أعمدة الدخان الأسود في سماء الولاية.
ورغم محاولات السلطات الأمريكية التقليل من شأن الحادث واعتباره ناتجا عن خلل فني في “سخان صناعي”، إلا أن توقيت الانفجار المتزامن مع التهديدات الإيرانية أثار شكوكا واسعة حول كونه ردا استخباراتيا أو سيبرانيا إيرانيا استهدف قلب صناعة النفط الأمريكية.
النتائج الاقتصادية لهذا الانفجار، جنبا إلى جنب مع تعطل الملاحة في مضيق هرمز، كانت فورية ومؤلمة للمواطن الأمريكي، حيث قفزت أسعار البنزين بنسبة 33% خلال شهر واحد فقط، لتصل إلى مستويات قياسية أثقلت كاهل المستهلكين وأربكت حسابات الإدارة الأمريكية التي بدأت تواجه سخطاً داخلياً متزايداً بسبب كلفة الحرب المفتوحة مع إيران.

تحذيرات الدوحة: شبح “تشيرنوبل خليجية” يهدد البقاء
من أكثر الزوايا رعبا في هذا المشهد الملتهب هو التحذير الذي أطلقه رئيس الوزراء القطري، محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، حول المخاطر الكارثية التي تحدق بدول الخليج في حال استهداف محطة بوشهر النووية.
لقد أوضح المسؤول القطري أن دول المنطقة، ومن بينها قطر والكويت والإمارات، تعتمد كليا في شربها وحياتها على محطات تحلية مياه البحر، وأي تسرب إشعاعي ناتج عن القصف سيؤدي إلى تسمم مياه الخليج فورا، مما يعني القضاء على سبل الحياة في غضون أيام قليلة.
إن التحذير القطري نبع من رصد تحركات وعمليات عسكرية خطيرة بالقرب من المفاعل النووي الإيراني النشط، وهو ما اعتبرته الدوحة تهديدا “وجوديا” للمنطقة برمتها.
هذا الموقف القطري يعكس خشية الدول العربية المطلة على الخليج من أن تتحول الحرب بين واشنطن وطهران إلى كارثة بيئية عابرة للحدود تقتل الملايين عطشاً وتلوث البيئة البحرية لعقود قادمة.
مستقبل معلق على فوهة مدفع وأسئلة البقاء
لم تعد الحرب الدائرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى مجرد جولة أخرى من الصراع، بل هي إعادة رسم لخارطة القوى في الشرق الأوسط بالدماء والنار. لقد أثبتت الوقائع الميدانية أن سياسة استهداف البنى التحتية هي سلاح ذو حدين؛ فبينما تحاول واشنطن وتل أبيب خنق طهران داخليا، ترد الأخيرة بنقل المعركة إلى جيوب المواطن الأمريكي وسوق الطاقة العالمي.
إن التهديد الإيراني بـ “الرأس مقابل العين” والتحذير القطري من فناء الحياة في الخليج يضعان العالم أمام حقيقة واحدة: لا يوجد رابح في هذه المواجهة إذا ما استمرت وتيرة التصعيد نحو المنشآت النووية ومحطات الطاقة الكبرى.
ويبقى السؤال المفتوح الذي يفرض نفسه على طاولة المجتمع الدولي: هل يمتلك النظام الدولي، المترهل حاليا، القدرة على لجم هذا التصعيد قبل أن تتحول مياه الخليج إلى إشعاعات قاتلة أو أن يتم استهداف محطات التحلية إذا ما ازدادت وتيرة التصعيد؟
وهل ستجبر الضغوط الاقتصادية وانفجار أسعار الوقود الإدارة الأمريكية على الجلوس إلى طاولة المفاوضات بشروط طهران الجديدة، أم أننا أمام بداية “حرب عالمية مصغرة” ستنتهي بتغيير وجه المنطقة الجغرافي والسياسي إلى الأبد؟ إن الصمت الدولي الحالي قد يكون الهدوء الذي يسبق العاصفة الكبرى التي لن تستثني أحداً.

