- زاد إيران - المحرر
- 782 Views
كتبت: نادية مبروك
في سماء الشرق الأوسط المضطربة، تقف إيران اليوم على مفترق طرق، بعد موجة ضربات جوية إسرائيلية-أمريكية مدمرة استهدفت قلب دفاعاتها الجوية في يونيو/حزيران 2025، دخلت المنطقة مرحلة تهدئة غامضة، بوساطة غير متوقعة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
هذا الاتفاق الثلاثي الهش بين طهران وتل أبيب وواشنطن أتاح لإيران فرصة ذهبية لإعادة ترتيب أوراقها الدفاعية لكن، وسط تصريحات طهران الواثقة عن إعادة نشر أنظمة دفاع جوي من مخازنها السرية، يبرز تساؤل ملح: هل تستطيع هذه الأنظمة المستعادة أن تصمد أمام تهديدات العصر الحديث، أم أنها مجرد واجهة دعائية لتغطية الجراح؟
في ليلة مظلمة من ليالي يونيو/حزيران 2025، أضاءت السماء الإيرانية بانفجارات مدوية، الضربات الجوية الإسرائيلية، بدعم لوجستي أمريكي، استهدفت شبكة الدفاع الجوي الإيرانية بضراوة غير مسبوقة، ركزت الهجمات على مواقع استراتيجية تحمي المنشآت النووية في نطنز وأصفهان وفوردو، إضافة إلى مراكز عسكرية حيوية في شيراز ويزد.
بحسب تقرير للكاتب الأمريكي المقرب من الجهات الأمنية ديفيد إغناتيوس في واشنطن بوست، ألحقت هذه العمليات “أضرارا كارثية” بالبرنامج النووي الإيراني، مؤخرة تقدمه لسنة على الأقل، وربما أكثر.

الخسائر لم تقتصر على المنشآت النووية، الضربات الإسرائيلية، التي استخدمت فيها طائرات مسيرة متطورة مثل Harop المزودة بالذكاء الاصطناعي، دمرت أربع بطاريات من نظام خرداد 15 ونظام طبس الإيرانيين، إضافة إلى نصف مخزون إيران من الصواريخ الباليستية- نحو 1500 صاروخ من أصل 3000- و80% من منصات الإطلاق البالغ عددها 500.
تقديرات عسكرية غربية أفادت بأن 25 إلى 30% من شبكة الدفاع الجوي الإيرانية أصبحت خارج الخدمة، بينما أشار مسؤول في سلاح الجو الإسرائيلي، في تصريح للإذاعة الإسرائيلية، إلى أن 80% من قدرات سلاح الجو الإيراني قد دُمرت.
معهد دراسات الحرب (ISW) أكد أن إسرائيل ركزت على تفكيك خط الدفاع الأول لإيران، وهي منظومات الرادار بعيدة المدى مثل باور 373 وخرداد، هذه الضربات تركت ثغرات واسعة في الدرع الجوي الإيراني، مما منح إسرائيل تفوق جوي مؤقت يتيح لها تنفيذ عمليات لاحقة بسهولة أكبر.
من الأعماق إلى الجبهة.. إعادة نشر الدفاعات
في مواجهة هذا الدمار، لجأت إيران إلى مخزونها الاستراتيجي السري، محمود موسوي، نائب قائد عمليات الجيش الإيراني في تصريحات رسمية، أعلن أن طهران نجحت في إعادة نشر أنظمة دفاع جوي بديلة، مستخرجة من مخازن تحت الأرض في كرج وأراك، كما أظهرت صور أقمار صناعية من Maxar وISI، وأشار إلى قدرة الدفاع الجوي في تأمين أجواء البلاد وقال: “العدو الإسرائيلي سعى إلى تدمير القدرات الدفاعية الإيرانية، وقد تضررت بعض منظوماتنا الدفاعية في هذه الحرب، ولكن بفضل جهود رفاقي تم استبدال المنظومات المتضررة ونشرها في مواقع محددة مسبقا”.
وتابع: “لقد تمكنا من تغطية المجال الجوي للبلاد وضمان أمن أجواء إيران العزيزة من خلال استخدام الأنظمة الموجودة واستبدالها بأنظمة جديدة، لذلك لم يتمكن العدو من تحقيق أهدافه رغم محاولاته اليائسة”.
وشدد موسوي على ضرورة تحديث وإعادة تنظيم الأنظمة، والإبداع، واستخدام تكتيكات وتقنيات جديدة، والابتكار بما يتماشى مع تهديد العدو، والتركيز على المرونة العملياتية، والاستفادة من القدرات والتقنيات العلمية المحلية، وقال: “إذا عاود العدو مهاجمة بلدنا الحبيب إيران، فسيتلقى بعون الله ضربات ساحقة أشد من ذي قبل، وسيُلحق به هزيمة نكراء”.
هذه الأنظمة شملت:
• باور 373: النظام الإيراني المتقدم، المصمم ليكون منافسا لـS-300 الروسي، بمدى يصل إلى 300 كيلومتر وارتفاع 30 كيلومترا، قادر على التصدي للطائرات المقاتلة والصواريخ الباليستية.
• خرداد 3: نظام متوسط المدى، فعال ضد الطائرات المسيرة والمقاتلات، بمدى 105 كيلومترات.
• رعد ومرصاد: أنظمة قصيرة ومتوسطة المدى، مصممة لحماية الأهداف الحيوية من الهجمات المنخفضة.

كما رصدت رادارات الشبكة الوطنية طائرات مسيّرة معادية حاولت اقتحام منطقة التدريب. بعد رصد وتحديد هويتها في مركز خاتم الأنبياء، سلّمت القوات الجوية النظام المحلي “15 خرداد” المهمة، ليطلق صاروخ “الصياد” بدقة ويدمّر الأهداف المهاجمة بنجاح، وتعد منظومة صواريخ “15 خرداد” هي منظومة دفاع جوي متوسطة المدى، قادرة على التعامل بفعالية مع مجموعة واسعة من الأهداف ذات القدرات الهجومية العالية، مثل طائرات الاستطلاع والقاذفات والمقاتلات التكتيكية، حتى مدى يصل إلى 200 كيلومتر.
وتتمتع منظومة الدفاع الجوي “15 خرداد” بالقدرة على اكتشاف وتتبع 6 أهداف في وقت واحد وتدميرها بمجموعة متنوعة من الصواريخ المحلية الصنع مثل صياد 2 و3، على الرغم من هذه الجهود، أشارت تقارير غربية إلى أن هذه الأنظمة، رغم سرعتها في الانتشار، تعاني من قيود تقنية، الكثير منها يعتمد على تكنولوجيا قديمة نسبيا، مما يجعلها أقل فعالية ضد الطائرات المزودة بتقنيات التخفي مثل F-35 الإسرائيلية.
روسيا والصين وكوريا الشمالية.. دعم محدود أم حلول مبتكرة؟
في ظل العقوبات الدولية والقيود الروسية على تصدير قطع غيار أنظمة S-300 وS-400 منذ اندلاع الحرب الأوكرانية، اضطرت إيران إلى الاعتماد على قدراتها المحلية.
تقارير استخباراتية غربية أشارت إلى أن طهران ربما حصلت على مكونات من نظام KN-06 الكوري الشمالي عبر شبكات تهريب بحرية سرية ومع ذلك، لا توجد أدلة قاطعة تؤكد هذه المزاعم حتى الآن.
إيران، بدورها، استخدمت الهندسة العكسية لتطوير أنظمة محلية، لكن التكامل بين هذه المكونات وأنظمتها الأصلية لا يزال غير مثالي، هذا النقص في التكامل يضعف القدرة على مواجهة هجمات جوية معقدة، خاصة تلك التي تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة.
تزعم إيران أن أنظمتها الجديدة أثبتت فعاليتها في تجارب داخلية، حيث أسقطت أهدافا بسرعة 4 ماخ على ارتفاع 24 كيلومترا، لكن هذه الادعاءات لم تُختبر في ظروف قتالية حقيقية منذ بدء وقف إطلاق النار في 24 يونيو/ حزيران 2025.
تسلمت إيران أنظمة دفاع جوي أرض-جو صينية الصنع، وهي الخطوة التي تأتي كجزء من جهود طهران السريعة لإعادة بناء أنظمة الدفاع التي دمرتها إسرائيل خلال الصراع الأخير الذي استمر 12 يوما.
مسؤول عربي تحدث إلى موقع “ميدل إيست آي” ونشره موقع “إطلاعات” الإيراني، شريطة عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية الموضوع، إن حلفاء أمريكا العرب على دراية بجهود طهران “لتعزيز وإعادة بناء” أنظمة دفاعها الجوي، كما أن البيت الأبيض على دراية بالتقدم الذي أحرزته إيران في هذا الصدد، ولم يذكر المسؤولون عدد أنظمة الصواريخ أرض-جو التي تلقتها إيران من الصين منذ نهاية الصراع، لكن أحدهم قال إن إيران تدفع ثمن هذه الأنظمة بشحنات النفط.
وتعد الصين أكبر مستورد للنفط الإيراني، وقدرت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية في تقرير صدر في مايو/أيار 2025 أن ما يقرب من 90% من صادرات إيران من النفط الخام ومكثفات الغاز تذهب إلى الصين، وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، واصلت الصين استيراد كميات غير مسبوقة من النفط الإيراني على الرغم من العقوبات الأميركية، مستخدمة دولا مثل ماليزيا كنقطة عبور لإخفاء أصل النفط، وقال المسؤول العربي الثاني لموقع “ميدل إيست آي”: “يلجأ الإيرانيون إلى طرق إبداعية لإدارة الأعمال”.
معهد دراسات الحرب أشار إلى أن الأنظمة البديلة، رغم سرعتها في الانتشار، أقل كفاءة من سابقاتها، مما يجعل إيران عرضة للخطر في مواجهة هجمات جوية متقدمة.
مجلس وزراء حرب
وقف إطلاق النار، الذي توسط فيه ترامب، منح إيران فترة راحة لإعادة بناء دفاعاتها، لكن هذه الهدنة ليست نهاية المواجهة، إسرائيل أعلنت أنها تحتفظ بحق استئناف العمليات إذا رصدت أي تهديد نووي متجدد، بينما تواصل الولايات المتحدة نشر طائرات استطلاع وأساطيل بحرية في الخليج لمراقبة التحركات الإيرانية.

من جانبها، شكلت إيران “مجلس الدفاع القومي الأعلى” برئاسة علي بزشكيان والمجلس الأعلى للأمن القومي ويتولى علي لاريجاني أمانته في خطوة تهدف إلى تنسيق الإصلاحات العسكرية مع المفاوضات الدبلوماسية، هذا المجلس يعكس استراتيجية طهران لتحويل الهدنة الهشة المؤقتة إلى فرصة لإعادة هيكلة دفاعاتها، مع التركيز على تعزيز القدرات المحلية وتقليل الاعتماد على الدعم الخارجي.
وفي مقابلة مع وكالة “أنباء خبر أونلاين”، في إشارة إلى وجود لاريجاني في أهم مؤسسة أمنية في البلاد، قال الناشط السياسي الإصلاحي حميد رضا جلائي بور: “إن قرار تعيين علي لاريجاني أمينا لمجلس الأمن القومي يعكس قرار الحكومة بمراجعة السياسات وتنفيذها بشكل أقوى، كما إن تشكيل مجلس الدفاع جاء نتيجة دراسة أجرتها السلطات بعد حرب الأيام الاثني عشر، ويبدو أن الحكومة تأخذ عودة الحرب على محمل الجد، وتعتزم التعامل مع الوضع بسرعة وفعالية أكبر من خلال تشكيل مجلس دفاع، وحتى في حال عدم اندلاع حرب، سيركز هذا المجلس بشكل أكبر على تعزيز الشؤون الدفاعية، هذا القرار في الواقع بمثابة “مجلس وزراء حرب دفاع” لمواجهة حالة حرب أو تعزيز القدرات الدفاعية.
إعادة بناء أم وهم القوة؟
بسرعة ملحوظة، نجحت إيران في إعادة نشر أنظمة دفاعية من مخزونها الاستراتيجي، مستفيدة من خطط طوارئ محكمة، لكن التحديات لا تزال قائمة: الفجوات التقنية، ضعف التكامل بين الأنظمة، والاعتماد على تكنولوجيا قديمة نسبيا تضع حدودا لقدراتها الدفاعية.
المرحلة المقبلة ستكون حاسمة، إذا نجحت إيران في استغلال هذه الهدنة لتطوير شبكة دفاع جوي أكثر مرونة وتكاملا، فقد تستعيد جزءا من هيبتها العسكرية، لكن إذا ظلت الثغرات قائمة، فقد تكون هذه الهدنة مجرد استراحة محارب قبل جولة جديدة من التصعيد.
في سماء الشرق الأوسط، حيث الصواريخ لا تنام، يبقى السؤال: هل ستنجح إيران في استعادة درعها الجوية، أم أنها تواجه تحديا يفوق قدراتها؟

