من الشكر إلى الاتهام… حرب تصريحات بين ترامب وخامنئي

Image

تجددت حدة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران على خلفية موجة الاحتجاجات التي شهدتها المدن الإيرانية، لتتحول سريعا إلى سجال سياسي وإعلامي علني بين أعلى مستويين في السلطة في البلدين، فقد تداخلت رسائل الشكر والتهديد، والدعوات إلى التهدئة مع اتهامات مباشرة بالمسؤولية عن العنف وسقوط آلاف الضحايا، في مشهد يعكس عمق الأزمة وتعقيدها. وبين تصريحات متناقضة ومواقف متصاعدة، بدا الخطاب المتبادل كاشفا عن صراع إرادات سياسي يتجاوز حدود التصريحات، ويضع مستقبل العلاقة بين واشنطن وطهران أمام مسارات شديدة الحساسية وعدم اليقين.

قد بدأ الجدل العلني بين واشنطن وطهران بتصريح مفاجئ من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، صباح السبت 17 يناير/ كانون الثاني 2025، الذي وجه شكرا علنيا للقيادة الإيرانية عقب إعلان إلغاء تنفيذ أكثر من 800 حكم إعدام كان من المقرر تنفيذها بحق محتجين، ذلك حسب تصريحاته. وكتب ترامب في منشور على منصته الاجتماعية ثروت سوشيال أن هذا القرار يعكس خطوة تستحق الاحترام، معتبرا أن إلغاء تلك الإعدامات هو أفضل قرار اتخذته القيادة الإيرانية في تلك المرحلة، فيما جاء هذا الموقف بعد أيام من تحذيرات أميركية لطهران من عواقب خطيرة في حال استمرار قمع الاحتجاجات.

Image

غير أن هذا الشكر لم ينه حالة التوتر، بل سرعان ما تلاه تصعيد غير مسبوق في السجال السياسي، خاصة بعد أن خرج المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي بخطاب حاد في اليوم نفسه وصف فيه الرئيس الأميركي بالمجرم، محملا إياه مسؤولية ما وصفه بالخسائر والدمار والافتراءات التي لحقت بالشعب الإيراني، وقال خامنئي إن الاحتجاجات التي اندلعت منذ أواخر ديسمبر/ كانون الأول لم تكن سوى فتنة أميركية، على حد تعبيره، مؤكدا أن ترامب تدخل شخصيا فيها وشجع من وصفهم بمشعلي الفتنة، بل وذهب إلى حد الوعد بالدعم العسكري والتهديد بتوجيه ضربة لطهران.

Image

على أن ذلك لم يكن أكثر ما يلفت في خطاب خامنئي، فخلال حديثه تناول المرشد الإيراني ما حدث خلال الاحتجاجات الأخيرة مقسما المحتجين إلى فئات، موجها الاتهام مجموعة منهم بالارتباط بأجهزة استخبارات أجنبية وتلقي التمويل والتدريب، ومتهما فئة أخرى بالتخريب والحرق وقتل المدنيين، بمن فيهم الأطفال، فيما اعتبر أن هؤلاء يتحملون مسؤولية مقتل آلاف الأشخاص، وفي الوقت ذاته شدد على أن كسر شوكة الفتنة قد تحقق، متوعدا بملاحقة ما سماهم المجرمين الداخليين والدوليين، مع تأكيده أن إيران لا تنوي دفع البلاد نحو الحرب.

رد الرئيس الأميركي لم يتأخر، لكنه جاء هذه المرة بنبرة سياسية مباشرة تتجاوز التحذير إلى التشكيك بشرعية القيادة الإيرانية نفسها، فحسب وسائل إعلام أمريكية وبعد اطلاع ترامب على سلسلة من الرسائل العدائية التي نشرها خامنئي على منصة إكس، قال ترامب إنه يعتبر المرشد الإيراني المسؤول المباشر عن الدمار الكامل لبلاده، مضيفا أن الوقت قد حان للبحث عن قيادة جديدة في إيران، في تصريح يعكس انتقالا واضحا من الضغط السياسي إلى طرح فكرة التغيير في رأس السلطة.

Image

ترامب، الذي كان قد لوح خلال الأسابيع السابقة بإمكانية اللجوء إلى الخيار العسكري، بدا، حسب مراقبون، متقلبا في نبرته إذ انتقل من التهديد إلى الإشادة بإلغاء الإعدامات، ثم عاد إلى توجيه انتقادات لاذعة لطهران، وأكد في أكثر من مناسبة أن القيادة الإيرانية تعتمد على ما وصفه بأدوات القمع والخوف والموت للبقاء في الحكم.

كما كان ترامب قد وجه في مرحلة سابقة خطابا مباشرا إلى الإيرانيين، دعاهم فيه إلى مواصلة الاحتجاجات والسيطرة على المؤسسات، مؤكدا أن المساعدة في الطريق، قبل أن يعلن لاحقا أنه تلقى معلومات تفيد بتوقف عمليات القتل، وهو ما دفعه إلى تخفيف لهجته مؤقتا.

هذا التبادل الحاد في التصريحات يعكس مستوى غير مسبوق من التوتر اللفظي بين واشنطن وطهران في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، فمن جهة، تتهم القيادة الإيرانية الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف خلف ما تصفه بمحاولة ضرب إيران وزعزعة استقرارها، ومن جهة أخرى، يحمل الرئيس الأميركي المرشد الإيراني مسؤولية العنف وسقوط آلاف الضحايا، ويطرح علنا مسألة تغيير القيادة السياسية في البلاد.

وبين الشكر الأميركي على إلغاء الإعدامات، والاتهامات المتبادلة بالمسؤولية عن القتل والدمار، والتصريحات المتأرجحة بين التهديد العسكري والدعوة إلى قيادة جديدة، يبقى المشهد مفتوحا على احتمالات متعددة، في ظل غياب مؤشرات واضحة على تراجع هذا التصعيد الكلامي المتسارع بين الطرفين.