- زاد إيران - المحرر
- 445 Views
نشرت صحيفة “قدس أونلاين”، الثلاثاء 9 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا أفادت فيه بأن التحدي الأكبر أمام الاقتصاد الإيراني لا يكمن في نقص الأفكار والسياسات الصحيحة، بل في التنفيذ الخاطئ والناقص الذي يفرغ هذه السياسات من مضمونها ويبعدها عن أهدافها الأساسية.
السياسات تُنفّذ بشكل خاطئ
ذكرت الصحيفة أن الخبير الاقتصادي رضا غلامي حذّر في قراءة تحليلية لهذا الفارق، من أنّ “المشكلة لا تكمن في قلة الأفكار الصحيحة، بل في التنفيذ الناقص، المنحاز وأحيانا المتعمد للسياسات، وهو ما يبعدها عن أهدافها الأولية”.
وأوضح أنّ “السياسات تُنفّذ بشكل خاطئ أو ناقص أو مثير للجدل إلى حدّ يجعل حتى المؤيدين لها يتحولون إلى معارضين ومنتقدين”.
وأضاف أنّ المنفّذ لسياسة اقتصادية معيّنة، إذا لم تكن متوافقة مع رؤيته وقناعته، أو إذا تكبّد من تنفيذها خسائر مالية شخصية أو جماعية، فإنه من خلال تطبيقها بشكل معيب، وتضخيم عيوبها والتقليل من فوائدها، يهيئ الظروف لكي يجمع عدد أكبر من الأشخاص على اعتبارها سياسة غير مجدية.
وتابعت أن غلامي أشار بأسف إلى أنّ هذه الظاهرة في إيران بارزة للغاية، إذ إنّ الهيكل الخبير في الجهاز الحكومي لا يشهد تغيّرا ملموسا مع تغيّر رؤية رئيس الجمهورية وكبار المديرين.
وبيّن أنّه من خلال عدة أمثلة واقعية يمكن ملاحظة كيف أنّ سياسة صحيحة قد تنزلق إلى الابتذال والانحراف بفعل السلوكيات النفعية- سواء كانت مالية أو فكرية أو أيديولوجية- لبعض المنفّذين.
النظام المالي والمصرفي
ذكرت صحيفة “قدس أونلاين” أن “الهدف الأساسي من إعداد وإقرار قانون المصرفية من دون ربا، الذي جرى اعتماده بعد انتصار الثورة الإسلامية في 1 سبتمبر/أيلول 1983، كان إزالة الربا من النظام المالي والمصرفي لإيران، وذلك عبر إصلاحات في العقود المالية وآلية تلقي الودائع ومنح التسهيلات”.
وأوضحت أن “هذا القانون أعاد تعريف جميع العمليات المصرفية والعقود المالية والضوابط التي تنظم العلاقة بين المصرف والمودع والمستفيد من التسهيلات، بحيث تتوافق مع الضوابط الإسلامية والشرع المقدس”.
وتابعت أن “المصارف، رغم التدابير المنصوص عليها في القانون، انحرفت في التنفيذ عن الالتزام الكامل بالضوابط والعقود، حيث قامت في الغالب بتحويل العقود إلى صورية”.
وأشارت إلى أن بعض العقود أصبحت شكلية بسبب صعوبة شروط الرقابة، وبعضها الآخر بسبب مصالح المصارف والعاملين فيها، أو نتيجة المحاباة بين مديري الفروع والمستفيدين، وغيرها من الأسباب، الأمر الذي أدى إلى تنفيذ ناقص أو صوري للعقود، وبيّنت أن النتيجة تمثّلت في شيوع تصور عام بين الناس مفاده أن هذا النظام المصرفي لا يختلف عن النظام المصرفي التقليدي المتعارف في الاقتصادات غير الإسلامية.
وأضافت أن ما عزّز هذا التصور ومنع تحقيق الأثر الإيجابي الكامل لقانون المصرفية من دون ربا- والمتمثل في السيطرة على التضخم وتحقيق الاستقرار الاقتصادي- هو التطبيق الخاطئ والناقص للعقود الإسلامية داخل الهيكل المصرفي.
وأشارت إلى أن “غياب البنى التحتية اللازمة للتنفيذ الدقيق للقانون، والمحاباة في منح التسهيلات وتلقي الودائع، فضلا عن مصلحة المصارف في صورية العقود وتجاوز العقود الشرعية، كانت من أبرز العوامل التي وضعت موضع شك قدرة المالية الإسلامية على تأمين الموارد وتخصيصها بشكل أمثل، إلى حد أن الأصوات تتعالى اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن المالية والاقتصاد الإسلامي غير فاعلين ولا يمتلكان القدرة على حل مشكلات المجتمع”.

سياسة إعادة عوائد الصادرات
ذكرت الصحيفة أن أي عقل سليم يدرك أنه في ظل الظروف التي يعاني فيها البلد من شحّ الموارد من العملات الأجنبية اللازمة لتأمين مستلزمات الإنتاج وحاجات المواطنين، ومع غياب إمكانية توفير السلع عبر الشراء طويل الأمد أو بنظام النسيئة على الصعيد الدولي، فإن سياسة الالتزام بإعادة العوائد من الصادرات ليست خيارا بل هي إلزام.
وأوضحت أن جميع المصدّرين يجب أن يُلزموا بإعادة العملات الصعبة الناتجة عن صادراتهم إلى الدورة الاقتصادية، بما يتماشى مع الأهداف التي يحددها صانعو السياسات.
وتابعت أن بعض الأفراد والمجموعات لا يوافقون على هذه السياسة لأسباب مختلفة، وأبرز المعارضين هم أولئك المصدّرون الذين ليسوا منتجين بالأساس، أو الذين دخلوا هذا المجال على نحو قصير الأمد ولأهداف محددة ومرحلية.
وأشارت إلى أن هؤلاء غالبا ما يسعون من خلال التصدير إلى تهريب رؤوس الأموال أو تحقيق أرباح طائلة وسريعة جراء ارتفاع سعر الصرف الناجم عن تقييد الموارد من العملات الأجنبية في البلاد.
وأضافت أن هؤلاء، رغم إضفاء طابع علمي على معارضتهم لهذه السياسة عبر طرح حجج من قبيل أنّ «ارتفاع سعر الصرف يؤدي إلى زيادة الصادرات»، فإن التجربة أثبتت أنّ مثل هذه الادعاءات غير صحيحة، وأنّ مصالحهم الشخصية أو الفئوية أو السياسية هي وحدها التي تحكم مواقفهم.
وبيّنت الصحيفة، استنادا إلى الشواهد الإحصائية، أن مجموع الصادرات غير النفطية للبلاد بلغ عام 2013 نحو 42 مليار دولار، فيما ارتفع عام 2024 إلى نحو 57 مليار دولار، وذلك رغم ارتفاع سعر الصرف الرسمي بنسبة تقارب 2400%.
وأوضحت أن هذه الزيادة تعني أنه مقابل ارتفاع بنسبة 2400% في سعر الصرف، لم تتجاوز الزيادة في الصادرات 35%، في حين أن متوسط معدل التضخم السنوي خلال هذه الفترة بلغ نحو 30%، وارتفعت أسعار السلع بما يزيد على 17 ضعفا.
وتابعت أنه من الناحية النظرية تكرر القول إنه ما دام الإنتاج في الاقتصاد الإيراني يعتمد على الاستيراد، ولم يطرأ تحرك أساسي في مجال الإنتاج، فإنّ تحقيق زيادة مستقرة في حجم الصادرات بما يتناسب مع سعر الصرف أمر غير ممكن، ولذلك فإن أثر ارتفاع سعر الصرف ينعكس عمليا على هيئة «تضخم في حياة المواطنين، إلى جانب استنزاف الموارد والثروات الوطنية عبر البيع الخام في الاقتصاد».
وأضافت أن “المستفيدين من ارتفاع سعر الصرف ومن إلغاء سياسة الالتزام بإعادة العوائد من الصادرات، لا يزالون يصرّون على ضرورة إلغائها لزيادة الصادرات، غير أنّ المعطيات والحقائق لا تنسجم مع آرائهم، ولا يملكون القدرة على إقناع جميع المراجع المعنية بصنع القرار.
ولهذا يلجؤون إلى إحداث خلل في تنفيذ السياسة، من خلال استثناء بعض السلع، أو فرض تعدد أسعار الصرف لفئات مختلفة من السلع والخدمات، وغيرها من الممارسات التي تهدف إلى الالتفاف على السياسة وإضعاف أثرها”.
وبيّنت الصحيفة أنّ نتيجة هذه السلوكيات تمثلت في عدم عودة أكثر من 30% من العوائد من العملات الأجنبية الناتجة عن الصادرات خلال السنوات الماضية، أي ما مجموعه نحو 60 مليار دولار منذ عام 2018.
وختمت بالقول إنه مع هذا الواقع، هل يمكن الادعاء أنّ سياسة الالتزام بإعادة العوائد من الصادرات نُفذت بنسبة 100%؟ في الحقيقة، المستفيدون من ارتفاع سعر الصرف هم الذين نفذوا هذه السياسة بطريقة أدت عبر تعدد أسعار الصرف وظهور فساد كبير إلى إقناع الآخرين بأنّ هذه السياسة غير فعالة.

تربية الدواجن
ذكرت الصحيفة أن مثالا آخر على السياسات التي أضرّ بها التنفيذ الخاطئ والناقص، هو سياسة تخصيص العملة الأجنبية لقطاع تربية الدواجن.
وأوضحت أنه رغم أنّ الدجاج يُعد سلعة متجانسة نسبيا، وأنّ منتجات المزارع المختلفة لا يمكن تمييزها في السوق، فإن صانع السياسة اعتمد تخصيص نوعين من العملات الرسمية لمستلزمات هذا القطاع؛ حيث جرى تخصيص 30% من العملة بسعر تفضيلي يبلغ 28 ألفا و500 تومان، و70% من العملة بسعر تجاري من السوق الرسمية.
وتابعت أن هذا القطاع لا يزال يتحمّل تكاليف أخرى تُحتسب وفق سعر العملة في السوق الموازية (التهريب)، فعلى سبيل المثال، تكاليف التعبئة والتغليف تتأثر بأسعار المنتجات البتروكيماوية، التي تُباع في الغالب عبر بورصة السلع، وبالتالي تتأثر بسعر الصرف في السوق الموازية.
وأضافت أن بعض الخبراء يرون أن ثلث تكاليف إنتاج الدجاج يُموَّل بسعر الصرف التفضيلي، والثلث الآخر بسعر الصرف التجاري، والباقي بسعر الصرف الحر، وإذا صحّت هذه التقديرات، وهي على الأرجح صحيحة، فإنّ حتى المحافظة على سعر الصرف التفضيلي بالكامل لواردات مستلزمات الإنتاج لن يمنع ارتفاع الكلفة النهائية لإنتاج الدجاج، بسبب تأثير أسعار الصرف التجاري والحر، ما يجعل سعر الدجاج في السوق عمليا تابعا لسعر الصرف الحر.
وبيّنت الصحيفة أنّه عندما تُحتسب التكاليف وفق أسعار صرف متباينة، فإن أي آلية رقابية لن تكون قادرة على التمييز بدقة وحساب الكلفة النهائية في الوقت الفعلي، وهو ما يجعل أسعار الدجاج تميل إلى التوازن مع سعر الصرف في السوق الموازية، ولذلك تُقيَّم سياسة تنظيم سوق الدجاج على أساس تخصيص العملات الأجنبية بهذه الطريقة بأنها سياسة غير فعّالة.
تنفيذ السياسات
ذكرت الصحيفة في خلاصة تقريرها، أنّ النقاش في علم الاقتصاد يثبت أنّ تنفيذ السياسات أدقّ وأهمّ من مجرد صياغتها وإقرارها، وأوضحت أنّه إذا كان القائمون على التنفيذ لا يؤمنون بالسياسة أو أنّ مصالحهم تتضرر من تطبيقها، فإنّهم سيسعون بمختلف الطرق إلى إفشالها.
وبيّنت أنّ في الاقتصاد الإيراني شواهد عديدة تؤكد أنّ التنفيذ الخاطئ والناقص للسياسات لم يحقق أهداف صانع السياسة فحسب، بل أفضى كذلك إلى هدر موارد البلاد.
وتابعت أنّ من بين هذه الأمثلة، إضافة إلى ما سبق ذكره، تطبيق ضريبة المنازل الشاغرة، وتوزيع التسهيلات المصرفية على المشاريع قصيرة الأجل، أو تخصيص القروض للشركات المعرفية، حيث يظهر بوضوح أنّ التنفيذ غير السليم أدى إلى نتائج معاكسة.
وأشارت في المقابل إلى أنّ هناك بعض الحالات القليلة- مثل سوق زيوت الطعام- التي أسفر فيها التنفيذ الصحيح نسبيا، مع إنشاء البنية المناسبة، عن تحقيق أهداف صانع السياسة إلى حد ما، لكن هذه الحالات تبقى محدودة.
وأضافت الصحيفة أنّ التوصية السياسية والعملية المستخلصة من هذا النقاش هي أنّه إذا أُريد للسياسة أن تحقق هدفها بالكامل، فلا بدّ عند صياغتها من التنبّه بدقة إلى توفير الأدوات اللازمة لتنفيذها بكفاءة، مع إعداد التعليمات التفصيلية المطلوبة بشكل واضح ومفصل.

