من ظلال العقوبات إلى ساحات البرلمان.. ماذا يكشف صدام ثابتي وزنجاني؟

كتبت: كريمة هاني 

يشهد المشهد السياسي والاقتصادي في إيران تصاعداً لافتاً للصراع بين النائب البرلماني أمير حسين ثابتي والملياردير المدان بابك زنجاني، في مواجهة علنية تجسدت عبر تهديدات متبادلة على منصات التواصل الاجتماعي. تأتي هذه المواجهة في ظل اتهامات ثابتي لزنجاني بمحاولة تسوية ديونه الضخمة للدولة بطرق مشبوهة، مثل استخدام العملات الرقمية غير المعتمدة، فيما رد زنجاني بتهديدات حادة، ما يضاعف حالة الغموض والشكوك حول شفافيتها. 

يُذكر أن زنجاني، الذي حُكم عليه بالإعدام سابقاً، بتهم فساد مالي هائل، عاد للظهور مؤخراً كمستثمر في مشاريع اقتصادية ضخمة، ما أثار تساؤلات جدية حول كيفية تصفية حساباته مع الدولة، وحجم ديونه التي تُقدر بمليارات الدولارات.

خلفية القضية – من هو بابك زنجاني؟

بابك زنجاني هو شخصية غامضة برزت في الاقتصاد الإيراني، حيث لا تُعرف بداياته الحقيقية أو كيف أصبح مليارديراً بين ليلة وضحاها. تشير المعلومات غير الرسمية إلى أنه عمل كجندي مجهول في البنك المركزي، قبل أن يتحول إلى وسيط في بيع النفط الإيراني خلال فترة العقوبات في عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد.

إلا أنه وُوجه باتهامات بعدم إعادة أموال مبيعات النفط إلى الشركة الوطنية الإيرانية للنفط، والانخراط في عمليات غسيل أموال وتجارة غير مشروعة.

مع مجيء حكومة الرئيس حسن روحاني عام 2013، تم اعتقال زنجاني في ديسمبر/كانون الأول 2013، وفي مارس/آذار 2016 أعلنت السلطة القضائية إدانته في قضية فساد مالي والحكم عليه بالإعدام، بالإضافة إلى أمر برد أموال الشركة الوطنية للنفط. أكد الحكم لاحقاً في ديسمبر/كانون الأول 2016، مع الإشارة إلى أن تنفيذ الإعدام معلق على استرداد ديونه البالغة 2.7 مليار دولار، مع احتمال حصوله على تخفيف العقوبة في حال السداد.

الإفراج والجدل حول تسوية الديون

بعد سنوات من الغياب عن الأنظار، عاد اسم زنجاني إلى الواجهة في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، عندما أعلن رئيس السلطة القضائية آنذاك، محسني إيجئي، أن ديون زنجاني قد “تمت تسويتها” بعد تحديد ممتلكاته في الخارج ونقلها إلى طهران. تزامن هذا الإعلان مع إطلاق سراحه وظهوره كمستثمر في مشاريع اقتصادية كبيرة، بما في ذلك قطاعا النقل والمواصلات. 

إلا أن الشكوك حول وضع ديونه لم تختفِ، حيث أكد نواب في البرلمان ووسائل الإعلام لاحقاً أن زنجاني لم يسدد سوى مبلغ صغير جداً من ديونه. وفي تصريح حديث، أوضح النائب ميثم ظهوريان أن من إجمالي 2 مليار يورو ديون زنجاني لشركة النفط الوطنية، تم تسديد 16 مليون يورو فقط (أقل من 1٪)، وأن أي مقترحات لسداد الباقي عبر المعادن أو العملات الرقمية لم تُقبل.

Image

تناقض البيانات وانعدام الثقة

يعكس الموقف الرسمي من القضية درجة عالية من التناقض وعدم الوضوح. من ناحية، صرح المتحدث باسم السلطة القضائية، أصغر جهانكير، بأن زنجاني سلّم ديونه وليس هناك مانع قانوني لنشاطه الاقتصادي، مشيراً إلى إيداعه في 2023 شحنة بقيمة 1.8 مليار دولار بالإضافة إلى 1.6 مليار دولار كعملة رقمية.

لكن من ناحية أخرى، نفى البنك المركزي ووزارة النفط هذه الادعاءات بشكل قاطع. وأوضح محمد رضا فرزين، رئيس البنك المركزي، أن النيكل الذي تسلّموه من زنجاني لا يزال محفوظاً، وأن البنك ليس مسؤولاً عن بيعه، وأن أي تسوية بالعملة الرقمية تحتاج موافقة قضائية لم تُمنح بعد. هذا التناقض بين مؤسسات الدولة يغذي الشكوك ويُظهر غياباً تاماً للشفافية في واحدة من أكبر قضايا الفساد.

اتهامات النائب وتهديدات زنجاني

تصاعدت حدة الأزمة عندما هاجم النائب أميرحسين ثابتي، بابك زنجاني داخل البرلمان، واصفاً إياه بـ«اللص الكبير» و«المفسد الاقتصادي الكبير». قال ثابتي إن زنجاني مُنح مهلة شهرين إضافيين لتسديد ديونه، لكنه بدلاً من الدفع النقدي حاول تقديم «حفنة من البضائع الرديئة» وعملات رقمية غير رسمية كبدائل، مطالباً بنشر نصوص الاتفاقات كاملة ومساءلة الجهات المتورطة، ومشيراً إلى أن شركة «نيكا باي» قد تكون وراء رفع الحظر عن تطبيق تليغرام. 

ردّ زنجاني بتغريدة تهديدية واصفاً ثابتي بـ«النائب الطفولي» ومؤكداً أن البرلمان مكان لصنع القوانين لا لانتهاكها. وتضمنت التغريدة تهديداً صريحاً: «سأقلبك رأساً على عقب لتكون عبرةً لكل العملاء والمخترقين في البلاد» وذلك إذا لم يستطع ثابتي إثبات اتهاماته بشأن تسديد الديون أو علاقة زنجاني بشركة «تليغرام».

Image

ردّ حادّ لثابتي على التهديدات

رداً على تهديدات زنجاني، قال ثابتي: «اللص الكبير الذي نمت كل خلية من جسده بفضل رشاوى العملة الحكومية والأموال الحرام أصبح عصبياً ويهدد». وأكد أن زنجاني لم يسدد سوى جزء يسير من ديونه البالغة نحو ملياري دولار بينما يدّعي أنه «منقذ» للاقتصاد، محذراً من أن التسويات المشبوهة أو قبول بدائل غير قابلة للصرف سيقوض ثقة الجمهور وينهك نزاهة المؤسسات المالية. وطالب بنشر نصوص الاتفاقات مع تليغرام والكشف عن دور شركة «نیکا باي»، محذراً من متابعة الملف قضائياً وسياسياً إذا لم تُستعد أموال المال العام خلال مهلة الشهرين. وختم ثابتي بحزم: «أقسم بالله ما دمت حياً لن أتركك أنت ومن أمثالك الذين أمضوا عمرهم يمتصون دماءَ الشعب، ولو كان ذلك على حساب فقدان حياتي».

Image

تباين الآراء على وسائل التواصل الاجتماعي

آراء مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي حول بابك زنجاني وأميرحسين ثابتي تظهر انقساماً واضحاً؛ فزنجاني يُنتقد على أنه لص وفاسد ينهب المال العام، بينما يُنظر إلى ثابتي من بعض المؤيدين كمحارب للفساد. 

ومع ذلك، تعرّض ثابتي لانتقادات بسبب تناقض تصريحاته السابقة ودفاعه عن زنجاني في وقت سابق، ما أثار الشكوك حول مصداقيته. وتكشف الوسوم الرائجة مثل #بابک_زنجانی و#ثابتی و#النائب_الطفولي عن مزيج من النقد والدعم والسخرية، مع تركيز على العدالة والشفافية ومصداقية المسؤولين.

Image

في الختام، تعكس قضية بابك زنجاني والصدام الأخير مع النائب أميرحسين ثابتي أزمة عميقة في الشفافية ومكافحة الفساد بإيران. فرغم إعلان السلطة القضائية عن تسوية ديونه، تنفي وزارتا النفط والبنك المركزي ذلك، ويؤكد النواب أن ما سُدّد أقل من 1٪. هذا الغموض والتهديدات المتبادلة يعكسان تصاعد الصراع السياسي وتوسع فجوة الثقة بين الشعب والدولة، ويجعل من هذا الملف اختباراً حقيقياً لمصداقية النظام في استرداد حقوق المال العام من كبار المفسدين.