وزير الاستخبارات يكشف تفاصيل الغنيمة المعلوماتية

في مشهد إعلامي حمل أبعادا سياسية وأمنية واسعة، ظهر وزير الاستخبارات الإيراني، إسماعيل خطيب زادة، مساء الأربعاء 24 سبتمبر/أيلول 2025، عبر شاشة القناة الأولى للتلفزيون الرسمي، ليتحدث عن واحدة من أكبر العمليات الاستخباراتية التي تقول طهران إنها نفذتها ضد إسرائيل، الظهور جاء ضمن بث وثائقي بعنوان بيت العنكبوت السري، ليزيح الستار عن عملية معقدة أسفرت عن الاستحواذ على ملايين الصفحات من وثائق ومعلومات سرية تتعلق بالبرامج التسليحية الإسرائيلية، بما في ذلك مشاريع نووية وتعاون مع علماء أمريكيين وأوروبيين.

خطاب الوزير لم يكن مجرد إعلان عن عملية استخباراتية ناجحة، بل عكس صورة متكاملة أرادت إيران تصديرها للعالم، صورة دولة قادرة على الوصول إلى قلب العقل الأمني الإسرائيلي، وعلى تحويل اختراقها المعلوماتي إلى ورقة سياسية وعسكرية وأمنية في آن واحد، وأن اللعبة التي تلعبها تل أبيب يمكن لطهران لعبها كذلك.

عملية معقدة واختراق غير مسبوق

خلال ظهوره الإعلامي، أكد خطيب أن ما جرى لم يكن عملية محدودة النطاق، بل، على حسب ما وصفه، إحدى أكثر العمليات الاستخباراتية تعقيدا في تاريخ إيران، كما أوضح أن “الجنود المجهولون للإمام المهدي”، وهو التعبير المستخدم لوصف عناصر جهاز الاستخبارات الإيراني، قد تمكنوا من التغلغل إلى أعماق المخابئ السرية للنظام الصهيوني، والوصول إلى معلومات حساسة تغطي مختلف المجالات النووية، والعسكرية، والاستخباراتية، والعلمية.

Image

وذكر أن كثيرا من العاملين في الأجهزة النووية والدوائر العسكرية والمواطنين العاديين داخل الكيان تعاونوا مع وزارة الاستخبارات الإيرانية، بدوافع مالية أو كراهية لنتنياهو ورغبة في الانتقام منه.

وأوضح الوزير أن النقل الناجح للوثائق من قواعد كان قد جرى تحديدها مسبقا، لم يكن سوى جزء من عملية مركبة جمعت بين العمل الميداني والعملياتي، وأكد أن الاحترافية والذكاء كانا عنوان العملية، معتبرا أن ما تحقق يشكل هزيمة استخباراتية غير مسبوقة لإسرائيل.

كما أشار إلى أن البيان الصادر في يونيو/حزيران 2025، والذي جاء قبل أسبوعا واحد من ضرب إسرائيل لإيران، حول الاستحواذ على كنز معلوماتي من إسرائيل لم يكن سوى مقدمة، بينما ما جرى الكشف عنه مؤخرا يمثل جزءا من عملية أوسع، وأضاف أن المهمة المقبلة أمام جهاز الاستخبارات الإيراني تتمثل في معالجة المعلومات المكتسبة ورسم شبكة العلاقات بين العناصر والشبكات البشرية والتنظيمية المتصلة بالمشاريع النووية الإسرائيلية، داخل الأراضي المحتلة وخارجها.

وبحسب ما جاء في الفيلم الوثائقي، الذي أعد للكشف عن تلك العملية، والذي بلغ 28 دقيقة، فإن العملية شملت عدة طبقات من العمل السري، بدءا من الاختراق الأولي لشبكات إسرائيلية، وصولا إلى إخراج المعلومات ونقلها إلى الداخل الإيراني، في توصيف ربما يعكس رغبة طهران في تصوير ما حدث على أنه أكثر من مجرد تسريب، بل عملية متكاملة ذات بعد استراتيجي.

كنز معلوماتي يضم ملايين الصفحات

كشف خطيب أن الغنيمة المعلوماتية، على حد تعبيره، التي وصلت إلى طهران تضمنت ملايين الصفحات من المعلومات المتنوعة والقيمة، ما يجعلها بمثابة كنز استخباراتي لا يقدر بثمن.

هذا وقد ذكر خلال الوثائقي أن هذه الوثائق تغطي مشاريع سابقة وحالية للبرامج التسليحية الإسرائيلية، بما في ذلك مشاريع تطوير وإعادة تأهيل الأسلحة النووية القديمة، مشاريع مشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، هيكل إداري كامل للجهات المسؤولة عن إدارة وتصنيع الأسلحة النووية، وأسماء باحثين وعلماء ومديرين كبار في هذه المشاريع بلغوا 189 خبيرا نوويا وعسكريا إسرائيليا.

Image

اللافت في حديث الوزير كان إشارته إلى أن القوائم لا تقتصر على علماء إسرائيليين فقط، بل تضم أيضا علماء أمريكيين وأوروبيين شاركوا في مشاريع وصفها بأنها مناهضة للبشرية، كما أوضح أن الوثائق تحوي عناوين المنشآت والشركات وجميع المتعاونين مع تلك المشاريع، ما يعني أن طهران أصبحت، على حد قوله، تمتلك خرائط دقيقة للشبكات البشرية والتنظيمية المرتبطة بالبرنامج النووي الإسرائيلي.

وذكر أيضا أن إسرائيل تجسست على رافائيل جروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأن من بين الوثائق المنقولة صورا شخصية وعائلية له.

ولم يقتصر الأمر على البيانات النصية، إذ أعلن خطيب أن الوثائقي سيعرض أيضا صورا سرية لعدد من العلماء النوويين الإسرائيليين، وهوياتهم، إضافة إلى وثائق حول القنابل النووية، هذا البعد البصري في الكشف بدا مقصودا لإظهار عمق الاختراق.

في حين لم يخل خطاب خطيب زاده من بعد سياسي وأيديولوجي، إذ اعتبر” إن العدو الرئيسي للشعب الإيراني ليس فقط العدو الإسرائيلي الحاكم في فلسطين المحتلة، بل التيار الصهيوني الأمريكي الذي يعادي دولا وشعوبا كثيرة، ويقف ضد الحق والعدالة والإنسانية”.

بل ذهب وزير الاستخبارات إلى أبعد من ذلك حين وصف إسرائيل بأنها لابن غير الشرعي للهيمنة الغربية، مؤكدا أن الغرب ارتكب خطأ قاتلا حين أطلق قلادة كلبه المسعور لمهاجمة إيران، لكنه شدد على أن هذا المخطط فشل بفضل وحدة مكونات الشعب الإيراني، والدفاع البطولي للقوات المسلحة، وقيادة القائد الأعلى، وحضور الحكومة في ميدان المعركة.

الاختراقات الأمنية بين إيران وإسرائيل.. حرب الظل المفتوحة

على مدى عقود، ظلت العلاقة بين إيران وإسرائيل محكومة بمنطق الصراع غير التقليدي، إذ لم تتخذ المواجهة شكل الحروب المباشرة، بل تركزت في الظل عبر عمليات تجسس واختراقات أمنية بالغة التعقيد، فقد تحولت ساحة التنافس بين الطرفين إلى ما يمكن وصفه بحرب العقول، حيث لا يقتصر الأمر على جمع المعلومات أو حماية الأسرار، بل يتعداه إلى محاولة زعزعة البنى الأمنية والتكنولوجية وحتى الاجتماعية للخصم، هذه الحرب الطويلة المدى، التي تتجدد فصولها باستمرار، جعلت من الاختراقات الأمنية أحد أخطر وجوه الصراع في الشرق الأوسط المعاصر.

فبهذا الشأن، تؤكد تقارير إيرانية متكررة أن جهاز الموساد الإسرائيلي عمل بشكل ممنهج خلال السنوات الماضية على بناء شبكات تجسس داخل الأراضي الإيرانية، وقد اعتمدت هذه الشبكات على أساليب متنوعة تبدأ بتجنيد العناصر عبر الحدود، مرورا باستخدام وسائل التواصل الإلكترونية المعقدة، ووصولا إلى تهريب تقنيات متطورة يمكن استغلالها لأغراض استخبارية.

Image

غير أن ساحة الصراع لم تبق محصورة في المجال البشري أو العمليات الميدانية، بل تمددت إلى الفضاء الإلكتروني، حيث وثقت تقارير إخبارية تعرض إيران لهجمات سيبرانية متكررة وصفتها بأنها جزء من استراتيجية إسرائيلية منظمة لإضعاف البنية التحتية الحيوية في البلاد.

وفي مواجهة ذلك، كشفت مصادر أن طهران تمكنت من تطوير قدرات هجومية ودفاعية في مجال الأمن السيبراني، بما يسمح لها ليس فقط بصد الهجمات، بل أيضا بتنفيذ عمليات تعطيل داخل شبكات إسرائيلية حيوية. هذا التوسع نحو الحرب السيبرانية أضفى على الصراع طابعا هجينيا معقدا، تتداخل فيه العناصر البشرية مع الأدوات الرقمية لتشكيل نموذج تهديد متعدد الأبعاد.

Image

الأمر اللافت هو أن هذه الحرب غير المعلنة لا تقتصر على أهداف عسكرية أو صناعية، بل تشمل أيضا محاولات للتأثير في المجال الاجتماعي والسياسي، فتشير تقارير إلى أن الاختراقات الأمنية لم تعد تقتصر على جمع المعلومات أو تخريب القدرات، بل صارت تسعى إلى خلق أجواء من عدم الاستقرار الداخلي عبر بث الشائعات أو تحريك مجموعات داخلية تعمل، بوعي أو دون وعي، لصالح الأجندات الخارجية، وفي السياق ذاته، رصدت تقارير غربية وإيرانية نمطا متكررا من العمليات المزدوجة في مجال الاستخبارات البشرية، حيث يستقطَب مخبرون محليون أو وسطاء يجمعون معلومات حساسة، فيما تقوم الوحدات السيبرانية بقرصنة قواعد بيانات أو تعطيل أنظمة تشغيلية. هكذا تتشابك أدوات النفوذ الرقمي مع شبكات العملاء على الأرض لتشكل صورة صراع معقد ومتعدد الجبهات.

من جهة أخرى، تؤكد إيران وصولها إلى عناصر داخل الدوائر الإسرائيلية، بل وفتح قنوات معلوماتية تسمح لها بجمع بيانات حساسة عن هياكل القرار والشخصيات المؤثرة، وعلى الجانب الآخر، تكثف أجهزة الأمن الإسرائيلية حملاتها ضد ما تصفه بعملاء طهران، من خلال اعتقالات متكررة وإجراءات قانونية وإعلامية تهدف إلى تصوير التفوق الاستخباراتي لصالحها. 

هذا التفاعل التصعيدي يعكس دورة لا تنتهي من الهجمات والردود، حيث يقود كل كشف إلى كشف مضاد، يتبعه تحقيقات واعتقالات، ثم استغلال سياسي وإعلامي لكل حادثة أمام الرأي العام المحلي والدولي.

Image

أما على صعيد النتائج العملية، فإن مراجعة الحوادث السابقة تبين أن النجاحات التي يحققها أي طرف في اختراق بشري أو هجوم سيبراني غالبا ما تقتصر على مكاسب قصيرة الأمد، مثل الحصول على وثائق أو تعطيل منشأة محددة. لكن تحويل هذه المكاسب إلى نفوذ استراتيجي طويل الأمد يتطلب قدرة على معالجة البيانات وبناء خرائط للعلاقات والشبكات، وهو ما تسعى كل من طهران وتل أبيب إلى تحقيقه عبر استراتيجيات بعيدة المدى.

اللافت أن هذا الصراع يترك بصماته على أكثر من مستوى. فعلى المستوى الأمني المباشر، هو سباق تسلح استخباراتي لا يعرف نهاية. وعلى المستوى السياسي، يسعى كل طرف إلى تأطير إنجازاته أو تضخيم مكاسب خصمه لتوظيفها داخليا وخارجيا. 

أما على المستوى الاجتماعي، فإن تسريب الأخبار عن اختراقات أو اعتقالات يساهم في خلق شعور دائم بالتهديد، سواء داخل إيران أو داخل إسرائيل، ما يعزز حالة القلق المستمر ويجعل المجتمعين رهينين لحرب لا يرونها، لكن آثارها تحاصرهم يوميا.

إلى إين ستقود تلك العملية؟

بتلك التصريحات المحملة بالرمزيات السياسية، قدم إسماعيل خطيب زاده صورة عن بلاده باعتبارها نجحت في تنفيذ عملية معقدة ضد إسرائيل، محققة ما وصفه بأكبر اختراق استخباراتي في تاريخ المواجهة مع الكيان، وبينما أُعلن عن ملايين الصفحات من الوثائق والمعلومات المتعلقة بالمشاريع النووية والتسليحية الإسرائيلية، حمل الظهور التلفزيوني رسائل أبعد من مجرد الكشف عن عملية، إذ ربط بين ما جرى وبين مواجهة أوسع مع الولايات المتحدة وحلفائها.

على المستوى الداخلي، بدا أن الهدف من الظهور الإعلامي هو تعزيز الثقة في قدرات الأجهزة الأمنية ورفع معنويات الشارع الإيراني. أما خارجيا، فقد أرادت طهران إيصال رسالة مفادها أن يدها الاستخباراتية طويلة بما يكفي لاختراق أعماق المؤسسات الإسرائيلية، وأنها قادرة على تحويل هذه المعلومات إلى أدوات ضغط في الصراع الإقليمي والدولي، ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحا هل ستترجم هذه العملية إلى تغييرات عملية في موازين القوى، أم أنها ستظل ضمن إطار الحرب النفسية التي تخوضها طهران ضد إسرائيل والغرب عبر الشاشات والوثائق؟