دعوات لإعادة هيكلة مجمع تشخيص مصلحة النظام بعد سبع سنوات من الجدل حول اتفاقية CFT 

Image

كتب: الترجمان

في الوقت الذي أنهى فيه مجمع تشخيص مصلحة النظام الإيراني سبع سنوات من الجدل حول اتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب (CFT)، عادت إلى الواجهة أصوات داخلية تدعو إلى إعادة هيكلة المجمع ومراجعة آليات اتخاذ القرار داخله، بعد أن اعتبر مراقبون أن التأخير الطويل في البتّ في هذه الاتفاقية ألحق أضرارا اقتصادية وسياسية بالبلاد.
وترى هذه الأصوات أن ما جرى في ملف CFT يمثل نموذجا لـ«خلل مؤسسي» ينبغي معالجته، مشيرة إلى أن الجمود في عملية اتخاذ القرار داخل المؤسسات العليا بات ينعكس بشكل مباشر على الأداء الاقتصادي والسياسي لإيران.

انتقادات داخلية ومطالب بإصلاح البنية المؤسسية

كانت صحيفة “جمهورى اسلامى” من أبرز من أثار هذا النقاش مجددا، إذ دعت في افتتاحيتها، الثلاثاء 7 أكتوبر/تشرين الأول 2025، إلى مراجعة شاملة لتركيبة مجمع تشخيص مصلحة النظام وآلية عمله، معتبرة أن طول فترة المداولات بشأن اتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب (CFT)، التي استمرت قرابة سبع سنوات، يكشف عن خلل مؤسسي يحتاج إلى معالجة.

وذكرت أن تأخير المجمع في حسم ملف الاتفاقية تسبب في “تكاليف باهظة” للاقتصاد الإيراني، مشيرة إلى أن أحد أئمة الجمعة اعتبر الاتفاقية في حينها “حراما شرعا”، وأن مثل هذه المداخلات الفكرية أو السياسية، إن أثرت في مسار القرار، فهي تُحمّل المجمع جانبًا من المسؤولية عن الجمود الذي استمر لسنوات.

وأشارت الصحيفة إلى أن سعر صرف الدولار قفز من نحو 150 ألف ريال إلى أكثر من مليون ريال خلال فترة التأجيل، معتبرة أن هذا التحول يعكس الآثار الاقتصادية المباشرة لبطء الحسم في القضايا المصيرية، وأن مؤسسات صنع القرار في البلاد بحاجة إلى مراجعة هيكلية تضمن سرعة البتّ وتمنع التردد.

المجمع في مواجهة تساؤلات عن المساءلة والمسؤولية

طرحت الصحيفة عدة أسئلة طالبت مجمع تشخيص مصلحة النظام الإجابة عن جملة من التساؤلات الجوهرية، منها: هل كان المعارضون لانضمام إيران إلى اتفاقيتي FATF وCFT خلال السنوات الماضية، حين أبقوا هذه اللوائح دون حسم، يعلمون أنهم يعارضون بلا مبرر، أم لم يكونوا يعلمون؟
فإن كانوا لا يعلمون، فعليهم الاعتراف بأنّ مكانهم ليس في المجمع، لأنهم لا يمتلكون المؤهلات اللازمة لشغل هذا الموقع، أما إن كانوا يعلمون، ورغم ذلك استمروا في معارضتهم، فإنهم من باب أولى يفتقرون إلى الأهلية المطلوبة.

وتساءلت حول كيفية تعويض مجمع تشخيص مصلحة النظام الخسائر الكبيرة التي ترتبت على هذا التأخير؟ والسؤال الأهم: هل يمكن أصلا تعويض مثل هذه الخسائر الضخمة التي لحقت بالبلاد والشعب والنظام على مستوى وطني؟ ثم سؤال آخر أكثر جوهرية: هل يوجد قانون يُلزم أعضاء مجمع تشخيص مصلحة النظام بالمساءلة عندما يرتكبون أخطاء جسيمة؟

يقول بعضهم إنّ مثل هذا القانون غير موجود، لكن الدستور الإيراني يؤكد أن لا أحد معفيّ من المساءلة، وبموجب الفقرة الختامية من المادة 107 فإن جميع الأفراد متساوون أمام القانون. ومعنى هذه المساواة أنّ أحدًا لا يُستثنى من أحكام القانون، وعلى الجميع تحمّل مسؤولية أفعالهم.

تُبرز هذه الحقائق أنّ مجمع تشخيص مصلحة النظام بحاجة إلى مراجعة وإصلاح جذريين، ينبغي أن يتمتع أعضاؤه بأعلى درجات الكفاءة العلمية، وسعة المعرفة، والإدراك العام، والرؤية العالمية، والاستقلال الفكري، والالتزام، وحسن التعامل مع الناس، والذكاء.

Image

قرار بعد سبع سنوات من الجدل

بعد سنوات من التأجيل، أعلن مجمع تشخيص مصلحة النظام في أواخر سبتمبر/أيلول 2025 موافقته المشروطة على اتفاقية CFT، وهي إحدى اتفاقيتي مجموعة العمل المالي (FATF) التي تطالب إيران بالانضمام إليهما لتحسين الشفافية المالية ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

ويُعدّ هذا القرار أحد أكثر الملفات الخلافية بين التيارين الأصولي والإصلاحي منذ عام 2018، فالأصوليون رأوا في الاتفاقية “أداة للتجسس المالي والاختراق الغربي”، بينما اعتبرها الإصلاحيون “ضرورة ملحّة لإعادة دمج الاقتصاد الإيراني في النظام المالي الدولي”.

وقال المتحدث باسم المجمع محسن دهنوي إن المصادقة تمت ضمن إطار الدستور والقوانين الداخلية المنظمة، موضحا أن الملف سيبقى قيد المراجعة الفنية لاستكمال الجوانب التقنية.

ومن جانبه رحّب رئيس مجلس الإعلام الحكومي إلياس حضرتي بالقرار، موجّهًا رسالة شكر إلى رئيس المجمع آملي لاريجاني، واصفا الخطوة بأنها “حكيمة ومتوازنة”
وقال حضرتي إن القرار جاء في مرحلة حساسة تواجه فيها البلاد ضغوطا اقتصادية وإعلامية، معتبرا أنه يفتح نافذة لعودة الثقة بين المؤسسات الرسمية والقطاع الاقتصادي.

وأضاف أن الانضمام المشروط للاتفاقية يمكن أن يساعد على “طمأنة الشركاء التجاريين”، لا سيما في آسيا، الذين طالبوا مرارا بتعزيز الشفافية المصرفية في تعاملاتهم مع إيران.

Image

تفاصيل المداولات داخل المجمع

في المقابل، كشف العضو البارز في المجمع محمد رضا باهنر عن تفاصيل النقاشات التي سبقت القرار، موضحا أن “مجلس صيانة الدستور وجّه أكثر من عشرة اعتراضات إلى نصّ الاتفاقية”، ما أدى إلى تحويلها إلى مجمع تشخيص المصلحة.

وأضاف باهنر أن النقاشات داخل المجمع كانت طويلة ومعقدة، إذ كان على الأعضاء أن يحسموا ما إذا كانت المصلحة الوطنية تقتضي تجاوز اعتراضات مجلس صيانة الدستور التي رأت أن الاتفاقية تتعارض مع الشريعة أو الدستور.

وأشار إلى أن مهلة المجمع كانت قد انتهت، لكن حكومة الرئيس الأسبق حسن روحاني طلبت من المرشد الأعلى تمديدها، وهو ما استجاب له عبر رسالة رسمية سمحت باستمرار المداولات، على أن يكون القرار النهائي بيد المجمع وحده.

التيار الأصولي بين الحذر والرفض

أبدت التيارات الأصولية تحفظُّا واضحا تجاه المصادقة على الاتفاقية، فـ جبهة بایداری وصفتها بأنها مدخل لتقييد استقلال إيران المالي، واعتبرت أن الالتزام ببنودها يحدّ من قدرة طهران على دعم حلفائها الإقليميين.
ودعا بعض المنظّرين في هذا التيار إلى “تعزيز الاقتصاد الداخلي وتقليل الاعتماد على النظام المالي الغربي”، فيما ذهب آخرون إلى المطالبة بمراجعة شاملة لعلاقة إيران بالمعاهدات الدولية، بما في ذلك معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية (NPT)، كوسيلة للضغط المعاكس على القوى الكبرى.

خسائر مالية وتراجع في الثقة

في موازاة ذلك، وصف الأكاديمي والمحلل في العلاقات الدولية نوذر شفيعي تأخير المصادقة على الاتفاقية بأنه أحد أكثر القرارات كلفة في تاريخ السياسات المالية الإيرانية.
وقال في حوار مع  موقع “انتخاب” إن التأخر في الانضمام إلى الاتفاقية أدى إلى قطع فعلي لعلاقات النظام المصرفي الإيراني مع المنظومة المالية الدولية، وأجبر التجار الإيرانيين على الاعتماد على وسطاء من دول ثالثة مقابل عمولات مرتفعة.

وأوضح شفيعي أن هذه العمولات كانت بمثابة ضريبة خفية على الصادرات والواردات، وأن إدراج إيران في “القائمة السوداء” لمجموعة FATF أدى إلى تجميد أموالها في الخارج وتعقيد إدارتها من قبل البنك المركزي.

وأضاف أن الشركات والبنوك الأجنبية امتنعت عن التعاون مع إيران خشية المخاطر القانونية، ما أفقد الاقتصاد الإيراني فرصا كبيرة في جذب الاستثمارات ونقل التكنولوجيا، مؤكدًا أن الخسائر تراكمية ومتزايدة، وقد ساهمت في تفاقم أزمة سعر الصرف وعدم استقرار السوق.

Image

البعد الخارجي للملف

يرى مراقبون أن ملف FATF لم يكن اقتصاديا بحتا، بل امتد إلى السياسة الخارجية، فالدول الأوروبية ربطت أي تقدم في العلاقات الاقتصادية مع إيران بتوضيح موقفها من الشفافية المالية، فيما استخدمت الولايات المتحدة الملف كورقة ضغط إضافية بعد انسحابها من الاتفاق النووي.

وأشار أحد الخبراء الإيرانيين في الشؤون الاستراتيجية إلى أن التأخر في الحسم حرم طهران من توظيف الورقة المالية كأداة تفاوضية، موضحا أن الاقتصاد والسياسة في الحالة الإيرانية متداخلان إلى حد يصعب فصلهما.

وأضاف أن الانضمام المبكر إلى الاتفاقية كان يمكن أن يخفف من عزلة إيران ويمنحها هامش مناورة أوسع، لكن تأخر القرار جعل البلاد تواجه الموقف من موقع دفاعي لا هجومي.

دعوات إلى إصلاح مؤسسات صنع القرار

يعتبر كثير من المحللين أن تجربة CFT تبرز الحاجة إلى إصلاح شامل في منظومة اتخاذ القرار في إيران، وتحديد الصلاحيات بين المؤسسات العليا، بما يمنع تضارب الأدوار.

ويرى متابعون أن مجمع تشخيص مصلحة النظام، الذي تأسس عام 1988 بقرار من الإمام الخميني لحل الخلافات بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور، توسّع دوره تدريجيا ليشمل ملفات سياسية واقتصادية حساسة، ما يستدعي، برأيهم، “إعادة تعريف صلاحياته وآلية عمله بما يتناسب مع متغيرات العصر”.

يبدو أن المصادقة الأخيرة على اتفاقية «CFT» لم تُغلق الملف تماما، بل فتحت الباب أمام نقاش أعمق حول فاعلية مؤسسات الحكم في إيران وقدرتها على اتخاذ قرارات حاسمة في الوقت المناسب.

وفي ظل تصاعد الدعوات لإعادة هيكلة مجمع تشخيص مصلحة النظام، يبدو أن المرحلة المقبلة قد تشهد بحثا جديا حول كيفية تحقيق توازن بين “المصلحة الوطنية” و”المؤسسية البيروقراطية”، بما يضمن ألا تتحول القضايا المصيرية إلى ملفات مؤجلة تُثقل كاهل الاقتصاد وتُضعف القرار السياسي في آن واحد.