- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 136 Views
كتب: الترجمان
شهدت منطقة الشرق الأوسط تحولا دراماتيكيا إثر مواجهة عسكرية واسعة شنت خلالها القوات المسلحة الإيرانية حملات صاروخية مكثفة استهدفت عمق إسرائيل. وجاء هذا الرد العسكري المباشر عقب خروقات متتالية لاتفاق وقف إطلاق النار من قبل التحالف الأمريكي الإسرائيلي، بلغت ذروتها بتجاوز الخطوط الحمراء المتوافق عليها دبلوماسيا. وتمثلت الهجمات الإيرانية في إطلاق دفعات متعاقبة من الصواريخ الباليستية المتطورة التي ضربت أهدافا عسكرية واقتصادية حساسة، مما وضع المنطقة على حافة حرب شاملة تخضع لمعادلات اشتباك جديدة كليا.
تنطلق هذه الموجة من واقع ميداني متأزم؛ حيث نفذ الطيران الإسرائيلي غارات عنيفة استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، ومناطق صور والنبطية وجنوب لبنان، مما أسفر عن حركة نزوح واسعة وسقوط ضحايا مدنيين. وامتدت الانتهاكات لتشمل مضايقات عسكرية استهدفت القطع البحرية والزوارق الإيرانية في مضيق هرمز وبحر عمان وصولا للمحيط الهندي. هذا السلوك اعتبرته طهران إعلانا من تل أبيب وواشنطن بعدم جدية الالتزام بالمسارات التفاوضية، واللجوء بدلا من ذلك لفرض سياسة الأمر الواقع عبر الآلة العسكرية، مما عجل بالقرار الإيراني بتفعيل الخيار الرادع.

سياق التفجير العسكري والضربة الاستباقية لـ “رامات ديفيد”
اعتبرت دوائر صنع القرار في إيران أن الهجوم الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية يمثل نسفا للتفاهمات الضمنية، حيث كانت طهران قد أبلغت الأطراف الدولية بأن أمن لبنان والضاحية جزء لا يتجزأ من تفاهمات وقف إطلاق النار الإقليمية. وجاء الرد الإيراني حاسما؛ إذ أعلنت العلاقات العامة للحرس الثوري عن توجيه ضربة صاروخية باليستية استباقية وقائية استهدفت قاعدة “رامات ديفيد” الجوية الإسرائيلية، التي ثبت أنها كانت المنطلق الأساسي للطائرات التي نفذت الاعتداءات الأخيرة ضد الشعب اللبناني.
ولم تقف العمليات عند حدود معاقبة القاعدة المسؤولة عن ضرب لبنان، بل اتسعت رقعة الأهداف ردا على اعتداءات إسرائيلية سابقة طالت مواقع رادارية ودفاعية داخل إيران في ثلاث نقاط مختلفة.
وفي هذا الإطار، أطلق الحرس الثوري “عملية نصر” العسكرية الكبرى تحت رمز “يا حیدر کرار”، موجها مئات الصواريخ الباليستية نحو أكبر قاعدتين جويتين للاحتلال وهما “نواتيم” و”تل نوف”. وأكدت البيانات الإيرانية أن هذه العملية أُهديت لأرواح الشهداء الذين سقطوا في مواجهات حرب الـ 12 يوما السابقة، مشددة على أن السرعة في تحديث بنك الأهداف عكست جهوزية الوحدات الصاروخية.

اشتعال حرب الصناعات والطاقة بين ماهشهر وحيفا
أخذت المواجهة منحى تدميريا جديدا عندما دخلت البنية التحتية الاقتصادية دائرة الاستهداف المباشر. بدأت هذه الحلقة عقب قيام صواريخ أو مقاتلات تابعة للتحالف الأمريكي الإسرائيلي بتنفيذ هجوم جوي مباغت أسفر عن تسجيل إصابتين مباشرتين في مجمع شركة كارون للبتروكيماويات بمنطقة ماهشهر الاقتصادية بجنوب إيران.
ودفع ذلك قيادة الدفاع غير العسكري وإدارة الأزمات لإعلان الطوارئ القصوى وإصدار أوامر بالإخلاء الاضطراري للموظفين، مع إبقاء الأطقم التشغيلية الأساسية لإيقاف أي تسرب في المنشآت التي تعرضت خطوط إنتاجها لأضرار مادية دون إصابات بشرية.
وفي المقابل، جاء الرد الصاروخي الإيراني مطابقا لقواعد الاشتباك الفورية؛ حيث أعلنت القوة الجوفضائية للحرس الثوري عن قصف منشآت ومجمعات صناعية نفطية وبتروكيماوية في مدينة حيفا باستخدام صواريخ دقيقة.
وصاحب القصف بيان رسمي استشهد بالآية القرآنية “فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم”، وجهت فيه طهران تحذيرا حاسما بأن استهداف منشآت الطاقة يمثل بداية للعبة خطيرة ستتمدد لتشمل كافة مصالح الطاقة في المنطقة برمتها. وحملت إيران الولايات المتحدة المسؤولية الكاملة عن التداعيات الكارثية التي قد تلحق بالاقتصاد العالمي وأسواق النفط نتيجة دعمها للعدوان.

الترسانة الصاروخية المستخدمة وحالة الاستنفار والذعر الإسرائيلي
كشفت مصادر عسكرية عن الخصائص الفنية للترسانة الصاروخية التي وظفتها إيران في دك العمق الإسرائيلي، مبرزة اعتمادها على تكتيك الهجمات المركبة. ففي الموجات الأولى الليلية التي استهدفت شمال فلسطين المحتلة، اعتمدت القوات الإيرانية بشكل مكثف على الجيل الأحدث من صواريخ “خيبر شكن” الباليستية، المتميزة بقدرة فائقة على المناورة والهروب من الرادارات، فضلاً عن سرعتها الهائلة أثناء مرحلة الهبوط والتي تصل إلى نحو 9 ماخ، مما يضعف قدرة المنظومات الدفاعية الغربية والأمريكية مثل “ثاد” و”آرو/پيكان” على الاعتراض.
أما في الهجمات النهارية، فقد تم استخدام خليط تركيبي شمل صواريخ “عماد” ذات المدى البعيد والرؤوس المتفجرة، وصواريخ “قدر إف” إلى جانب “خيبر شكن” لإرباك غرف العمليات الدفاعية وإشباع المنظومات المعادية.
وعلى الجانب الآخر، عاشت المدن والمستوطنات الإسرائيلية حالة عارمة من الذعر؛ حيث دوت صفارات الإنذار بشكل متواصل شمل مناطق واسعة من الشمال والوسط وصولا إلى القدس، وحيفا، وتل أبيب. واضطرت قيادة الجبهة الداخلية لإلزام ملايين المستوطنين بالهروب نحو الملاجئ، وتزامن ذلك مع اتخاذ السلطات قراراً عاجلاً بإغلاق المدارس والجامعات في عموم البلاد.
وفي محاولة للتغطية على حجم الدمار في القواعد العسكرية والمنشآت الاقتصادية، فرضت الرقابة العسكرية الإسرائيلية تعتيما إعلاميا صارما، حظرت بموجبه على المواطنين ووسائل الإعلام التقاط أو نشر أي صور أو مقاطع فيديو تكشف مواقع سقوط الصواريخ.

مواقف المسؤولين الإيرانيين: معادلة اشتباك صارمة وإغلاق قنوات الثقة
أفرزت هذه المواجهة مواقف حازمة من القادة الإيرانيين؛ حيث أكد مصدر أمني رفيع المستوى أن إيران لم تباغت أحدا، بل نقلت سلفا عبر وسطاء دوليين تحذيرات واضحة للتحالف بضرورة عدم خرق اتفاق وقف إطلاق النار أو غزو لبنان. وأوضح أن القصف الحالي ترجمة عملية لتلك التحذيرات، مجددا التزام بلاده الثابت بدعم ومساندة الحلفاء في لبنان والضاحية الجنوبية. واختتم المصدر بتوجيه إنذار صارم بأن أي خطأ جديد في الحسابات أو محاولة للرد ستجعل المنطقة تواجه مستوىً جديداً ومرعباً من النيران والدمار الشامل.
وفي الإطار الدبلوماسي، أشار المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، إلى أن قنوات تبادل الرسائل المحدودة والاتصالات غير المباشرة مع الجانب الأمريكي كانت تتم دائما في أجواء مشحونة بـ “انعدام الثقة”. وأوضح بقائي أن الأحداث العسكرية الخطيرة في الساعات الماضية ساهمت في تعميق حالة عدم الثقة هذه وباتت تفرض واقعاً سياسياً مغايراً تماماً.
ومن جانبه، نشر محسن رضائي، المستشار العسكري للمرشد الإيراني، تدوينة باللغة الإنجليزية عبر منصة “إكس” أكد فيها أن إيران أعلنت صراحة أنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي اعتداء يطال لبنان، مشيرا إلى أن الإسرائيليين تلقوا الرد المناسب، ومشددا على أن الإصرار على ارتكاب حماقات أخرى سيجابه بردود عسكرية أشد قسوة وبتكاليف اقتصادية وبشرية باهظة.

الرواية الإسرائيلية ومحاولات التقليل من حجم الصدمة والاضطراب
في المقابل، سعت الرواية الرسمية الإسرائيلية إلى التقليل من حجم الصدمة؛ حيث خرج المتحدث باسم جيش الاحتلال ليعلن أن رئيس هيئة الأركان يقود من داخل الغرف الحصينة عمليات تقييم شاملة للوضع بالتنسيق مع كافة الوحدات. وادعى أن منظومات الدفاع الجوي لا تزال في حالة جاهزية كاملة للتصدي لأي دفعات صاروخية إضافية، زاعما أن النظام في إيران يرتكب خطأً فادحا باللجوء مجددا لـ “الأنشطة الإرهابية” –على حد قوله- المباشرة ومحاولة فرض معادلة اشتباك جديدة عقب ضربات الضاحية، وهو أمر شدد على أن تل أبيب لن تسمح بتثبيته.
ومع ذلك، أظهرت التقارير الإعلامية العبرية وجود فجوة واضحة بين الخطاب التطميني والواقع المتأزم؛ حيث كشفت القناة 12 الإسرائيلية أن رئيس أركان الجيش اضطر لإجراء ثلاث محادثات هاتفية طارئة مع قائد القيادة المركزية للقوات الأمريكية (سنتكام) لمناقشة آليات التصدي المشترك والدعم اللوجستي الفوري لمواجهة الصواريخ الإيرانية. وحاولت بعض المصادر تسويق فكرة استقرار الأوضاع عبر الترويج بأن الإدارة الإسرائيلية قررت الإبقاء على المجال الجوي مفتوحا واستمرار رحلات الطيران المدني، وهو ما اعتبرته دوائر سياسية محاولة للإيحاء بالسيطرة وتقليل حجم الشلل العام الذي أصاب المرافق الكبرى.

تضامن قوى المقاومة وإحياء معادلة “وحدة الميادين”
لقيت الضربات الصاروخية الإيرانية ترحيبا واسعا وإشادة من مختلف القوى المنضوية تحت لواء جبهة المقاومة، والتي اعتبرت الحدث تحولاً جوهرياً في دك كبرياء الاحتلال. وفي هذا الصدد، أصدرت وزارة الخارجية التابعة لحكومة صنعاء في اليمن بياناً باركت فيه العمليات، مؤكدة نجاح الرد في تثبيت معادلة “وحدة الجبهات والميادين” وإسقاط معادلة “العدوان بدون كلفة” التي حاول العدو فرضها، مشيرة إلى التنسيق المستمر بين أركان المحور لمواجهة كافة الاحتمالات الميدانية.
ومن جانبها، عبرت حركة حماس عن اعتزازها بالخطوة؛ حيث صرح المتحدث باسم الحركة، حازم قاسم، بأن الهجوم الصاروخي يمثل التجسيد العملي لروح التضامن واللحمة الأخوية بين مكونات الأمة في مواجهة الجرائم الصهيونية الموجهة ضد الشعبين اللبناني والفلسطيني. كما أصدرت لجان المقاومة الفلسطينية بياناً أكدت فيه أن الصواريخ الباليستية حطمت أوهام نتنياهو وكسرت غطرسة مجرمي الحرب عبر فرض معادلة وحدة الساحات رغماً عن أنف الاحتلال.
وعلى المستوى الميداني المؤازر، انخرط حزب الله في لبنان مباشرة في أجواء المعركة عبر تنفيذ هجمات صاروخية ومدفعية استهدفت تجمعات جنود الاحتلال في محيط قلعة بوفورت التاريخية محققاً إصابات دقيقة. ودخلت الفصائل العراقية على خط المواجهة؛ حيث أصدر مقاتلو حزب الله العراقي بياناً تحذيرياً هددوا فيه بضرب القواعد والمنشآت والمصالح الحيوية التابعة للولايات المتحدة في العراق والشرق الأوسط، في حال إقدام واشنطن على التدخل العسكري المباشر أو تقديم الدعم الميداني لإسرائيل، وهو ما يعكس ترابط الجبهات وتكاملها في مواجهة أي سيناريوهات تصعيدية.
أبعاد دلالات المعادلة الجديدة وردود الفعل الشعبية
ترسم المحصلة العامة لهذه الجولة معالم واضحة لمعادلة إقليمية جديدة وأكثر صرامة فرضتها إيران بالحديد والنار في مواجهة القوة العسكرية الإسرائيلية. ولعل السمة الأبرز في هذه المعادلة تكمن في أن طهران قد انتقلت رسميا من مرحلة “الرد بالمثل وتناسب الضربات” إلى مرحلة “التشديد الأفقي والعمودي” للصراع، والتي تقوم على تنويع وبنك أهداف يشمل المنشآت الاقتصادية ومحطات الطاقة، وتوسيع رقعة الحرب لحماية الحلفاء خارج الحدود الإيرانية، مما يعني أن أي اعتداء مستقبلي على لبنان أو أي فصيل مقاوم سيجابه برد عسكري مباشر وصارم من داخل الأراضي الإيرانية.

وقد انعكست هذه الأجواء الحماسية والتحولات الاستراتيجية الكبرى مباشرة على الشارع العربي والإسلامي؛ حيث شهدت العديد من المدن تفاعلات شعبية عفوية مؤيدة للهجمات. وفي هذا الإطار، رصدت التقارير الإعلامية خروج حشود كبيرة من المواطنين والشباب الثوري في مدينة تبریز الإيرانية وفي عدة مناطق أخرى، حيث تجمعوا في الميادين فور مشاهدتهم لخطوط الصواريخ وهي تشق السماء متجهة نحو العمق الصهيوني، وامتزجت هتافاتهم بصيحات “الله أكبر” والتأييد الواسع للقوات المسلحة والحرس الثوري، معبرين عن فخرهم بالقدرات العسكرية التي تمكنت من كسر الهيبة العسكرية للاحتلال وإعادة التوازن المفقود، وسط ترقب وقلق دولي عارم مما ستؤول إليه الأوضاع في الساعات والأيام القادمة.

