تعيين مجتبى فردوسي رئيسا لمكتب رعاية المصالح الإيرانية في مصر

في خطوة تعكس استمرار الحراك الدبلوماسي بين طهران والقاهرة، أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية، السبت 19 يوليو/تموز 2025، رسميا، تعيين مجتبى فردوسي بور رئيسا لمكتب رعاية المصالح الإيرانية في مصر، خلفا لحسين سلطاني فرد، الذي شغل المنصب منذ العام 2022، والذي أعلن عن رحيله في منشور على حسابه بمنصة إكس، قائلا: “بعد مهمة دبلوماسية دامت ثلاث سنوات وشهدت كثيرا من التعقيدات، نحمد الله أن الجليد قد كسر، والحوار يجري اليوم دون قيود، الآن يمكن رؤية القواسم والمصالح المشتركة بشكل أوضح من أي وقت مضى، أتمنى التوفيق والازدهار لهذين البلدين الكبيرين الحضاريين، وآمل أن نشهد قريبا تبادل السياح بين الشعبين، واتخاذ خطوات حاسمة نحو تعزيز العلاقات”.

وخلال لقاء عقد بين مجتبى فردوسي ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، اليوم نفسه في العاصمة طهران، قدم فردوسي تقريرا حول وضع العلاقات الثنائية بين طهران والقاهرة، إضافة إلى برنامج مقترح لتعزيز وترسيخ العلاقات في المجالات ذات الاهتمام المشترك بين البلدين.

من جانبه أعرب عراقجي عن ارتياحه إلى تزايد التواصل واللقاءات بين مسؤولي البلدين، معتبرا مواصلة المشاورات الثنائية في سبيل تطوير العلاقات وتعزيز السلام والاستقرار في المنطقة أمرا بالغ الأهمية، كما شدد على الدور المهم الذي يؤديه مكتب رعاية المصالح في هذا السياق.

مجتبى فردوسي بور.. دبلوماسي متمرس وصوت حوار في النظام الإيراني

يعد مجتبى فردوسي بور من الشخصيات المعروفة في الأوساط الدبلوماسية والإعلامية الإيرانية، شغل خلال السنوات الماضية عددا من المناصب الحساسة التي عكست ثقة النظام في توجهاته وإدارته للملفات الخارجية الشائكة، ويأتي تعيينه في القاهرة امتدادا لمسيرته في التعاطي مع الملفات الإقليمية الحساسة، لا سيما ما يتعلق بالعالم العربي.

يحمل فردوسي بور عدة شهادات في العلاقات الدولية والدبلوماسية، عرف بتوجهاته الإصلاحية المعتدلة نسبيا داخل الجهاز الدبلوماسي، وسبق أن شغل مناصب مهمة، من بينها سفير إيران السابق في الأردن، وهو المنصب الذي مكنه من التفاعل عن قرب مع قضايا الإقليم وخصوصية العلاقات مع العواصم العربية، كما تولى سابقا منصب مساعد المدير العام لشؤون الشرق الأوسط في وزارة الخارجية الإيرانية، وأخيرا عمل خلال السنوات الماضية كرئيس لشعبة غرب آسيا وشمال إفريقيا في المركز السياسي والدولي التابع لوزارة الخارجية.

خلال عمله في عمان، عرف عن فردوسي بور تواصله مع الإعلام المحلي والدولي، وحرصه على تقديم صورة ناعمة للدبلوماسية الإيرانية، قائمة على الحوار والانفتاح، وشغل أيضا مهام في دائرة العلاقات الدولية داخل الأمانة العامة للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني.

القاهرة وطهران.. تاريخ من الفتور وعلامات انفراجه
شهدت العلاقات بين إيران ومصر تقلبات كبيرة على مدى العقود الماضية، حيث مرت بفترات من التقارب والانفراج تخللتها فترات من التوتر والقطيعة، فيعود تاريخ العلاقات الدبلوماسية بين البلدين إلى عام 1939، حين تم افتتاح أول سفارة إيرانية في القاهرة، لكن هذه العلاقات شهدت تحولا جذريا بعد قيام الثورة في إيران عام 1979، حيث اتخذت مصر موقفا داعما للعراق خلال الحرب العراقية الإيرانية في الأعوام من 1980إلى 1988، مما أدى إلى تدهور العلاقات بين البلدين، كما أدت استضافة مصر للشاه محمد رضا بهلوي بعد الثورة إلى تفاقم الأزمة.

ظلت العلاقات بين البلدين متوترة لعقود، حيث اختلفتا في العديد من القضايا الإقليمية، مثل الموقف من الصراع العربي الإسرائيلي، ودور إيران في المنطقة، والعلاقات مع الولايات المتحدة. ومع ذلك، شهد العقد الماضي تحولا تدريجيا في طبيعة العلاقات، حيث بدأت بوادر انفراج تظهر مع تولي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الإيراني حسن روحاني السلطة، فقد أبدى الجانبان استعدادا للحوار، ولو بشكل غير مباشر، من خلال اجتماعات على هامش المؤتمرات الدولية أو عبر وساطات عربية.

في السنوات الأخيرة، اتخذت إيران ومصر خطوات ملموسة نحو تحسين العلاقات، حيث زادت التصريحات الإيجابية من الطرفين، ففي عام 2022، أعلن الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي أن بلاده مستعدة لاستئناف العلاقات مع مصر إذا أبدت القاهرة استعدادا مماثلا، كما أشار الرئيس المصري إلى أن بلاده لا تستبعد تطبيع العلاقات مع طهران في حال توافرت الظروف المناسبة.

من العوامل التي ساهمت في هذا الانفراج التغيرات الإقليمية، واتفاقيات التطبيع العربية مع إسرائيل، والتي عرفت باتفاقية الإبراهيمية، حيث رأت إيران أن تحسين العلاقات مع مصر قد يساعد في موازنة النفوذ الإسرائيلي في المنطقة، كما أن القاهرة، من جانبها، تسعى لتعزيز دورها الإقليمي كوسيط بين مختلف الأطراف، وضمن ذلك إيران.

هذا وكان من أبرز العقبات التي أعاقت تحسين العلاقات بين البلدين لسنوات عديدة قضية شارع خالد الإسلامبولي في طهران، الذي كان ينظر إليه في مصر على أنه إهانة بسبب تسميته باسم قاتل الرئيس المصري الأسبق أنور السادات، لكن في تطور إيجابي، قررت بلدية طهران تغيير اسم الشارع إلى الشهيد حسن نصر الله وهو ما اعتُبر خطوة مهمة نحو تجاوز الخلافات التاريخية.

وفي المجال الثقافي، هناك توجه لتعزيز التبادل الثقافي والعلمي، حيث زاد عدد الطلاب الإيرانيين الدارسين في الجامعات المصرية، كما بدأت بعض المنتجات الثقافية المصرية تعود إلى السوق الإيرانية بعد سنوات من المقاطعة.

رغم التحسن الملحوظ، فإن العلاقات الإيرانية المصرية ما زالت تواجه تحديات، أهمها الخلافات حول الملفات الإقليمية مثل الأزمتين السورية واليمنية، وموقف إيران من بعض الفصائل الفلسطينية. كما أن العلاقات الوثيقة بين مصر ودول الخليج، التي تتخذ موقفا حذرا من السياسات الإيرانية، قد تشكل عائقا إضافيا.

لكن مع استمرار الحوار وتنامي المصالح المشتركة، يبدو أن احتمالات استئناف العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين البلدين أصبحت أقرب من أي وقت مضى. ويعتبر تعيين مجتبى فردوسي بور، الدبلوماسي المخضرم والخبير في الشؤون الإقليمية، رئيسا لمكتب المصالح الإيرانية في القاهرة إشارة واضحة إلى رغبة طهران في المضي قدما في هذا المسار.