من الترحيل إلى العودة.. كيف تشكل عودة المهاجرين الأفغان بعد الحرب مستقبل إيران الاقتصادي؟

على مرّ العقود، استقر آلاف المهاجرين الأفغان في إيران، حيث نسجوا حياة جديدة بين أحضانها؛ فعملوا بجد، أرسلوا أبناءهم إلى المدارس، استأجروا بيوتا، واندمجوا في نسيج المجتمع الإيراني. لكن اليوم، يواجهون تحديا شاقا: مغادرة هذا الواقع الذي ألفوه، رغم ضيق الوقت المتاح أمامهم، تغيير مسار الحياة ليس بالأمر الهيّن، لكنه محطة لا مفر من عبورها في نهاية المطاف.

على مدى نصف قرن، دفعت الأحداث العاصفة في أفغانستان – من الغزو السوفيتي إلى الحروب الأهلية، فتغيير الأنظمة السياسية وصعود طالبان – موجات من الأفغان إلى الهجرة نحو إيران، قبل سيطرة طالبان، كان يقطن إيران ما بين مليونين إلى ثلاثة ملايين أفغاني، وبعد وصولهم إلى السلطة، تضخمت الأعداد بمليونين إلى ثلاثة ملايين إضافيين، وفق الإحصاءات،

على مر السنين، أثارت زيادة أعداد المهاجرين غير الشرعيين جدلا واسعا، وتصاعدت حدة النقاشات مع تصاعد التوترات، خاصة في ظل العدوان العسكري الإسرائيلي على إيران، مما سلط الضوء على هذه القضية بشكل أكبر. 

في هذا السياق، انطلقت حملات شعبية تدعو الأجهزة الأمنية إلى اتخاذ خطوات حاسمة لضمان مغادرة المهاجرين غير الشرعيين بطريقة قانونية وإنسانية، وفي إحدى هذه الحملات، التي استندت إلى التوترات الأخيرة مع الكيان الإسرائيلي وُصف الوجود غير النظامي للأجانب بأنه تهديد للأمن الوطني والاستقرار الثقافي للبلاد وطالبوا بترحيلهم.

تخيل عمالا أفغان يحملون حقائبهم البالية تحت شمس طهران الحارقة، يغادرون شوارع المدينة التي أصبحت جزءا من حياتهم لسنوات، ليس هذا مشهدا من فيلم درامي، بل واقع يتكشف يوميا في إيران، حيث أعلنت الحكومة عن حملة طرد جماعي لأكثر من 1.5 مليون مهاجر أفغاني غير الشرعيين في عام 2025 وحده، وفقا لتقارير منظمة الهجرة الدولية (IOM).

لكن في خضم هذه العودة المنظمة، تلوح فرصة غير متوقعة: تحرير سوق العمل من الاعتماد على العمالة الرخيصة، وإعادة توجيه الطاقات نحو الشباب الإيراني الذي يبحث عن وظائف أفضل.. هل هي كارثة اقتصادية، أم بداية عصر جديد للقوى العاملة المحلية؟ 

Image

منذ عام 2022 أطلقت إيران برنامجا لتنظيم أوضاع المهاجرين الأفغان، مطالبا غير الشرعيين بمغادرة البلاد خلال مهلة محددة، لكن التنفيذ كان متباطئا، في عام 2024 عادت القضية بقوة، مع إعلان يلزم المهاجرين غير الشرعيين بالرحيل قبل 20 مارس/آذار 2025 وفي مارس/آذار 2024 وبضغوط اجتماعية، مُدد الموعد إلى 15 يوليو/تموز 2024 مراعاة لأبناء المهاجرين الذين يدرسون في المدارس الإيرانية، وأُعلن أن من يتخلف عن المغادرة طوعا سيواجه الاعتقال والترحيل إلى الحدود، مع حظر دخول إيران لخمس سنوات، لم يكن القرار مفاجئا، فقد نوقش لسنوات، لكن التغيير المفاجئ في حياة من استقروا في إيران لعقود يبقى تحديا إنسانيا عميقا.

سوق العمل في إيران

في قلب طهران، حيث تُبنى ناطحات السحاب بأيدٍ أفغانية منذ عقود، يبدو الفراغ الآن ملموسا، يقدر تقرير صادر عن IranWire في يوليو/تموز 2025 أن قطاع البناء، الذي يعتمد بنسبة 70% على عمالة أفغانية، يواجه نقصا حادا في الأيدي العاملة، مما أدى إلى تأخير مشاريع بنسبة 15% في الأشهر الستة الماضية ومع ذلك، هذا الفراغ ليس نهاية العالم؛ بل هو دعوة للثورة، الركود الذي شهده القطاع خلال العامين الأخيرين، بسبب العقوبات الدولية وارتفاع تكاليف المواد، قلل من الحاجة الملحة إلى آلاف العمال، وفقا لوزارة العمل الإيرانية، انخفضت الطلبات على العمالة الأجنبية بنسبة 40% منذ يناير/كانون الثاني 2025، مما فتح الباب أمام 500 ألف عامل إيراني مهرة يحملون بطاقات تأهيل وتأمينا اجتماعيا.

حميد حاج إسماعيلي، الخبير البارز في شؤون العمل، يصف هذا التحول بأنه “فرصة ذهبية”، في حديث مع وكالة تسنيم للأنباء، التابعة للحرس الثوري يقول إسماعيلي: “لقد اعتمدنا طويلا على العمالة الرخيصة التي تتقاضى أجورا أقل بنسبة 50% من الإيرانيين.. الآن، مع رحيل هؤلاء، تتوقع زيادة في الأجور بنسبة 20-30% في قطاعات مثل الزراعة والبلديات، مما يجذب الشباب الإيراني الذي تجاهل هذه الوظائف سابقا”.

Image

يضيف إسماعيلي: برامج تدريب حكومية جديدة، أطلقت في مارس/آذار 2025، تهدف إلى تدريب 200 ألف شاب إيراني على مهارات البناء الحديثة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي للتصميم، مما يقلل من الاعتماد على العمالة اليدوية التقليدية، لكن ليس كل شيء ورديا، أصحاب الأعمال الصغار في تربية الحيوانات يشكون من ارتفاع تكاليف الإنتاج بنسبة 25%، وفقا لاستطلاع من غرفة التجارة الإيرانية في أغسطس/آب 2025، هنا تبرز الحاجة إلى سياسات تكميلية، مثل إعانات مؤقتة للشركات لاستقطاب عمالة محلية، لتحويل هذا التحدي إلى نمو أجور يعزز الاستهلاك الداخلي.

الفقاعة السكنية

في ضواحي طهران ومشهد، حيث تتكدس الأحياء الشعبية بالعائلات الأفغانية، كان الطلب على الإيجارات يدفع الأسعار إلى السماء، الآن، مع انخفاض عدد المهاجرين غير الشرعيين بنسبة 35% في الأشهر الثلاثة الماضية – حسب بيانات البنك المركزي الإيراني – بدأت الأسعار في التراجع، في يوليو/تموز 2025، انخفضت إيجارات الشقق في طهران بنسبة 12%، مما خفف الضغط على 2.5 مليون أسرة إيرانية مستأجرة تعاني من التضخم السكني.

هذا الاتجاه ليس مصادفة؛ إنه نتيجة مباشرة لسياسة الطرد التدريجية التي بدأت في يناير/كانون الثاني 2025، حيث ركزت الحكومة أولا على غير المتزوجين بدون وثائق، ثم الأسر ذات الأطفال، يشرح إسماعيلي: “كان الطلب الوهمي من المهاجرين يشكل 20% من التضخم السكني الآن، مع انخفاضه، يمكن للحكومة إطلاق برامج إسكان اجتماعي جديدة، مثل مشروع ‘المنازل الشعبية’ الذي يهدف إلى بناء 100 ألف وحدة سكنية بتكلفة مدعومة في 2026”.

في مدينة أصفهان، أدى الفراغ السكني إلى حملة “استعادة الحياة”، حيث يُعاد تأهيل الأحياء المهملة بمشاركة الشباب الإيراني، مما يخلق وظائف إضافية ويحول المدن إلى مساحات أكثر استدامة ومع ذلك، قد يؤدي ارتفاع الأجور إلى ضغط مؤقت على الإيجارات في المدن الكبرى، لكن الخبراء يتوقعون توازنا سريعا مع زيادة العرض من خلال الاستثمارات الحكومية.

الآثار الاجتماعية

ليست الهجرة قصة اقتصادية فقط؛ إنها نسيج اجتماعي يتفكك ويعاد بناؤه، وجود 4 ملايين أفغاني سابقا أدى إلى ضغط هائل على الخدمات التعليمية والطبية، حيث زادت الفصول الدراسية المزدحمة بنسبة 25% في المناطق الحضرية، وفقا لتقرير منظمة الصحة العالمية في فبراير/شباط 2025. 

Image

الآن، مع العودة، تتنفس المدارس والمستشفيات الصعداء، مما يسمح بتحسين الجودة للأطفال الإيرانيين، لكن الجانب الثقافي أعمق: أحياء “الأفغانية” في طهران أصبحت رموزا للتوتر، مع زيادة المنافسة على الوظائف البسيطة التي أدت إلى انخفاض دافعية الشباب الإيراني بنسبة 18%، حسب استطلاعات الرأي.

إسماعيلي يقترح حلا إبداعيا: “دعونا نحول هذا إلى جسر ثقافي، برامج تبادل ثقافي مع أفغانستان، مثل ورش عمل مشتركة في الفنون والموسيقى، يمكن أن تخفف التوتر وتعزز الاندماج قبل الرحيل”، في الواقع، أطلقت وزارة الثقافة في يونيو/حزيران 2025 حملة “جيران الأمس”، تجمع بين المهاجرين والإيرانيين في أنشطة مجتمعية، مما قلل من الحوادث الاجتماعية بنسبة 10%.

الأمن والبيئة: درع للمستقبل

من الناحية الأمنية، كانت الهجرة غير المنظمة بمثابة ثغرة: جرائم بسيطة مرتبطة بـ15% من الحالات بأفراد بدون هوية، وفقا لوزارة الداخلية، العودة التدريجية، التي شملت 714 ألف شخص في النصف الأول من 2025، عززت النظام العام، مما انخفضت به معدلات التهريب بنسبة 22% أما البيئة، فهي الفائز الأكبر، النمو السكاني غير المنضبط استنزف المياه بنسبة 30% في المناطق الحضرية؛ الآن، مع انخفاض الاستهلاك، توفر الحكومة 500 مليون متر مكعب من المياه سنويا، مما يدعم مشاريع الطاقة المتجددة مثل محطات الشمس في سيستان وبلوشستان.. الخبير في شؤون العمل إسماعيلي يختم: “هذا ليس طردا؛ إنه إعادة توازن للبيئة والأمن، مع توفير مليارات الريالات في النفقات العامة”

تاريخ من الترحيل والعودة

علي رضا بكدالي، القائم بأعمال السفارة الإيرانية في كابول، أوضح أن عودة اللاجئين الأفغان لم تكن قرارا آنيا، بل خطة مدروسة منذ سنوات، وأشار إلى أن أكثر من 20 مليون أفغاني عادوا إلى بلادهم بعد إقامة قصيرة في إيران، بينما يعيش حاليا أكثر من 6 ملايين أفغاني في إيران منذ 48 عاما، متشاركين الحياة مع الإيرانيين عبر حدود إسلام قلعة ودوغارون وميلك، وأكد بكدالي أن الهجرة إلى إيران ليست ظاهرة جديدة، بل دورة مستمرة منذ عقود، حيث يأتي الأفغان للعمل ثم يعودون طوعا. 

وقال بكدالي: “الشعب الأفغاني يدرك مدى ثقة وحب الإيرانيين له، مما زاد من جاذبية إيران كوجهة”، وأضاف أنه منذ عام 2021 وبعد رحيل الأمريكيين من أفغانستان، عبر حوالي مليوني شخص الحدود دون وثائق، وفي خريف 2023 بدأت خطة إعادة اللاجئين، لكنها أُجلت إلى ربيع 2024 بطلب من السلطات الأفغانية بسبب البرد، ثم عُلقت مجددا بسبب أحداث داخلية في إيران. 

في خريف 2024، أُعيد طرح الخطة مع مهلة نهائية حتى 20 مارس/آذار 2025 مُددت لاحقا إلى 15 يوليو/تموز 2025 مراعاة لتعليم أبناء المهاجرين، وأوضح بكدالي أن الخطة تهدف إلى تنظيم أوضاع الأفغان، فالموجودون قانونيا يمكنهم البقاء، بينما يجب على غير القانونيين العودة للحصول على وثائق رسمية من يغادر طوعا بحلول 15 يوليو/تموز 2025 يمكنه العودة بتأشيرة، لكن التأخير يعني حظر دخول إيران لخمس سنوات هذا القرار، حسب بكدالي، هو ما دفع الكثيرين للمغادرة قبل الموعد النهائي.

التحديات المستقبلية

رغم الإيجابيات، ليست الصورة خالية من الظلال، نقص العمالة في أعمال المعادن والزراعة الشاقة قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الغذاء بنسبة 10% على المدى القصير، ويواجه 20% من أصحاب الأعمال الصغار صعوبات مالية، كما يفيد تقرير Foreign Policy في يوليو/تموز 2025. 

الحل؟ 

سياسات تكميلية جريئة: تدريب سريع لـ300 ألف عامل إيراني، إعانات للشركات، وتطوير إسكان اجتماعي يستهدف 1.5 مليون أسرة بحلول 2027.

في الختام، عودة المهاجرين الأفغان ليست مجرد سياسة؛ إنها تحول استراتيجي يمكن أن يعيد تشكيل إيران، إذا أدارت الحكومة هذه العملية بذكاء – من خلال الدعم للعمالة المحلية والحوار الثقافي – فستصبح فرصة لازدهار مستدام، يقلل الضغوط الاقتصادية ويعزز التماسك الاجتماعي. 

الشباب الإيراني، الذي طالما شعر بالإحباط، قد يجد أخيرا مكانه تحت الشمس.