- زاد إيران - المحرر
- 84 Views
كتب: الترجمان
تشهد الساحة الإيرانية منذ اندلاع الحرب والعدوان الإسرائيلي الأمريكي أواخر فبراير/شباط 2026 منعطفا مأساويا لا تتوقف آثاره عند حدود الخسائر البشرية والمادية المباشرة، بل تمتد لتطال “الذاكرة التراكمية” ومقدراتها الحضارية الضاربة في عمق التاريخ.
ففي خضم هذا الصراع العسكري بين إيران وتحالف تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل، كشفت التقارير الرسمية والميدانية الصادرة عن وزارة التراث الثقافي وجهات رقابية مستقلة عن حجم دمار غير مسبوق لحق بالمواقع الأثرية والمباني التاريخية القيمة.
هذا الدمار وُصف في الأوساط الحقوقية والثقافية العالمية بأنه “نقض صارخ” للقوانين الدولية التي تحمي الأعيان الثقافية زمن النزاعات المسلحة، وتهديد مباشر لإرث بشري مشترك لا يمكن تعويضه.
إن ما يحدث اليوم في طهران وأصفهان وكردستان وبقية المحافظات الإيرانية ليس مجرد ضرر إنشائي، بل هو عملية “تفتيت ممنهج” للهوية التاريخية التي تشكلت عبر آلاف السنين، حيث تنهار الأسوار التاريخية وتسقط المآذن الأثرية تحت وطأة التكنولوجيا العسكرية الحديثة.

خريطة الدمار الجغرافي: 140 أثرا في عين العاصفة
أعلن وزير التراث الثقافي والسياحة الإيراني، رضا صالحي أميري، في تصريحات رسمية، أن الإحصائيات الميدانية الدقيقة المستقاة من تقارير الخبراء في 20 محافظة إيرانية تشير إلى تضرر نحو 140 أثرا تاريخيا وموقعا قيما نتيجة الموجات المتتالية من القصف الجوي والعمليات العسكرية المستمرة منذ أكثر من شهر.
وتصدرت العاصمة طهران قائمة المدن الأكثر تضرراً بواقع 63 أثرا، تلتها أصفهان بـ 23 أثرا، ثم كردستان بـ 12 أثرا، بينما توزعت بقية الأضرار بنسب متفاوتة على محافظات خوزستان، وكرمانشاه، ولرستان، وفارس، والبرز، وبوشهر، وقم، ومازندران، وصولا إلى سيستان وبلوشستان.
وتقدر وزارة التراث الثقافي التكلفة المبدئية لهذه الخسائر 47 مليون دولار وهي ميزانية ضخمة تم رفعها إلى الحكومة كتقدير أولي لحجم الدمار الذي يحتاج لعمليات ترميم معقدة وتقنيات دقيقة جدا
وفي العاصمة طهران وحدها، ارتفع عدد المواقع المتضررة وفقا للجنة متابعة البيوت التاريخية إلى 77 موقعا حتى أبريل 2026. وشملت القائمة معالم لا تقدر بثمن، على رأسها “قصر كلستان” المسجل ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، ومجمع “سعد آباد” التاريخي الذي يضم 14 متحفا متخصصا، بالإضافة إلى برج الحرية (آزادي)، ومتحف السجاد، ومبنى البرلمان القديم، واستاد آزادی الرياضي، ومعهد الباستور.
وتراوحت الأضرار في هذه المواقع بين تدمير كلي لبعض الأجزاء المعمارية نتيجة الإصابات المباشرة، وتصدعات عميقة وخطيرة ناتجة عن موجات الانفجار الارتدادية التي هزت أركان المباني القديمة المعتمدة في بنائها على مواد تقليدية مثل الطوب والآجر والجص، وهي مواد لا تقوى على امتصاص صدمات المقذوفات الحديثة.

“موجة الانفجار”: القاتل الصامت للمعمار التاريخي
يشير الخبراء والمحللون التقنيون في مجال العمارة والترميم إلى أن التهديد الأكبر في هذه الحرب لم يكن دائما “الإصابة المباشرة” بالمقذوفات، بل ما يُعرف بـ “موجة الانفجا التي تنتقل عبر الهواء والتربة بسرعة تفوق سرعة الصوت.
أوضح المتحدث باسم إدارة التراث في أصفهان، علي محمد فصیحي، أن هذا النوع من الضرر يمثل تحديا جديدا لم يُعهد بنفس القوة خلال الحروب السابقة، بما في ذلك الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات.
وأشار إلى أن موجة الانفجار تعمل على تخلخل الهياكل الإنشائية من الداخل، وتؤدي إلى تصدعات دقيقة في السقوف والجدران، وتدمير الزخارف الجصية والقاشاني النادرة، وتحطيم النوافذ الزجاجية الأثرية التي تعود لعصور تاريخية مختلفة، بدءا من القاجارية وصولا إلى البهلوية.
وفي أصفهان، التي تُلقب بـ “نصف جهان” أي (نصف العالم)، تضرر 25 أثرا وطنيا وعالميا بشكل جدي ومقلق. شملت الأضرار مجمع “دولتخانة” الصفوي، وقصر “جهل ستون” الذي عانى من تصدعات في أعمدته الخشبية التاريخية ذات القيمة العالية، وعمارة “رکیب خانة” (متحف الفنون التزيينية) التي كانت الأكثر تأثراً بالهجمات الجوية القريبة، حيث سقطت أجزاء من سقفها وتحطمت جدارياتها.
كما طالت الأضرار ساحة “نقش جهان” التاريخية، ومسجد الإمام، ومسجد الشيخ لطف الله، وعمارة عالی قابو. وينذر هذا النوع من الأضرار بانهيارات مستقبلية مفاجئة، خاصة وأن المباني التاريخية تمتلك “عتبة تحمل” قد تنهار فجأة بعد أشهر من التعرض للصدمات الميكانيكية المتكررة وتغير الضغط الهوائي المفاجئ، مما يجعل عملية التقييم الأولي غير كافية لرصد الحجم الحقيقي للكارثة.

تصنيف الخسائر ومعضلات التقييم في المناطق الأمنية
اعتمدت بلدية طهران بالتعاون مع وزارة التراث الثقافي دستورا فنيا لتقييم الأضرار، صنف البنايات المتضررة إلى أربع درجات أساسية لضمان دقة التقارير المرفوعة. تشمل الدرجة الأولى المواقع التي تعرضت لتدمير شامل أو فقدت أصالتها التاريخية تماما نتيجة الإصابة المباشرة أو القرب الشديد من مركز الانفجار، ومنها مبنى معهد الباستور، ومركز شرطة بهارستان، وجزء من صالة مطار مهرآباد، ومسجد أرك طهران التاريخي.
أما الدرجتان الثانية والثالثة، فتضمان المباني التي تعرضت لأضرار جسيمة في الهيكل أو الزخارف لكنها لا تزال تحتفظ بهويتها الأساسية وقابليتها للترميم، وهي بحاجة لتدخل “ترميمي تحفظي” عاجل لاستعادة استقرارها الإنشائي قبل فوات الأوان.
وتكمن الصعوبة الكبرى والمعضلة التي تواجه الخبراء حاليا في أن جزءا كبيرا من هذه المواقع يقع ضمن “مناطق عسكرية أو أمنية” أو بجوار مراكز سيادية حساسة، مما يمنع فرق التفتيش الفنية والمنظمات غير الحكومية من الوصول إليها لتقدير حجم الدمار الحقيقي بالعين المجردة.
وفي محافظة خوزستان، هناك 13 أثرا معرضا للضرر الجسيم، لكن لم يتم توثيقها نهائيا أو تحديد درجة الضرر فيها بسبب القيود الميدانية المشددة. هذا الغموض يزيد من مخاوف خبراء الآثار حول تسارع وتيرة الزوال الصامت، حيث أن هذه المباني قد تفقد قدرتها على المقاومة قبل أن تتاح الفرصة لترميمها، مما يعني ضياع شواهد تاريخية هامة للأبد.

نزيف المقتنيات المتحفية والهوية الثقافية المفقودة
لم يقتصر النزيف الإيراني على الحجر والجدران والقلاع، بل طال بعمق “المقتنيات المتحفية” التي تمثل خلاصة الإبداع الفني والحرفي عبر العصور. فقد أدت موجات الصدمة والاهتزازات الأرضية العنيفة إلى تحطم فاترينات العرض في 48 متحفا على مستوى البلاد، مما أسفر عن تضرر قطع خزفية وطينية ومعدنية نفيسة تعود لآلاف السنين.
كما تأثرت المنسوجات والسجاد التاريخي والستائر الأثرية في القصور الملكية بشكل كبير نتيجة الحرائق الموضعية الناجمة عن الشظايا، أو نتيجة ذرات الغبار والمواد الكيميائية المنبعثة من الانفجارات، والتي تسببت في احتراق وتغيير كيميائي في الألوان وتهالك سريع للألياف العضوية لهذه المقتنيات الحساسة التي تتطلب ظروفا مناخية مستقرة تماماً
ويؤكد المتخصصون في مجال الترميم، مثل علي مختاريان، أن ضياع هذه العناصر المعمارية والجمالية يعني فقدان “هوية وتاريخ وحضارة” لا يمكن استرداده بأي ثمن مادي. فالزخارف الجصية التي دمرت في قصر “كلستان” أو السقوف الخشبية التي تهاوت في “مدرسة الشهيد مطهري” تحمل قيما فنية وتاريخية لا يمكن للتقنيات الحديثة، مهما بلغت دقتها، محاكاتها بروحها الأصلية.
إن فقدان “الأصالة” هو الثمن الأفدح الذي تدفعه إيران في هذه الحرب، حيث تتحول التحف الأثرية من قطع تنبض بالتاريخ إلى ركام صامت يحتاج إلى “إعادة بناء” قد تفتقر للروح التاريخية التي كانت تميزها، وهو ما يضعف من القيمة العلمية والسياحية لهذه المواقع في المستقبل البعيد.

المسؤولية الدولية والتحرك القانوني ضد التدمير المنهجي
أكدت وزارة التراث الثقافي في بياناتها الرسمية الموجهة للمجتمع الدولي أن استهداف هذه المناطق، أو عدم مراعاة “مسافات الأمان” الكافية التي حددتها اليونسكو بين الأهداف العسكرية والمراكز الثقافية، يعد خرقا فاضحا لاتفاقية لاهاي لعام 1954 ولحقوق الإنسان الثقافية المقرة عالميا.
وقد قامت الوزارة، عبر القنوات الدبلوماسية، بإرسال 9 رسائل رسمية عاجلة إلى منظمات دولية كبرى، شملت اليونسكو، والمجلس الدولي للمتاحف (ICOM)، واتحاد التراث الثقافي الآسيوي (ACHA)، ومنظمة السياحة العالمية، مطالبة بفتح تحقيق دولي مستقل وإرسال بعثات خبراء لتوثيق هذه الانتهاكات التي وصفتها بأنها “تهديد مباشر لذاكرة البشرية”.
إن استهداف المعالم في أصفهان وطهران ليس شأنا محليا، بل هو جريمة بحق الإرث الإنساني المشترك الذي ينتمي لكل سكان الأرض.

وتشير التقارير إلى أن اليونسكو أبدت استعدادا مبدئيا لإرسال وفد فني لتقييم المواقع المسجلة عالميا، إلا أن استمرار العمليات العسكرية وخطورة الأوضاع الميدانية يحولان دون ذلك حتى الآن.
إن استهداف المعالم التاريخية الهامة يضع القوى المهاجمة تحت طائلة المسؤولية القانونية الدولية والأخلاقية، حيث لا تسقط هذه الجرائم بالتقادم وفقاً للقانون الدولي الإنساني.
حماية ما تبقى من هذا الإرث لم تعد شأنا إيرانيا خالصا، بل هي ضرورة إنسانية ملحة لمنع اندثار فصل كامل من فصول الحضارة الشرقية العريقة. وفي الختام، يبقى الأمل معلقا على توقف هذه الهجمات لتبدأ رحلة شاقة وطويلة من الترميم وإعادة الروح لما دمرته الآلة العسكرية، في محاولة للحفاظ على ما تبقى من “هوية” تحت ركام الحرب.

