الاتفاق الإيراني الأمريكي… خارطة طريق لوقف الحرب أم هدنة تمهد لمرحلة جديدة من الصراع؟

بعد أشهر من التصعيد العسكري والمواجهات المباشرة وغير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، بدأت تلوح في الأفق ملامح انفراجة سياسية قد تضع حدا لإحدى أكثر الأزمات خطورة في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة. وجاءت هذه الانفراجة في أعقاب مرحلة اتسمت بتبادل الضربات العسكرية والتهديدات المتبادلة، تخللتها محاولات متكررة لفرض وقائع جديدة على الأرض، قبل أن تتجه الأطراف نحو مسار تفاوضي مكثف برعاية ووساطة إقليمية ودولية.

ورغم استمرار حالة انعدام الثقة بين الجانبين، فإن المؤشرات الصادرة عن طهران وواشنطن، إضافة إلى تصريحات الوسطاء، توحي بأن الطرفين توصلا إلى إطار تفاهم أولي يهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار وتهيئة الأرضية لمفاوضات أوسع حول الملفات العالقة. وفي الوقت الذي لا يزال النص النهائي ينتظر استكمال إجراءات المصادقة الرسمية، تتزايد التسريبات والتقارير الإعلامية التي تكشف تفاصيل ما بات يعرف بتفاهم إسلام آباد، والذي يمكن أن يشكل نقطة تحول مهمة في العلاقات الإيرانية الأمريكية وفي مستقبل الأمن الإقليمي.

إيران والولايات المتحدة… من التصعيد العسكري إلى تفاهم إسلام آباد

جاءت المفاوضات الحالية بعد مرحلة شهدت تصعيدا عسكريا غير مسبوق بين إيران والولايات المتحدة، حيث سعت واشنطن إلى ممارسة أقصى درجات الضغط السياسي والعسكري على طهران، في محاولة لدفعها إلى تقديم تنازلات في ملفات استراتيجية تتعلق بالبرنامج النووي والدور الإقليمي الإيراني. إلا أن هذه الضغوط، وفق كثير من التحليلات الإيرانية وحتى بعض التقديرات الغربية، لم تحقق النتائج المرجوة، بل دفعت إيران إلى التمسك بمواقفها الأساسية، خصوصا فيما يتعلق بحقها في التخصيب وسيادتها على الممرات البحرية الاستراتيجية.

Image

فخلال الأسابيع الماضية، تكررت التقارير التي تحدثت عن وساطات قادتها باكستان وقطر إلى جانب اتصالات شاركت فيها أطراف إقليمية ودولية أخرى. وأفضت هذه الجهود، وفق ما أعلنته شخصيات سياسية ومسؤولون في الدول الوسيطة، إلى التوصل إلى مسودة تفاهم من أربعة عشر بندا تشكل المرحلة الأولى من عملية سياسية أوسع. ووفق التصور المطروح، فإن المرحلة الأولى تهدف إلى إنهاء الحرب في جميع الجبهات وخلق بيئة مستقرة تسمح بالانتقال إلى مفاوضات أكثر تعقيدا حول القضايا الاستراتيجية الكبرى.

فقد أكد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، خلال مشاركة على التلفزيون الإيراني الجمعة 12 يونيو/ حزيران 2026، أن المفاوضات تسير ضمن مرحلتين واضحتين، الأولى تتمثل في توقيع مذكرة تفاهم، والثانية تتعلق بالتوصل إلى اتفاق نهائي بعد مفاوضات تستمر ستين يوما، كذلك حرص عراقجي على التأكيد أن الملف النووي تم تأجيله عمدا إلى المرحلة الثانية بسبب تعقيداته وحساسيته، فيما ركزت المرحلة الأولى على القضايا التي يمكن للطرفين تحقيق تقدم سريع بشأنها.

Image

كما أوضح المسؤولون الإيرانيون أن مذكرة التفاهم لا تمثل اتفاقا نهائيا، بل إطارا سياسيا ينظم الانتقال من حالة الحرب إلى مرحلة التفاوض. ومن هذا المنطلق، رفضت طهران اعتبار التسريبات الإعلامية نصوصا رسمية، مؤكدة أن النص النهائي لم يعتمد بعد من الجهات المختصة داخل الدولة.

في المقابل، صدرت إشارات من الجانب الأمريكي تفيد بأن الإدارة الأمريكية تنظر إلى الاتفاق باعتباره فرصة لإنهاء مرحلة مكلفة سياسيا وعسكريا، إلا أن استمرار الضربات العسكرية الأمريكية خلال بعض مراحل التفاوض أثار تساؤلات حول مدى قدرة واشنطن على الفصل بين الضغوط الميدانية والمسار الدبلوماسي، وهو ما دفع مسؤولين إيرانيين إلى اتهام الولايات المتحدة أكثر من مرة بمحاولة تحسين شروط التفاوض عبر القوة العسكرية.

Image

وبالرغم من هذه التناقضات، فيرى الخبراء أن الطرفين قد توصلا إلى قناعة مشتركة مفادها أن استمرار الحرب يحمل كلفة مرتفعة على الجميع، ولذلك أصبح تثبيت وقف إطلاق النار هدفا أساسيا، ليس انطلاقا من الثقة المتبادلة، وإنما بسبب إدراك متبادل بأن البديل قد يكون مواجهة أوسع يصعب التحكم بنتائجها.

بنود التفاهم… ماذا تأخذ إيران وماذا تقدم؟

شهدت الساحة الإعلامية الإيرانية جدلا واسعا حول صحة التسريبات المتداولة بشأن تفاصيل الاتفاق، حيث رفضت وكالة تسنيم للأنباء تأكيد بعض المعلومات التي تحدثت عن حسم الاتفاق بصورة نهائية، مشيرة إلى أن النص لا يزال قيد الدراسة لدى المؤسسات المختصة في إيران. كما نقلت الوكالة عن مصادر مطلعة أن الضغوط العسكرية والسياسية التي مارستها واشنطن خلال الأيام الأخيرة بهدف إدخال تعديلات إضافية على نص التفاهم لم تنجح في تغيير الموقف الإيراني، وأن طهران رفضت التعديلات الجديدة وتمسكت بالنص الذي جرى التوصل إليه خلال جولات التفاوض السابقة.

Image

وازداد الجدل بعد نشر وسائل إعلام إيرانية وأمريكية تسريبات متباينة حول مضمون الاتفاق. فقد اعتبرت صحيفة فرهيختجان الأصولية أن ما يجري لا يقتصر على مفاوضات سياسية فحسب، بل يشمل أيضا حرب روايات موازية بين الطرفين، حيث يسعى كل جانب إلى تقديم الاتفاق لجمهوره الداخلي باعتباره انتصارا لمواقفه. وأشارت الصحيفة إلى وجود اختلافات جوهرية بين ما نشرته وكالة مهر الإيرانية وموقع أكسيوس الأمريكي بشأن مضمون التفاهم، معتبرة أن هذه الفوارق تعكس استمرار التجاذب التفاوضي حتى اللحظات الأخيرة، وأنه لا يمكن اعتبار أي من النصوص المتداولة وثيقة نهائية معتمدة.

Image

وفيما يتعلق ببنود الاتفاق التي سربت من مصادر صحافية ودبلوماسية، فإن الرواية الإيرانية تتحدث عن وقف دائم وفوري للحرب في جميع الجبهات، بما في ذلك الجبهة اللبنانية، بينما تحدثت بعض الروايات الأمريكية عن تمديد وقف إطلاق النار لمدة ستين يوما فقط. ويعد هذا البند من أكثر النقاط حساسية، إذ ترى طهران أن الهدف الأساسي من التفاهم هو إنهاء الحرب بصورة شاملة وليس مجرد تمديد هدنة مؤقتة قابلة للانهيار في أي لحظة.

كما يتضمن النص، وفق المصادر الإيرانية، تعهدا أمريكيا بعدم التدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية واحترام سيادة الجمهورية الإسلامية، إضافة إلى التزام بعدم زيادة القوات الأمريكية في المنطقة وعدم فرض عقوبات جديدة خلال فترة التفاوض. وتشير بعض التسريبات كذلك إلى التزام أمريكي بسحب القوات المنتشرة في محيط إيران، وهو بند لم يرد بصورة واضحة في بعض الروايات الأمريكية، ما يعكس حجم التباين بين القراءتين الإيرانية والأمريكية لمضمون التفاهم.

أما في الجانب الاقتصادي، فتشير التسريبات الإيرانية إلى الإفراج عن 24 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة، على أن يتم الإفراج عن نصف هذا المبلغ قبل بدء المفاوضات النهائية. كما يتضمن الاتفاق تعليق العقوبات المتعلقة بقطاع النفط والبتروكيماويات وإتاحة وصول إيران إلى عائداتها المالية، فضلا عن التزام أمريكي وحلفائه بتقديم مشاريع لإعادة إعمار الاقتصاد الإيراني بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار. وفي المقابل، تحدثت بعض التسريبات الأمريكية عن تسهيلات محدودة ومؤقتة للوصول إلى جزء من الأموال المجمدة أو السماح ببيع النفط لفترة زمنية محدودة، وهو ما اعتبرته الصحف الإيرانية أحد أكبر الفوارق بين الروايتين.

Image

وفي ملف مضيق هرمز، وهو أحد أكثر الملفات حساسية في المفاوضات، تنص التفاهمات وفق الرواية الإيرانية على رفع الحصار البحري وإعادة فتح المضيق أمام الملاحة التجارية خلال ثلاثين يوما وفق ترتيبات إيرانية خالصة، مع إدارة مشتركة بين إيران وسلطنة عمان لأمن الملاحة. بينما تحدثت بعض التقارير الغربية عن إعادة فتح المضيق مقابل رفع الحصار البحري الأمريكي والعودة إلى مستويات الملاحة السابقة للحرب. وقد شدد المسؤولون الإيرانيون مرارا على أن إدارة المضيق ستبقى شأنا إيرانيا ـ عمانيا، وأن الولايات المتحدة لن يكون لها أي دور في ترتيباته المستقبلية، مؤكدين أن عودة الملاحة لا تعني التنازل عن السيادة أو عن حق إيران في تنظيم وتأمين هذا الممر الاستراتيجي.

Image

وفي الملف النووي، لا تقدم إيران في المرحلة الأولى أي تنازلات جديدة، وفق ما تؤكده جميع المصادر الإيرانية تقريبا. فالتعهد الوحيد الذي يتكرر في النص هو التزامها السابق الوارد في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية بعدم السعي إلى إنتاج سلاح نووي. أما مصير التخصيب والمواد المخصبة ومستقبل البرنامج النووي، فيترك بالكامل للمرحلة الثانية من المفاوضات التي يفترض أن تمتد ستين يوما. وهنا أيضا تظهر فجوة بين الروايات؛ إذ تتحدث بعض التقارير الأمريكية عن خفض مخزون اليورانيوم عالي التخصيب تحت إشراف دولي، بينما تؤكد الرواية الإيرانية أن أي نقاش نووي لن يبدأ قبل تنفيذ حزمة من الالتزامات الاقتصادية، تشمل الإفراج عن الأموال المجمدة ورفع القيود النفطية وإنهاء الحصار البحري.

Image

وتشير النصوص المتداولة أيضا إلى أن موضوع البرنامج الصاروخي الإيراني ودعم حركات المقاومة في المنطقة مستبعدان من جدول الأعمال بصورة كاملة، وهو ما تعتبره طهران نجاحا مهما في تحديد نطاق التفاوض وحصره في الملفات التي توافق على مناقشتها. كما تؤكد المصادر الإيرانية أن المفاوضات النهائية ستقتصر على ثلاث ملفات أساسية، مستقبل البرنامج النووي السلمي الإيراني، ورفع العقوبات الأمريكية والدولية، وآليات التعويض وإعادة إعمار الاقتصاد الإيراني.

وفي ظل استمرار التباين بين ما تنشره وسائل الإعلام الإيرانية والأمريكية، تبدو الصورة النهائية للاتفاق رهينة بما ستسفر عنه المراجعات الرسمية في طهران وواشنطن. لذلك يحرص المسؤولون الإيرانيون على التأكيد أن جميع النصوص المتداولة حتى الآن لا تعدو كونها مسودات أو تسريبات غير نهائية، وأن الحكم على مضمون الاتفاق الحقيقي يجب أن ينتظر صدور النسخة الرسمية المعتمدة من الطرفين.

طريق التوقيع… بين التفاهم الرقمي والتجاذبات السياسية

على الرغم من الحديث المتكرر عن قرب التوصل إلى اتفاق، فإن الطريق نحو التوقيع لم يكن خاليا من العقبات، فخلال الأيام الأخيرة صدرت مواقف متناقضة حول ما إذا كان النص قد أصبح نهائيا أم لا، وحول مكان التوقيع وطبيعته وآليات اعتماده.

ففي الوقت الذي تحدث فيه مسؤولون باكستانيون عن التوصل إلى النص النهائي، وأعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أن بلاده تستعد للمشاركة في مراسم توقيع إلكتروني للاتفاق، حرصت وزارة الخارجية الإيرانية على التأكيد أن النص لا يزال بحاجة إلى مراجعة وموافقة المؤسسات المختصة داخل إيران.

Image

ووفق التصريحات الإيرانية، فإن التوقيع قد يتم عن بعد وبصورة رقمية، بحيث يوقع كل طرف على الوثيقة من موقعه ثم يتم الإعلان عنها رسميا. وفي المقابل تحدثت تقارير إعلامية غربية عن احتمال إقامة مراسم في جنيف بمشاركة مسؤولين كبار من الطرفين، بينهم نائب الرئيس الأمريكي.

كما برزت خلال هذه المرحلة تقارير تحدثت عن محاولات أمريكية لإدخال تعديلات جديدة على مسودة التفاهم. غير أن مصادر إيرانية قالت إن طهران رفضت هذه التعديلات وتمسكت بالنص الذي جرى التفاوض عليه خلال الأسابيع الماضية، ما دفع واشنطن في النهاية إلى التراجع عن بعض مطالبها وفق الرواية الإيرانية.

Image

وتعكس هذه التطورات حجم الحذر الذي يطغى على العملية التفاوضية. فإيران تؤكد باستمرار أن تجربتها السابقة مع الولايات المتحدة تجعلها تتعامل مع أي اتفاق بمنطق الضمانات لا بمنطق الثقة. ولهذا السبب تركز طهران على آليات التنفيذ والرقابة أكثر من تركيزها على الصياغات السياسية.

كما أن الاتفاق، حتى لو تم توقيعه، لن يدخل مباشرة في مرحلة التنفيذ الكامل، بل سيؤسس لمسار تفاوضي جديد يمتد ستين يوما، يتم خلاله بحث القضايا الأكثر حساسية وعلى رأسها الملف النووي والعقوبات والتعويضات وآليات إعادة الإعمار.

ردود الفعل الإقليمية والدولية… بين الترحيب السياسي والحذر الاستراتيجي

لم يقتصر الجدل حول مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية على تفاصيل البنود المتداولة أو على الجوانب الإجرائية المتعلقة بآلية التوقيع ومراحل التنفيذ، بل امتد ليشمل سلسلة واسعة من ردود الفعل الإقليمية والدولية والداخلية، عكست حجم الرهانات السياسية المرتبطة بالاتفاق المحتمل، كما كشفت عن تباين واضح في قراءة الأطراف المختلفة لدلالاته ونتائجه المستقبلية.

فعلى المستوى الإقليمي، كانت الدول العربية وتركيا من أوائل الأطراف التي أبدت ترحيبا بالتقدم المحرز في مسار المفاوضات، فقد أجرت قطر سلسلة اتصالات دبلوماسية مع المملكة العربية السعودية والأردن ومصر وتركيا عقب الإعلان عن التوصل إلى صيغة توافقية أولية بين طهران وواشنطن. وأكد وزراء خارجية هذه الدول خلال اتصالاتهم مع رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني دعمهم للمسار التفاوضي القائم، معتبرين أن أي اتفاق من شأنه أن يوقف التصعيد العسكري ويمنع انزلاق المنطقة إلى حرب أوسع يصب في مصلحة الأمن والاستقرار الإقليميين. كما عبرت هذه الدول عن أملها في أن ينجح الطرفان في استكمال الإجراءات النهائية والتوقيع على الاتفاق، بما يسمح بفتح صفحة جديدة من المعالجات السياسية للقضايا العالقة عبر الحوار والوسائل الدبلوماسية.

Image

أما داخل إيران، فقد اتسمت ردود الفعل بدرجة أكبر من التنوع والتباين. ففي الوقت الذي رحبت فيه بعض الأوساط السياسية والإعلامية بالتفاهم باعتباره ثمرة لصمود إيران العسكري والسياسي خلال الأشهر الماضية، ظهرت أصوات أخرى تعاملت معه بحذر شديد، انطلاقا من تجربة طويلة من الشكوك المتبادلة مع الولايات المتحدة. وقد برز هذا التباين بوضوح في مواقف الشخصيات السياسية ووسائل الإعلام الإيرانية.

وفي هذا الإطار، اعتبر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن نجاح الاتفاق مرهون بالتزام جميع الأطراف بتعهداتها دون استثناء أو تأويل، وكتب في رسالة نشرها عبر منصة إكس أن “الطريق الوحيد أمام الاتفاق المرتقب هو تنفيذ التعهدات كما قدمت، من دون أعذار أو شروط إضافية”، فيما تحمل هذه الرسالة دلالة سياسية مهمة، إذ إنها تعكس دعما مشروطا للمسار التفاوضي، مع التشديد في الوقت ذاته على ضرورة ترجمة الالتزامات المكتوبة إلى خطوات عملية على الأرض، وهو مطلب يتكرر باستمرار في الخطاب الإيراني الرسمي منذ بدء المفاوضات.

Image

في المقابل، قدم المحلل والناشط السياسي الإصلاحي أحمد زيد آبادي قراءة مختلفة للاتفاق المحتمل، ركزت على طبيعة العلاقات الدولية أكثر من تفاصيل النص نفسه. فبحسب زيد آبادي، لا تقوم الاتفاقات بين الدول على الثقة المطلقة، لأن الثقة الكاملة بين الدول غير موجودة أصلا حتى بين الحلفاء المقربين. واستشهد في هذا السياق بالعلاقة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، معتبرا أن التحالف الوثيق بينهما لا يلغي وجود الشكوك المتبادلة المرتبطة بالمصالح الوطنية لكل طرف.

Image

ومن هذا المنطلق، رأى زيد آبادي أن الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة لا يستند إلى الثقة بقدر ما يستند إلى إدراك الطرفين أن استمرار الحرب أو توسعها سيؤدي إلى أضرار جسيمة وغير محتملة لكليهما. ولذلك فإن التفاهم يصبح، في رأيه، خيارا عقلانيا تفرضه المصالح والضرورات الواقعية أكثر مما تفرضه النوايا الحسنة أو الثقة السياسية.

وفي الاتجاه المقابل، ظهرت قراءات أكثر تشددا وتحفظا، خاصة في بعض الصحف الأصولية، فقد نشرت صحيفة خراسان تحليلا اعتبر أن الاتفاق المرتقب لا يمثل تسوية نهائية للصراع بين إيران والولايات المتحدة، بل مجرد مرحلة مؤقتة لوقف الحرب الحالية. ورأت الصحيفة أن الخلافات الجوهرية بين الطرفين، وخصوصا تلك المرتبطة بإسرائيل والدور الإقليمي الإيراني، وصلت إلى مستوى من العمق يجعل من الصعب إنهاءها عبر مذكرة تفاهم أو اتفاق مرحلي. وذهبت الصحيفة إلى أبعد من ذلك عندما اعتبرت أن الوظيفة الحقيقية للاتفاق لا تكمن في البنود الاقتصادية أو السياسية المعلنة، وإنما في تأجيل المواجهة الكبرى ومنح جميع الأطراف فرصة لإعادة بناء قدراتها العسكرية والاقتصادية والاستعداد للمرحلة التالية من الصراع. ووفق هذا التصور، فإن الاتفاق لا ينظر إليه باعتباره سلاما دائما، بل باعتباره هدنة مؤقتة أو استراحة استراتيجية يستفيد منها الجميع.

Image

كما برزت أصوات إعلامية أصولية أخرى حذرت من الإفراط في التفاؤل، معتبرة أن التجارب السابقة مع الولايات المتحدة، سواء في الملف النووي أو في ملفات أخرى، تفرض التعامل بحذر شديد مع أي التزامات أمريكية. واستندت هذه المواقف إلى سجل طويل من الاتهامات المتبادلة بخرق الاتفاقات والتراجع عن الالتزامات، وهو ما يجعل مسألة الضمانات وآليات التنفيذ أكثر أهمية من النصوص السياسية نفسها.

وبين الترحيب الإقليمي والدعم الدبلوماسي من جهة، والتحفظات والشكوك الداخلية من جهة أخرى، تبدو مذكرة التفاهم المرتقبة محاطة بتوقعات كبيرة واختبارات أكثر صعوبة. فنجاحها لن يقاس بمجرد التوقيع عليها، بل بقدرة الأطراف على تنفيذ ما ورد فيها وتحويلها من إطار سياسي مؤقت إلى مسار مستدام يمنع عودة التصعيد العسكري ويؤسس لمعالجة أعمق للملفات الخلافية بين طهران وواشنطن. ولهذا السبب، ينظر كثير من المراقبين إلى الأسابيع والأشهر المقبلة باعتبارها المرحلة الحاسمة التي ستحدد ما إذا كان هذا التفاهم بداية لمرحلة جديدة من الاستقرار، أم مجرد محطة عابرة في صراع لم يصل بعد إلى نهايته.

كلمات مفتاحية: