صراع “الأخوة الأعداء”: كيف تحولت مفاوضات إسلام آباد إلى ساحة تصفية حسابات بين قالیباف وجليلي؟

كتب: الترجمان

تعيش الساحة السياسية الإيرانية في الآونة الأخيرة حالة من الغليان غير المسبوق، حيث لم تعد الخلافات داخل التيار الأصولي مجرد تباينات في وجهات النظر حول قضايا فرعية، بل تحولت إلى “حرب شاملة” كشفت عن شروخ بنيوية في جدار النظام الداخلي. هذه المواجهة، التي كان فتيلها جولة المفاوضات الأخيرة في إسلام آباد، أعادت إلى الواجهة الخصومة التاريخية بين قطبين بارزين: محمد باقر قالیباف، رئيس البرلمان الذي يمثل الجناح “التكنوقراطي الأصولي”، وسعيد جليلي، ممثل المرشد الأعلى في مجلس الأمن القومي الذي يتزعم الجناح “الأيديولوجي المتشدد”. 

وبينما تحاول الماكينة الإعلامية الرسمية تصدير صورة “الوحدة الوطنية” في مواجهة التهديدات الخارجية، فإن الواقع على الأرض، وفي أروقة البرلمان، وعبر منصات التواصل الاجتماعي، يشير إلى معركة كسر عظم حقيقية؛ حيث يرى تيار جليلي في تحركات قالیباف الدبلوماسية “خيانة لمبادئ الثورة”، بينما ينظر معسكر قالیباف إلى خصومه كـ “كاسبي عقوبات” يقتاتون على عزل البلاد وتدمير اقتصادها، مما يضع مستقبل الانسجام السياسي في إيران على المحك في واحدة من أخطر المنعطفات التاريخية التي تمر بها المنطقة.

دبلوماسية إسلام آباد: قالیباف في مواجهة “نيران صديقة”

لم تكن رحلة محمد باقر قالیباف إلى إسلام آباد لرئاسة الفريق التفاوضي الإيراني مجرد مهمة دبلوماسية روتينية، بل كانت بمثابة مغامرة سياسية في حقل ألغام محلي قبل أن يكون دوليا. لقد كشفت مصادر مقربة من كواليس القرار أن قالیباف واجه ممانعة شرسة من داخل أروقة النظام قبل مغادرته، حيث حاول الجناح المتشدد بكل قوته عرقلة هذه الخطوة أو على الأقل تفريغها من محتواها. 

وعقب عودته، لم يخفِ قالیباف مرارته من حجم “العراقيل الداخلية“، مشيرا في تصريحات ضمنية إلى أن الجهد الذي بذله لإقناع القوى المحلية بجدوى الانفتاح الدبلوماسي كان أشق بكثير من التفاوض مع الأطراف الخارجية. هذا الانقسام تجلى بوضوح عندما تسربت أنباء عن تقديم إيران مقترحا من 14 بندا عبر الوسيط الباكستاني إلى الولايات المتحدة؛ وهو المقترح الذي اعتبره رفاق جليلي في البرلمان، مثل محمود نبويان وعلي خضريان، بمثابة “تراجع تكتيكي” يمنح العدو فرصة لالتقاط الأنفاس. 

بالنسبة لهذا التيار، فإن مجرد الجلوس على طاولة واحدة، حتى لو كان ذلك عبر وسطاء، للحديث عن الملف النووي أو مستويات التخصيب، يعد “خطأ استراتيجيا” يعطي انطباعاً بضعف الدولة تحت وطأة التهديدات العسكرية، وهو ما جعل قالیباف وفريقه، الذي يضم وزير الخارجية عباس عراقجي، في مرمى اتهامات قاسية وصلت إلى حد التخوين العلني في بعض الأوساط الأصولية.

Image

سعيد جليلي: مهندس “الانسداد الدبلوماسي” وتاريخ من تعطيل الاتفاقات

لفهم جذور العداء الحالي، يجب العودة بالذاكرة إلى الوراء لاستعراض سجل سعيد جليلي الذي يصفه خصومه بأنه “المعطل الأول” للدبلوماسية الإيرانية على مدار عقدين من الزمان. جليلي، الذي أدار ملف المفاوضات النووية لسنوات دون الوصول إلى نتيجة ملموسة، يتبنى استراتيجية تقوم على “المقاومة المطلقة” ورفض أي شكل من أشكال التفاهم مع الغرب، معتبراً أن العقوبات هي فرصة للاكتفاء الذاتي وليست عبئاً يجب رفعه. 

لقد أثبتت التقارير، خاصة ما كشفه علي أكبر صالحي، وزير الخارجية الأسبق ووزراء سابقون، أن جليلي وتياره المعروف بـ “دولة الظل” لعبوا دورا محورياً في إفشال إحياء الاتفاق النووي في ثلاث محطات رئيسية: الأولى في عهد روحاني عبر الضغط البرلماني والقانوني، والثانية في عهد إبراهيم رئيسي عام 2021 عندما كان الاتفاق قاب قوسين أو أدنى من التوقيع في فيينا، حيث تدخل جليلي برسالة مطولة للمرشد يطالب فيها برفع سقف المطالب إلى حدود تعجيزية (مثل التخصيب بنسبة 90%)، مما أدى لتعثر المسار. 

واليوم، يعيد جليلي إنتاج نفس الاستراتيجية مع حكومة بزشكيان وفريق قالیباف، مستخدما نفوذه في “جبهة بایداری” لتصوير أي تحرك نحو التهدئة كأنه “استسلام لمشروع غربي”. هذا النهج لا ينطلق من فراغ، بل هو جزء من طموح جليلي السياسي للوصول إلى رئاسة الجمهورية، وهو الحلم الذي تعثر عدة مرات وكان قالیباف دائما هو المنافس الأقرب واللدود في ذات المعسكر، مما جعل الصراع يأخذ طابعا شخصيا وأيديولوجيا في آن واحد.

Image

حرب الوكالات والمنصات: “تسنيم” و”رجانیوز” وكسر هيبة الرموز

انتقل الاشتباك السياسي من الغرف المغلقة إلى الفضاء الإعلامي والافتراضي، حيث تحولت وكالات الأنباء الكبرى إلى “مدافع ثقيلة” في حرب التصريحات. وكالة “تسنیم”، التي تعكس توجهات مراكز القوى الأمنية والواقعية داخل النظام، شنت هجوماً غير مسبوق على موقع “رجانیوز” الناطق باسم تيار جليلي، واصفة القائمين عليه بتبني نهج “تخريبي” يشبه أسلوب “محمد رضا كشميري” (الذي اخترق النظام في الثمانينيات). 

هذا الاتهام بالخيانة والاندساس لم يكن عابرا، بل عكس حجم الغضب من قيام “رجانیوز” بتخوين قالیباف وعراقجي بشكل يومي. في المقابل، تحول فضاء التواصل الاجتماعي، وتحديدا منصة “ويراستي” (البديل الإيراني)، إلى ساحة للتعبئة الرقمية، حيث أطلق أنصار جليلي وسوما هجومية مثل “الموت للمساوم”، ونشروا مقاطع فيديو تربط بين قالیباف وبين التيار الإصلاحي، متهمين إياه بأنه أصبح “جسر عبور” لعودة الموالين للغرب إلى السلطة. 

هذا الشقاق الإعلامي أدى إلى حالة من الإرباك لدى الرأي العام الأصولي، حيث وجد القواعد الشعبية أنفسهم أمام مرجعيتين إعلاميتين تتهم كل منهما الأخرى بالانحراف عن “خط المرشد الأعلى”، مما أدى إلى تآكل الثقة في الخطاب السياسي الموحد للدولة.

Image

التصعيد في الشارع: تجمعات ليلية وتحذيرات ميثم مطيعي

لم يتوقف الصراع عند حدود الورق والشاشات، بل امتد ليشمل الشارع الإيراني عبر تنظيم تجمعات ليلية “عفوية” ظاهريا، لكنها منظمة بدقة من قبل كوادر تيار “جبهة بايداري”. في هذه التجمعات، رُفعت لافتات تهاجم “ثلاثي التفاوض” (بزشكيان، وقالیباف، وعراقجي)، وظهرت هتافات تتهمهم ببيع المكتسبات النووية مقابل وعود أمريكية زائفة. 

هذه التحركات أثارت قلقا بالغا لدى النواة الصلبة في النظام، خشية أن يؤدي هذا الاستقطاب إلى انقسام مجتمعي حاد في وقت تواجه فيه البلاد تهديدات عسكرية خارجية من إسرائيل. وهنا، برز دور المنشد الشهير ميثم مطيعي، الذي يُعد صوتا مؤثرا في الأوساط الثورية، حيث خرج في كلمة مدوية من ميدان “ونك” بطهران، موجها انتقادات لاذعة لتيار “المتشددين” دون تسميتهم. 

مطيعي طالب هؤلاء بـ “النضج السياسي” والكف عن السلوكيات الصبيانية التي تخدم الأعداء، محذرا من أن  تسريب الأخبار الناقصة يُستخدم لتأليب الرأي العام ضد المسؤولين. تصريح مطيعي بأن “من يحاول كسر الوحدة سيتلقى صفعة” كان بمثابة رسالة واضحة من الدوائر العليا بأن التمادي في إضعاف فريق قالیباف التفاوضي لم يعد مسموحا به، وأن مصلحة النظام في التهدئة الحالية تعلو فوق الطموحات الحزبية لتيار جليلي.

Image

جبهة البرلمان: نواب “بايداري” وسلاح “الخطوط الحمراء”

داخل البرلمان، تحولت الجلسات إلى ساحة للمبارزة الكلامية بين مؤيدي قالیباف ومعارضيه من أنصار جليلي. نواب مثل حميد رسائي وأمير حسين ثابتي رفضوا التوقيع على بيان يدعم الفريق التفاوضي، وبدأوا في توجيه أسئلة برلمانية “مفخخة” لقالیباف حول تفاصيل مفاوضات إسلام آباد. 

ثابتي، الذي يُعد من الوجوه الشابة الصاعدة في تيار جليلي، اتهم قالیباف صراحة بتجاوز “الخطوط الحمراء” التي وضعها المرشد الأعلى، مدعيا أن المفاوضات تضمنت نقاشات حول تعليق تخصيب اليورانيوم، وهو ما نفاه معسكر قالیباف بشدة.

هذا الضغط البرلماني يهدف إلى تكبيل يد الفريق التفاوضي وجعله يتحرك في مساحة ضيقة جدا، مما يقلل من فرص الوصول إلى “تفاهم مؤقت” قد يرفع بعض الضغوط الاقتصادية عن كاهل الإيرانيين. 

إن استراتيجية “نواب جليلي” تقوم على فكرة أن أي نجاح يحققه قالیباف في الملف الخارجي سيعزز من مكانته كـ “رجل دولة” منقذ، وهو ما يهدد نفوذ التيار المتشدد الذي يزدهر في أجواء الأزمات والتوتر الشامل مع العالم.

تداعيات الشقاق على الأمن القومي: الخطر الكامن في الداخل

في نهاية المطاف، يتجاوز هذا الصراع مجرد المنافسة على المناصب ليمس جوهر الأمن القومي الإيراني. إن وجود جبهة داخلية مفككة، تتبادل فيها أركان النظام اتهامات بالخيانة والتجسس والمساومة، يبعث برسالة ضعف خطيرة إلى الخارج، وتحديداً إلى واشنطن وتل أبيب.

 يرى المحللون أن هذا الانقسام يقلل من “قوة الردع الدبلوماسي” لإيران؛ فالمفاوض الذي لا يستند إلى جبهة داخلية موحدة يكون موقفه ضعيفاً وقابلاً للكسر. علاوة على ذلك، فإن الشارع الإيراني الذي يعاني من أزمات معيشية خانقة بدأ يفقد الثقة في قدرة التيار الأصولي بجميع أجنحته على إدارة البلاد، حيث يرى أن الصراع يدور حول “الكرسي” وليس حول “الخبز”. 

إن استمرار “حرب الإخوة” بين قالیباف وجليلي قد يؤدي في النهاية إلى حالة من الشلل في صناعة القرار السيادي، مما يجعل إيران عرضة لمفاجآت غير سارة في ملفات الحرب والسلم، وهو ما يستدعي تدخلاً حاسماً من المرشد الأعلى لوضع حد لهذه المهاترات التي بدأت تأكل من رصيد الدولة وهيبتها في لحظة تاريخية لا تحتمل القسمة على اثنين.

كلمات مفتاحية: