إيران وصناعة التوازن.. 200 عام من شدّ الحبل بين القوة والاتفاق

نشرت صحيفة فرهيختكان الأصولية، الأربعاء 24 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا ذكرت فيه أنه تزامنا مع سفر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى نيويورك لإلقاء كلمة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، يسعى بعض الأشخاص بلا خطة واضحة، للقاء مباشر مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كجزء من عمليات نفسية.

وأضافت الصحيفة أن مستشار المرشد الأعلى للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي، نشر رسالة شكر من المرشد عام 1990 لفريق التفاوض الإيراني، تقديرا لنجاحهم في وقف إطلاق النار وفرض القرار 1975 على الحكومة العراقية، مما يبرز النهج العقلاني لإيران في توظيف الدبلوماسية لحماية مصالحها الوطنية.

وأوضحت أن التفاوض المباشر مع ترامب خلال تهديدات الحرب التي دامت 12 يوما سيكون له أثر دعائي عكسي، في حين تستمر قنوات التواصل مع الولايات المتحدة وتُخطط مفاوضات غير مباشرة مع الدول الأوروبية الثلاث لمنع تفعيل آلية الزناد.

وتابعت أن استمرار الدبلوماسية يشكل فرصة لمراجعة تاريخ المفاوضات الإيرانية، حيث أثبتت التجارب أن القوة الوطنية، والقدرة الهجومية، والقدرة الدبلوماسية هي ثلاثة مكونات رئيسية تحدد النجاحات والإخفاقات. 

وأردفت أنه في الوقت الراهن، بعد انتصار إيران في حرب الـ12 يوما بالاعتماد على القدرة الهجومية والتماسك الاجتماعي، يجب توظيف الدبلوماسية جنبا إلى جنب مع هذه العناصر وتحليل التجارب التاريخية لتجنب السلوكيات السلبية في أي مفاوضات مستقبلية.

الانتصار عبر استغلال ثغرات العدو

أكَّدت الصحيفة أنه في أوائل القرن التاسع عشر، دفعت الهجمات العثمانية على شمال غرب إيران إلى رد فعل عسكري من إيران، ففي الفترة بين 1821–1823م، هاجم السلطان محمود الثاني العثماني إيران بجيش قوي، لكن جيش فتحعلي شاه القاجاري تمكن من صد هذا الهجوم، وفي عام 1823م، أُبرمت معاهدة كرست الحدود التي حُددت في معاهدة قصر شيرين (1639)، لكنها لم تحل كل النزاعات الحدودية بين إيران والدولة العثمانية.

وأبرزت الصحيفة أنه حتى أواخر عهد محمد شاه القاجاري، لم تُجرَ مفاوضات جدية حول الحدود، إلى أن أشعلت الأحداث في عام 1837–1838م التوترات، بعد حصار هرات من قبل إيران، وغزو علي رضا باشا والي العثمانيين لخرمشهر وادعائه ملكيتها.

وبيَّنت أن هذا الحدث كان على وشك إشعال حرب جديدة، لكن بذكاء رئيس الوزراء الإيراني في عهد القاجاريين ميرزا تقي خان فراهاني (أمير كبير)، تدخلت روسيا وبريطانيا التي كانت تسعى للحد من قوة العثمانيين كوسطاء للمفاوضات، وتم تشكيل لجنة تضم ممثلين من إيران والعثمانيين وروسيا وبريطانيا في أرضروم لتسوية النزاعات، بما في ذلك مطالبة إيران بخسائر خمسة كرور بسبب خرمشهر.

وأشارت إلى أن إيران اختارت أمير كبير لاحقا، والعثمانيون اختاروا أنور أفندي كممثلين لهم، بدأت المفاوضات في عام 1843–1844م، وبعد 18 جلسة وأكثر من ثلاث سنوات، لم يتم التوصل إلى اتفاق بسبب الخلافات العميقة، وأخيرا، وُقعت المعاهدة الثانية لأرضروم في عام 1847–1848م بين محمد شاه القاجاري والسلطان عبد الحميد العثماني، حيث قسّمت المناطق المتنازع عليها، واعترف العثمانيون بحق إيران في الملاحة في نهر أروند رود.

وأضافت أن القدرة الهجومية لإيران في هذه المفاوضات لعبت دورا محوريا في منع تحقيق المطالب المطلقة للدولة العثمانية، وكذلك في تفادي اندلاع حرب شديدة ضد إيران، وسمح ضعف العثمانيين في تلك الفترة، بسبب المشاكل الداخلية مثل الثورات المصرية والضغوط الأوروبية، لإيران بعدم الدخول في المفاوضات من موقف خاسر مسبقا، واستغل أمير كبير هذا الضعف بذكاء لصالح إيران.

رمز الضعف الشامل
نوَّهت الصحيفة إلى أن معاهدتي كلستان وتركمانجای مع الإمبراطورية الروسية تُعدان نموذجا للمفاوضات الفاشلة في تاريخ إيران الحديث، وتم توقيعهما في أوائل القرن التاسع عشر، وأسفرتا عن فقدان مساحات واسعة من الأراضي الشمالية لإيران، فالحرب الأولى دارت بين 1804 و1813، والثانية بين 1826 و1828.

وأظهرت أنه في تلك الفترة، كانت إيران تحت حكم القاجاريين، وهي سلالة واجهت مشاكل داخلية متعددة، فالقوة الوطنية كانت ضعيفة؛ إذ كان غالبية السكان من الفلاحين والبدو الرحل، يفتقرون إلى شعور بالوحدة الوطنية الحديثة، وكان ولاؤهم غالبا محليا، ما منع تشكيل جبهة موحدة ضد الغزو الخارجي، كما كان الاقتصاد غير قادر على تمويل حرب طويلة الأمد، بينما كانت الموارد المحدودة تُهدَر في ترف البلاط وسفريات حكامها إلى أوروبا.

وتابعت أنه رغم جهود الإيرانيين، كانوا يفتقرون إلى الخبرة والأدوات اللازمة لمواجهة روسيا، التي كانت آنذاك قوة إمبراطورية متوسعة، وفي عام 1813، أُبرمت معاهدة كلستان في قرية تحمل الاسم نفسه بجنوب القوقاز، وأُجبرت إيران على التنازل عن مناطق واسعة مثل جورجيا وداغستان وأجزاء من أذربيجان، بينما حصلت روسيا على حق الملاحة الحصري في بحر قزوين.

وأوضحت أنه بعد خمس سنوات فقط، في 1828، وُقعت معاهدة ترکمانجای، التي ألزمت إيران بدفع تعويضات باهظة، وخسرت حوالي 30 ألف كيلومتر مربع إضافية، شملت نحو 20 ألف كيلومتر مربع من أرمينيا الحالية، ونحو 5 آلاف كيلومتر مربع من تركيا الحالية، ونحو 5 آلاف كيلومتر مربع من أذربيجان الحالية، بما فيها نخجوان.

ولفتت إلى أن هذه المعاهدات تمثل رمزا لضعف إيران الشامل في تلك الحقبة، سواء من الناحية العسكرية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، وأظهرت مدى التأثير الذي يمكن أن تمارسه قوة خارجية منظمة ضد دولة غير متماسكة.

وأكَّدت أن القدرة الهجومية لإيران كانت في هذه الفترات محدودة للغاية، وكان الجيش الإيراني يتألف من قوات غير نظامية ويفتقر إلى المعدات الحديثة، في حين استفادت روسيا من المدفعية المتقدمة والاستراتيجيات العسكرية الأوروبية، وأدى الهزيمة في ساحة المعركة مباشرة إلى الهزيمة على طاولة المفاوضات، وتمثل هذه المعاهدات نموذجا للمفاوضات التي، في غياب جميع عوامل القوة الثلاثة، تؤدي إلى فقدان الأراضي والاستقلال.

الدبلوماسية الذكية في مواجهة القوى العظمى
أوردت الصحيفة أن أحد أبرز أمثلة المفاوضات الناجحة في التاريخ الحديث لإيران هو أزمة أذربيجان عام 1946، التي أدارها رئيس الوزراء آنذاك أحمد قوام‌ السلطنه، حتى تم التوصل إلى حل، ووقعت الأزمة بعد الحرب العالمية الثانية، عندما احتلت القوات السوفيتية شمال أذربيجان الإيراني وأنشأت حكومات تابعة مثل جمهورية مهاباد وأذربيجان الديمقراطية.

وأفادت بأن قوام سافر إلى موسكو وتفاوض مباشرة مع ستالين، وتمكن من إقناع الاتحاد السوفيتي بسحب قواته، واستخدم قوام تكتيكات ذكية، مثل وعده بمنح امتيازات نفطية، إلا أن البرلمان الإيراني رفض هذه الوعود لاحقا، كما تم متابعة المفاوضات في الأمم المتحدة، حيث أيدت الولايات المتحدة إيران في تمرير قرار يطالب بسحب القوات السوفيتية.

وذكرت أن إيران، رغم محدودية قدرتها الهجومية، نجحت بفضل ذكائها الدبلوماسي في تحقيق النصر، حيث انسحبت القوات السوفيتية في مايو/أيار 1946، منهية الأزمة، مما يبرهن على أن الدبلوماسية الذكية قادرة على تحقيق الانتصار دون اللجوء إلى الحرب.

النصر الدبلوماسي بعد حرب طويلة
أبلغت الصحيفة أنه تم اعتماد القرار 598 لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في عام 1987م من قبل إيران، مما أنهى الحرب الثمانية سنوات بين إيران والعراق، وتمثل هذه المفاوضات أحد أنجح الأمثلة في تاريخ إيران، حيث عملت جميع عوامل القوة الثلاثة بأقصى مستوياتها.

وأبرزت أن القوة الوطنية كانت في ذروتها؛ فقد دعم الشعب الإيراني الجبهات بروح اجتماعية متماسكة وحافظ على معنويات المقاومة، مما سمح لإيران بالثبات ثماني سنوات في مواجهة عدوان الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، الذي كان يتوقع انتصارا سريعا.

وبيَّنت أن القوة الهجومية لإيران كانت بارزة؛ فقد تمكنت القوات الإيرانية من الدفاع عن أراضيها بل والتوغل في أراضي العراق، ما اضطر صدام إلى قبول شروط إيران، والقوة الدبلوماسية كانت متألقة؛ فقد نجح علي أكبر ولايتي الذي كان وزير الخارجية آنذاك، في الحصول على قرار يعترف بحقوق إيران، بما في ذلك العودة إلى معاهدة الجزائر 1975 بشأن نهر أروند رود، التي عدّلت الحدود لصالح إيران.

وأفادت بأن رسالة شكر المرشد الأعلى آنذاك، التي أعاد ولايتي نشرها مؤخرا، أبرزت هذا النجاح، وهي كالتالي، وزير الخارجية ولایتي، بعد أن حققت تقدما في جهود السلام مع العراق وحفظت حقوق الشعب الإيراني، أود أن أعبر عن امتناني لكل الإخوة في وزارة الخارجية الذين، بتفانيهم وابتكارهم، قدموا خدمة كبيرة ودائمة للأمة والوطن في واحدة من أكثر المراحل حساسية وخطورة في تاريخ إيران، وأدوا واجبهم تجاه الإسلام والثورة.

وأوردت أن هذا النجاح جاء في ظل شكوك بعض المسؤولين الداخليين، بمن فيهم من أصبح لاحقا رئيسا للجمهورية، في قدرة إيران على فرض معاهدة 1975 على صدام، لكن وزير الخارجية نجح في تحقيق ذلك.

وجزمت بأن هذه المفاوضات تقدم درسا مهما اليوم؛ ففي أعقاب حرب الـ12 يوما مع النظام الإسرائيلي، حيث أظهرت إيران قوتها الهجومية، يجب أن تحوّل الدبلوماسية هذا الانتصار إلى مكاسب دائمة، وليس التشكيك في أي إمكانية للنصر كما فعل المسؤول السابق الذي افترض مسبقا ضعف قدرة إيران في فرض القرار 598.

الفشل الدبلوماسي وسط التسرّع والإهمال
سلَّطت الصحيفة الضوء على أن توقيع الاتفاق النووي برجام تم في عام 2015م، لكنه سرعان ما أصبح مثالا على المفاوضات الفاشلة، وكانت القوة الوطنية لإيران في تلك الفترة جيدة نسبيا، حيث دعم الشعب المفاوضات على أمل تحسين الأوضاع الاقتصادية، وكانت القدرة الهجومية لإيران قوية؛ فقد نجحت، بالتوازي مع التقدم في الصواريخ، في كبح جماح أدوات العمليات الأمريكية في المنطقة مثل الجماعات الإرهابية كداعش.

وأبرزت أن الضعف الرئيسي كان في القدرة الدبلوماسية، وفشل فريق المفاوضات بقيادة السياسي البارز محمد جواد ظريف في التعامل مع التفاصيل الجوهرية، ولو أظهرت المفاوضات المزيد من الذكاء، لما أصبحت آلية الزناد بهذه الصورة، بحيث كان يجب إصدار قرار آخر لاستمرار تعليق القرارات المناهضة لإيران، إذ أن الدول الغربية كانت ستتمتع بحق النقض (الفيتو) حتى لو تم التصويت على القرار، وعندها لن تفيدنا أدوات الفيتو الروسية والصينية.

وأكّدت أن الصواب كان أن يُبنى الاتفاق على استمرار تعليق العقوبات، مع توضيح أنه إذا حاول أي طرف تفعيل الآلية، يجب إصدار قرار بشأن وقف التعليق، ما يجعل حق النقض في صالحنا.

وأضافت أيضا أن أحد أسباب ضعف برجام كان الإهمال في التفاصيل، مثل إضافة كلمة «تعليق» للعقوبات الأوروبية في الملحقات، حيث لم يُنتبه لمعناها ولم تُخطر الجهات المعنية، كما اعترف عضو فريق التفاوض الإيراني حميد بعيدي نجاد بأن الفريق لم يبلغ ظريف بالتغيير في اللحظات الأخيرة.

وفي الختام أقرَّت الصحيفة بأن هذا الإهمال جعل الاتفاق ضعيفا، مما أتاح لترامب في 2018 إعادة فرض العقوبات، مؤكّدا أن أي مفاوضات بدون ضمانات قوية معرضة للفشل.