شريعتمداري يرفع سقف التحذيرات… مضيق هرمز خط أحمر والمعركة الحقيقية حول شكل الاتفاق مع واشنطن

تشهد الساحة الإيرانية تطورات سياسية متسارعة بالتزامن مع تصاعد المؤشرات الإيجابية بشأن المفاوضات بين طهران وواشنطن، وسط حديث متزايد عن تفاهمات أولية قد تمهد لمرحلة جديدة من التهدئة في المنطقة. وقد انعكست هذه الأجواء على الخطاب السياسي والإعلامي داخل إيران، حيث برزت انقسامات واضحة بين مؤيدين يرون في الاتفاق فرصة لتخفيف الضغوط الاقتصادية واحتواء التصعيد، ومعارضين يعتبرون أن أي تنازل في الملفات الاستراتيجية قد يمس أدوات القوة الإيرانية. وفي ظل تضارب التسريبات والتصريحات حول مضيق هرمز والملف النووي والعقوبات، عاد النقاش الداخلي بقوة حول حدود التفاوض مع الولايات المتحدة ومستقبل التوازنات الإقليمية بعد الحرب الأخيرة.

شريعتمداري… فتح مضيق هرمز يعني تجريد إيران من أوراق قوتها

أثارت التصريحات الأخيرة التي أطلقها حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة كيهان، الأصولية المعروفة، موجة واسعة من الجدل داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإيرانية، بعدما هاجم بصورة مباشرة ما تردد عن تفاهمات أولية محتملة بين إيران والولايات المتحدة بشأن مضيق هرمز والملف النووي، معتبرا أن أي حديث عن فتح المضيق أو تقليص النفوذ الإيراني فيه يمثل عمليا تجريدا لإيران من سلاحها الاستراتيجي في مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية.

Image

وجاءت تصريحات شريعتمداري في توقيت حساس تشهده المنطقة، وسط تصاعد التسريبات الإعلامية الغربية حول وجود مسودة تفاهم غير مباشر بين طهران وواشنطن، تتضمن تهدئة عسكرية وإعادة تنظيم حركة الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تخفيف الحصار البحري والإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة، إلا أن شريعتمداري تعامل مع هذه الأنباء باعتبارها محاولة لاختبار الموقف الإيراني الداخلي أكثر من كونها تسريبات إعلامية عادية.

وفي مقاله الأخير، عبر شريعتمداري عن استغرابه مما وصفه بغياب الشفافية من جانب المسؤولين الإيرانيين إزاء المفاوضات الجارية، مشيرا إلى أن الرأي العام الإيراني لا يحصل على معلومات دقيقة حول ما يجري خلف الكواليس، بينما تتولى وسائل الإعلام الأجنبية تسريب تفاصيل المفاوضات وصياغة الرواية السياسية المتعلقة بها، واعتبر أن هذا الفراغ الإعلامي يسمح بانتشار روايات قد تؤثر في المزاج الشعبي وتعيد تشكيل النقاش الداخلي حول الاتفاق المحتمل.

وركز شريعتمداري بصورة خاصة على ما نشرته قناة الجزيرة بشأن رفع الحصار البحري الأمريكي وفتح مضيق هرمز، معتبرا أن هذا البند، إن صح، يمثل تحولا خطيرا في فلسفة الردع الإيرانية. وبحسب رؤيته، فإن السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز لم تعد مجرد ورقة جيوسياسية، بل تحولت إلى ركيزة أساسية في معادلة الأمن القومي الإيراني بعد الحرب الأخيرة، وإلى عنصر ضغط مباشر على الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج.

Image

ويستند خطاب شريعتمداري إلى رؤية تعتبر أن إيران استطاعت، عبر فرض سيطرتها العملية على المضيق، أن تخلق توازن ردع جديدا في المنطقة، خصوصا مع تهديد حركة الطاقة العالمية والتأثير على أسواق النفط والتجارة الدولية. ولهذا شدد على أن أي تراجع عن هذه السيطرة سيفسر داخليا باعتباره تنازلا استراتيجيا يفتح الباب أمام ضغوط سياسية وعسكرية أكبر على طهران.

كما حاول شريعتمداري ربط ملف المضيق بالبعد الاقتصادي، مؤكدا أن طهران تحقق مليارات الدولارات من الرسوم والخدمات المرتبطة بحركة الملاحة، وأن التخلي عن هذه الورقة لن يعني فقط خسارة نفوذ سياسي، بل خسارة اقتصادية مباشرة أيضا. وذهب إلى أبعد من ذلك عندما اعتبر أن بقاء المضيق تحت الإدارة الإيرانية يمنح طهران قدرة على مواجهة البترودولار والتأثير في الاقتصاد العالمي من خلال التحكم بأحد أهم الممرات البحرية للطاقة.

وفي إطار تصعيده السياسي، استشهد شريعتمداري بتصريحات المرشد الأعلى الإيراني، مجتبى خامنئي، التي تحدثت عن مرحلة جديدة في إدارة مضيق هرمز، مؤكدا أن إيران لا تسعى إلى الحرب لكنها لن تتخلى عن حقوقها الشرعية في الخليج. وبذلك، بدا واضحا أن المقال لم يكن مجرد تعليق إعلامي، بل محاولة لرسم حدود النقاش الداخلي حول أي تفاهم محتمل مع واشنطن، وتحديد ما يمكن اعتباره خطا أحمر في المفاوضات المقبلة.

المعارضون للاتفاق… بين المتشددين في الداخل ودعاة إسقاط النظام في الخارج

النقاش الدائر في إيران حول الاتفاق المحتمل مع الولايات المتحدة كشف عن وجود معسكرات متعددة تعارض أي تقارب مع واشنطن، لكنها تختلف في الدوافع والأهداف والرؤية السياسية، وبينما يقود حسين شريعتمداري والتيار المحافظ المتشدد حملة التحذير من تقديم تنازلات استراتيجية، برز في المقابل تيار آخر يرى أن الاتفاق قد يهدد مصالح اقتصادية وسياسية تشكلت خلال سنوات العقوبات والتوتر.

وفي هذا السياق، تناول الكاتب الإيراني مهرداد خدير، في مقال نشره موقع عصر إيران، خريطة القوى المعارضة للاتفاق المحتمل، معتبرا أن هناك خمس فئات رئيسية ستشعر بالخسارة إذا تم التوصل إلى تفاهم بين طهران وواشنطن.

Image

الفئة الأولى تضم جماعات المعارضة الراديكالية في الخارج، وخصوصا التيارات الملكية ودعاة إسقاط النظام، الذين بنوا خطابهم خلال السنوات الأخيرة على فرضية انهيار الجمهورية الإسلامية عبر الضغوط الاقتصادية أو الحرب العسكرية، ويرى هؤلاء أن أي اتفاق جديد سيعيد تثبيت النظام الإيراني ويمنحه فرصة للخروج من أزمته الاقتصادية والسياسية، وهو ما يفسر، بحسب المقال، حالة التوتر والارتباك التي أصابت جزءا من المعارضة الخارجية مع تصاعد الحديث عن تفاهمات جديدة.

أما الفئة الثانية، فتضم المتشددين في الداخل الإيراني، الذين يرفضون أصل فكرة التفاوض مع الولايات المتحدة، ويرون أن أي اتفاق مع واشنطن سيؤدي إلى تراجع الخطاب الثوري وفقدان أوراق الضغط التي راكمتها طهران خلال السنوات الماضية، وينتمي شريعتمداري نفسه إلى هذا التيار، الذي يتعامل مع الصراع مع الولايات المتحدة باعتباره صراعا طويل الأمد لا يجوز تحويله إلى تفاهمات مرحلية أو تسويات سياسية.

ويعتقد هذا التيار أن الحرب الأخيرة وما تبعها من تحولات إقليمية منحت إيران فرصة تاريخية لإعادة رسم معادلات القوة في الخليج، ولذلك فإنه ينظر بعين الريبة إلى أي حديث عن عودة الأوضاع إلى ما قبل الحرب، سواء في مضيق هرمز أو في الملفات العسكرية الأخرى.

الفئة الثالثة، وفقا لخدير، تتمثل في المستفيدين اقتصاديا من العقوبات والتقلبات النقدية، وهم شبكات المضاربة والاقتصاد الموازي وتجار العملة والذهب، الذين راكموا ثروات ضخمة خلال سنوات الحصار. ويرى أصحاب هذا الطرح أن أي اتفاق يؤدي إلى استقرار سعر العملة أو الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة سيقلص من نفوذ هذه الفئات ويحد من الأرباح التي تحققها عبر الأزمات.

Image

ومن اللافت أن هذا الطرح الاقتصادي بدأ يحضر بقوة في النقاش الإيراني الداخلي، إذ باتت بعض الأصوات ترى أن العقوبات لم تعد مجرد أداة ضغط أمريكية، بل أصبحت أيضا مصدر نفوذ داخلي لفئات اقتصادية تستفيد من استمرار الأزمة.

أما الفئة الرابعة، فتشمل، بحسب المقال، بعض المحللين والتيارات الأيديولوجية التي بنت قراءتها للمشهد الإقليمي على فكرة المواجهة الشاملة مع الولايات المتحدة، وترى أن أي اتفاق لن يكون سوى هدنة مؤقتة قبل جولة صراع جديدة، ولهذا يرفض هؤلاء التعامل مع التفاهمات الحالية باعتبارها تحولا استراتيجيا دائما.

في حين تضم الفئة الخامسة وسائل إعلام وشخصيات سياسية معارضة للحكومة الإيرانية، تتبنى خطابا داعما للتصعيد والحرب، وتعتبر أن استمرار الضغوط العسكرية والاقتصادية قد يؤدي في النهاية إلى تغيير سياسي جذري داخل إيران.

لكن في مقابل هذه المعسكرات المعارضة، بدأت تتشكل داخل إيران أيضا أصوات تدعو إلى التعامل بواقعية مع الوضع الاقتصادي والاجتماعي، وترى أن تخفيف العقوبات واحتواء التصعيد العسكري باتا ضرورة داخلية قبل أن يكونا خيارا دبلوماسيا. ويبدو أن هذا التوازن بين منطق الردع ومنطق الإنقاذ الاقتصادي هو ما سيحدد مستقبل أي اتفاق محتمل مع الولايات المتحدة.

مضيق هرمز… الخطوط الحمراء الإيرانية وحدود التفاوض مع واشنطن

أظهرت التغطيات الصحافية المتعلقة بمضيق هرمز أن الملف لا ينظر إليه في طهران باعتباره مجرد قضية ملاحية أو تجارية، بل باعتباره ملفا سياديا يرتبط مباشرة بمفهوم الأمن القومي الإيراني، ولهذا برزت خلال الأيام الأخيرة لغة سياسية وإعلامية واضحة تؤكد أن إدارة المضيق تمثل أحد أبرز الخطوط الحمراء التي لا يمكن التراجع عنها في أي مفاوضات مع الولايات المتحدة.

وفي هذا الإطار، نفت مصادر إيرانية بصورة متكررة صحة التقارير الغربية التي تحدثت عن فتح كامل للمضيق أو عودته إلى الوضع الذي كان قائما قبل الحرب، وأكدت التسريبات القريبة من دوائر التفاوض أن ما يجري بحثه لا يتعلق بالتخلي عن السيطرة الإيرانية، وإنما فقط بتنظيم عدد السفن العابرة وإدارة حركة الملاحة وفق ترتيبات جديدة تبقي القرار النهائي بيد طهران.

Image

كما شددت التقارير الإيرانية على أن أي تسهيل لحركة الملاحة سيظل مشروطا برفع الحصار البحري الأمريكي وتنفيذ الالتزامات المقابلة من جانب واشنطن، بما في ذلك الإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة، وهو ما يعني أن طهران تتعامل مع مضيق هرمز باعتباره ورقة تفاوض متبادلة، لا تنازلا مجانيا يمكن تقديمه ضمن تفاهمات أولية.

ومن بين أبرز الخطوط الحمراء التي تكرر الحديث عنها داخل الإعلام الإيراني، رفض أي نقاش يتعلق بتجريد إيران من أدواتها العسكرية أو التخلي عن دور الحرس الثوري في تأمين المضيق، كما ترفض طهران أي صيغة تسمح بوجود ترتيبات أمنية دولية تقلص من نفوذها البحري في الخليج.

وفي السياق نفسه، برز حديث عن تصور إيراني عماني مشترك لإدارة حركة الملاحة في المضيق، في إطار تفاهمات إقليمية محدودة، من دون إشراك قوى دولية بصورة مباشرة. ويبدو أن هذا الطرح يهدف إلى تثبيت فكرة أن أمن المضيق يجب أن يبقى مسؤولية إقليمية لا دولية.

Image

وفي مقابل الرواية الإيرانية، حاولت وسائل إعلام أمريكية وإسرائيلية تقديم صورة مختلفة، تحدثت عن التزامات إيرانية تتعلق بإزالة الألغام البحرية أو تعليق تخصيب اليورانيوم أو تقليص النشاط النووي. غير أن طهران سارعت إلى نفي هذه المعلومات، مؤكدة أن الملف النووي لم يدخل أصلا في مرحلة التفاوض التفصيلية، وأن النقاش الحالي يقتصر على ترتيبات التهدئة ووقف التصعيد.

ويبدو أن معركة الروايات الإعلامية حول مضيق هرمز تعكس في جوهرها طبيعة الصراع السياسي الجاري بين طهران وواشنطن؛ فبينما تحاول الإدارة الأمريكية تصوير أي تفاهم باعتباره نجاحا دبلوماسيا يحد من النفوذ الإيراني، تسعى طهران إلى تقديمه داخليا باعتباره اعترافا أمريكيا بالأمر الواقع الجديد في الخليج.

في ضوء ذلك، يمكن القول إن تصريحات شريعتمداري الأخيرة لم تكن مجرد تعبير عن موقف صحفي أو أيديولوجي، بل جاءت كرسالة سياسية واضحة إلى الداخل والخارج معا، مفادها أن إيران قد تدخل في تفاهمات مرحلية مع الولايات المتحدة، لكنها لن تقبل، وفق الخطاب الأصولي، بأي اتفاق يمس السيادة على مضيق هرمز أو يقلص من أدوات الردع التي تعتبرها طهران أساس توازن القوى في المنطقة.