سياسي إيراني بارز: طهران بحاجة لتغيير نهجها التفاوضي بعد فشل خمس جولات سابقة

أجرت صحيفة هم‌ ميهن الإصلاحية، الأربعاء 16 يوليو/تموز 2025، حوارا مع المحلل في الشؤون الدولية، رحمن قهرمان‌ بور، حول مواقف إيران من استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة بعد الحرب الأخيرة، وشروط طهران الخاصة بهذه المفاوضات، إضافة إلى تباين مفهوم التفاوض بين إيران وإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وما يتطلبه ذلك من تغييرات في الرؤية الإيرانية.

وفي ما يلي نص الحوار:

كيف يمكن تفسير اشتراط إيران تقديم ضمان أمريكي بعدم شنّ هجوم خلال المفاوضات؟ وهل تملك الولايات المتحدة القدرة أو الرغبة في تقديم هذا الضمان؟

إيران تريد من الولايات المتحدة منع هجوم إسرائيل على إيران، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يؤكد أن ترامب هو الوحيد القادر بكلمة واحدة على إيقاف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ويُعتبر هذا الشرط مسبقا لاستئناف المفاوضات.

لكن السؤال هو: هل سيقبل ترامب بهذا الشرط المسبق أم لا؟ القبول هنا له بُعدان: الأول قانوني والثاني سياسي.

من الناحية القانونية، فإن مطلب إيران يعني أن تقدّم الحكومة الأمريكية ضمانا كتابيا أو حتى شفهيا بعدم قيام إسرائيل بمهاجمة إيران. لكن من منظور القانون الدولي، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل تُعدّان فاعلين مستقلين ومنفصلين، وبالتالي لا يمكن لترامب أن يُقدّم تعهّدا قانونيا نيابة عن إسرائيل.

أما البُعد الثاني فهو الضمان السياسي، أي أن يمنح ترامب إيران ضمانا سياسيا بعدم تعرّضها لهجوم إسرائيلي خلال فترة المفاوضات. لكن هذا الاحتمال، بالنظر إلى نهج ترامب في التعامل مع إيران، يبدو مستبعدا. فترامب منذ البداية تعامل مع الملف الإيراني في إطار ما يُسمّى الدبلوماسية القسرية، وقد كرّر هذا الموقف مرارا علنا.

ولو قدّم ترامب ضمانا بعدم شنّ أي هجوم، فالمعنى السياسي والفني لذلك هو أن واشنطن تلتزم بمسار دبلوماسي بحت، وهذا يتناقض مع المسار الذي اختاره ترامب.

ففي ولايته الثانية، يرى ترامب أن فشل سياسة الضغط الأقصى خلال ولايته الأولى يعود إلى اعتماده فقط على الدبلوماسية، دون اللجوء إلى القوة. واليوم، يعتبر ترامب أن استخدام القوة أو التهديد بها يُشكّل ركيزة للوصول إلى اتفاق، ولذلك من غير المرجّح أن يمنح إيران أي ضمان بهذا الشأن.


هل يعني هذا التفسير أن احتمال عودة إيران والولايات المتحدة إلى طاولة المفاوضات أصبح أقل بكثير مما كان عليه في السابق؟

هناك مسألتان تتعلقان بالمفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في المرحلة الأخيرة.
المسألة الأولى أنه قبل الحرب، قُدّر احتمال التوصل إلى اتفاق بنسبة 60 مقابل 40، ما عكس اختلال ميزان القوى بين إيران والولايات المتحدة، وجعل تحقيق التوازن صعبا لكنه غير مستحيل ضمن نظرية الألعاب. وكان التوصل إلى اتفاق ممكنا قبل الحرب شريطة أن يُبدي الطَّرفان استعدادا لتنازُلات متبادلة، لكن بعد خمس جولات من التفاوض، عجزا عن الوصول إلى توازن مشترك.

وبعد الحرب الأخيرة، اختلّ التوازن بين إيران والولايات المتحدة بشكل أكبر، إذ باتت واشنطن ترى نفسها في موقع أقوى، بينما تشعر طهران بأنها أضعف مما كانت عليه قبل 12 يونيو/حزيران 2025، مما جعل الوصول إلى نقطة توازن مستقر أصعب بكثير وفقا لنظرية الألعاب.

والمسألة الثانية تتعلق باختلاف فهم إيران والولايات المتحدة لطبيعة المفاوضات؛ فبينما كانت إيران تركز على التفاصيل الفنية، سعى ترامب لاتفاق عام وبسيط، كما فعل سابقا مع زعيم كوريا الشمالية، دون الدخول في تفاصيل تقنية أو تنفيذ فعلي للاتفاق.

ويعتمد ترامب في التفاوض على عقد صفقة عامة وبسيطة دون الخوض في التفاصيل الفنية أو القانونية، بعكس إيران التي تبنّت نموذجا تفصيليا يشبه مفاوضات الاتفاق النووي، بمشاركة فرق متخصصة في المجالات النووية والمالية والمصرفية.

وخلال جولات التفاوض، تجاهلت الولايات المتحدة التفاصيل الفنية، واكتفت بطرح مقترحات عامة كانت تتغيّر باستمرار، مما كشف عن تباين واضح في مقاربة التفاوض بين الطرفين. 

فبينما تسعى إيران إلى مفاوضات دقيقة ومفصلة تشمل الجوانب النووية والمالية، تميل واشنطن إلى اتفاق شامل وعام، تطلب فيه من إيران التزامات عامة دون الخوض في التفاصيل، مقابل أن يباشر ترامب برفع العقوبات بطريقة غير محددة أو مشروطة بتفاصيل فنية.

 وعلى سبيل المثال، لم تعد واشنطن تهتم بتحديد أسماء الأشخاص أو المؤسسات أو الشركات أو السلع التي ستُرفع عنها العقوبات، بل يكفي أن يتم توقيع الاتفاق، ثم يقوم ترامب باختيار العقوبات التي يريد رفعها. هذا هو أسلوب ترامب في التفاوض: صفقة شاملة من الجانبين دون تعقيد. لكن إيران لم تدخل المفاوضات بهذا التصوّر.

وقد أخطأت إيران في تقدير نهج ترامب التفاوضي، إذ ظنّت أنه رجل أعمال يرفض الحرب ويخشى رد فعل قاعدته الانتخابية. لكن أحداث 12 يونيو/حزيران 2025 والحرب التي تلتها لمدة 12 يوما كشفت أن هذا التقييم لم يكن دقيقا، وأن تجاهل تهديد ترامب الذي حدده بـ60 يوما كان خطأ.

فترامب يسعى دائما لإظهار نفسه بمظهر القوي، لذا يحرص على تنفيذ تصريحاته حتى لو كانت غير مدروسة، لتأكيد هيبته. وبناء على ذلك، فإن الظروف الحالية أصعب مما كانت عليه قبل 12 يونيو/حزيران 2025، وحتى إن عادت المفاوضات، فإن احتمال التوصل إلى اتفاق يبدو اليوم أقل من 50%.


لماذا لم يتغير موقف إيران من التفاوض وملفها النووي رغم تغيّر توازن القوى والظروف بعد الحرب؟

رغم أن إيران أضافت شرطا جديدا للمفاوضات يتعلق بضمان تجنّب العمل العسكري، إلا أن مقاربتها العامة للتفاوض لم تتغير كثيرا. فهي لا تزال تركز على التفاصيل الفنية الدقيقة كدرجة التخصيب، وكميات اليورانيوم، وأنواع العقوبات المطلوب رفعها، ومجالات الإعفاء، بعكس النهج الأمريكي الأكثر عمومية وبساطة.

وقد أثبتت الجولات الخمس من التفاوض غير المباشر بين إيران والولايات المتحدة فشل هذا الأسلوب في تحقيق نتائج، خاصة في ظل تعقيد الأزمة. لذلك، ومع الأخذ بعين الاعتبار تجربة تلك الجولات، ونهج ترامب، والهجوم الإسرائيلي، تحتاج إيران إلى مراجعة شاملة لطريقتها وفهمها لمسار التفاوض.

وتحتاج إيران إلى إجراء تقييم دقيق لتصرفات ترامب، مثل توقيته في الالتزام بتصريحاته أو تراجعه عنها، إضافة إلى فهم تطورات المطالب الأمريكية خلال المفاوضات. ويجب أن تتولى جهة متخصصة هذا التقييم لتحديد مواطن القوة والضعف في الأداء الإيراني، وتحليل اللحظات التي اقترب فيها الطرفان من التفاهم ولماذا لم يكتمل. وبدون هذا التقييم، فإن الدخول في جولة مفاوضات جديدة لن يكون مبشّرا بإمكانية التوصل إلى اتفاق.


ما دور اللاعبين الآخرين في هذا السياق؟ وهل يمكن للوسطاء مثل روسيا أو الجيران العرب لإيران أن يسهموا في تقريب وجهات النظر بين طهران وواشنطن لاستئناف المفاوضات؟

أثرت أحداث 12 يونيو/حزيران 2025 والهجوم الإسرائيلي على نظرة إيران للوسطاء، كما غيّرت نظرة الوسطاء لطهران. فعلى سبيل المثال، خابت توقعات العديد من الإيرانيين – حتى المؤيدين للتعاون مع موسكو – من موقف روسيا خلال الحرب، مما أدى إلى تراجع الثقة الإيرانية ببعض الشركاء السابقين.

وفي المقابل، فإن تقييم هؤلاء الوسطاء واللاعبين لقوة إيران العسكرية والدبلوماسية قد تغيّر بدوره بعد الحرب؛ فبعضهم قد يرى أن إيران أصبحت أضعف، بينما قد يرى آخرون أن إيران باتت في موقع أقوى.

وتُظهر التطورات الأخيرة أن الظروف لم تعد لصالح إيران، ما أثّر في نظرة الوسطاء المحتملين ودورهم. فبعض الدول، مثل سلطنة عمان، ربما لم تعد تمتلك الحافز أو القدرة كما في السابق، وإيران بدورها فقدت ثقتها الكاملة في هؤلاء الوسطاء. ونتيجة لذلك، باتت فرص التفاوض والتوصّل إلى اتفاق أكثر تعقيدا وصعوبة مما كانت عليه قبل الحرب.

بشكل عام، كيف تنظر الدول العربية في المنطقة إلى الترتيبات الجيوسياسية بعد حرب الأيام الـ12؟

الدول العربية ليست متّحدة الموقف، فالأردن ومصر لديهما اتفاقيات سلام رسمية مع إسرائيل. والأردن تواجه وضعا أمنيا هشا تجاهها، وهو جزء من المحور الأميركي ويتلقى مساعدات مالية وعسكرية، ويرتبط معها باتفاقية تجارة حرة. لذلك، من المهم تحديد الدولة العربية المقصودة عند الحديث عن الموقف.

وفي شمال أفريقيا، قطعت المغرب علاقاتها الدبلوماسية مع إيران، وطبّعت علاقاتها مع إسرائيل. وفي المقابل، تحتفظ الجزائر بعلاقات أفضل مع إيران. أما ليبيا والسودان، فهما غارقتان في نزاعات داخلية.

ما أقصده هو الدول العربية المحيطة بإيران، وأرغب في معرفة كيف تنظر هذه الدول إلى الترتيبات الأمنية في المنطقة بعد حرب الأيام الـ12؟

تعتبر دول مجلس التعاون الخليجي نفسها محور التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط والمحرك الرئيسي لتنمية المنطقة، وهو ما أكدته زيارة ترامب للمنطقة في ربيع هذا العام. ومنذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت هذه الدول الأقل تأثرا عسكريا وماليا بتطورات المنطقة.

في المقابل، شاركت دول مثل إيران وسوريا ولبنان واليمن وليبيا، وحتى إسرائيل، في نزاعات استنزفت مواردها وأثقلت كاهلها ماليا. 

أما دول مجلس التعاون، بقيادة السعودية والإمارات، فتمتلك قوة مالية كبيرة، ولم تتعرض لخسائر عسكرية، وتتمتع بوحدة داخلية قوية، مما سمح لها بالتركيز على مشاريع تكنولوجية جديدة، والطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، وتنويع اقتصادها، لتصبح محرك التنمية الاقتصادية في الشرق الأوسط، وهو مشروع حظي بدعم ترامب أيضا.

وفي هذا الإطار، أدركت هذه الدول أن إضعاف الخصوم الإقليميين يصبّ في مصلحتها. لذلك، فإن الصراع بين إيران وتركيا وإسرائيل يخدم إلى حد ما مصالح دول الخليج، لأنه يعيق تصاعد نفوذ هذه القوى الثلاث ويقلل من تهديدها للدول الأضعف في مجلس التعاون.

وتعاني دول الخليج العربي الست من نقاط ضعف دفاعية وأمنية، لكنها لا تريد أن تزداد قوة إيران بشكل مفرط، كما تقلق من تزايد نفوذ إسرائيل. لذلك، نشهد مؤخرا توجها متزايدا للسعودية نحو التقارب مع إيران وتركيا بهدف تحقيق توازن قوى ضد إسرائيل بعد حرب الأيام الـ12.

إن النظام الإقليمي في الشرق الأوسط متعدد الأقطاب، ويشهد دورا محوريا لخمس قوى رئيسية هي إيران، والسعودية، ومصر، وتركيا، وإسرائيل. وبعد تراجع قوة مصر عقب اتفاقية كامب ديفيد وخروجها الفعلي من الساحة الإقليمية بسبب ثورات الربيع العربي، تركزت المنافسة بشكل أساسي بين أربع قوى: إيران، وتركيا، والسعودية، وإسرائيل. 

وحتى 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت التنافسات الكبرى تدور بين إيران وتركيا والسعودية، مما استنزف مواردها الاقتصادية، في حين كانت إسرائيل تراقب إلى حد كبير من بعيد.

بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تبنت إسرائيل نهجا هجوميا مدعوما بتفوقها العسكري ودعم الولايات المتحدة، بهدف تغيير ميزان القوى الإقليمي لصالحها. وهذا الأمر أثار قلق دول مجلس التعاون الخليجي، لكنها لا تزال تخشى من قوة إيران. لذلك، ترى دول الخليج ضرورة منع تزايد نفوذ إسرائيل، مما دفعها إلى تعزيز التعاون مع إيران ضمن استراتيجية إقليمية لتحقيق التوازن.