- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 71 Views
كتب: الترجمان
في عالم السياسة الدولية، كثيرا ما تختلط الحقائق بالخيال العلمي، وتتحول الكائنات البحرية الوديعة إلى أدوات في صراع النفوذ والقوة. خلال الأسابيع الأخيرة، ومع تصاعد حدة التوترات في منطقة الشرق الأوسط، برزت إلى السطح واحدة من أكثر القصص إثارة للجدل والغرابة في تاريخ النزاعات البحرية؛ إنها قصة “الدلافين الانتحارية” أو “دلافين الكاميكازي”.
هذه الرواية التي بدأت كادعاء إعلامي عابر على شاشات القنوات الأمريكية، سرعان ما تحولت إلى مادة دسمة للتحليل السياسي والعسكري، لتعيد فتح ملفات قديمة تعود إلى حقبة الحرب الباردة، وتكشف عن معايير مزدوجة في التعاطي مع التكتيكات العسكرية بين القوى العظمى وخصومها.
بدأت الحكاية من أروقة شبكة “فوكس نيوز” الأمريكية، حيث خرج أحد المذيعين بادعاء مثير للدهشة، زاعما أن إيران، وفي محاولة منها لتعزيز قبضتها على مضيق هرمز ومواجهة المحاصرة البحرية التي تفرضها القوى الدولية، بدأت في تدريب دلافين وتحميلها بألغام بحرية لتنفيذ هجمات انتحارية ضد السفن المعادية.
هذا الطرح الذي وصفه المذيع بأنه “فعل يائس من نظام مأزوم”، لم يتوقف عند حدود الإثارة الإعلامية، بل وصل صداه إلى المؤتمرات الصحفية في البنتاغون، حيث وُجهت أسئلة مباشرة لوزير الدفاع الأمريكي حول حقيقة وجود هذه “الجيوش المائية” الإيرانية، مما جعل العالم يتساءل: هل نحن أمام سلاح سري جديد أم مجرد بروباغندا هوليوودية؟
بين نفي البنتاغون وفانتازيا “أشعة الليزر”
على الرغم من الزخم الإعلامي الذي أحدثته هذه التقارير، إلا أن الرد الرسمي الأمريكي جاء مشوبا بالسخرية والحذر في آن واحد. ففي المؤتمر الصحفي الأخير لوزارة الحرب الأمريكية، ساد جو من الضحك المكتوم عندما سأل أحد المراسلين عما إذا كانت الولايات المتحدة تمتلك معلومات استخباراتية حول “دلافين انتحارية” إيرانية. بيت هيغسيث، وزير الحرب الأمريكي، اختار ردا دبلوماسيا مغلفا بالغموض، حيث قال إنه لا يستطيع تأكيد أو نفي وجود برامج مماثلة لدى الولايات المتحدة، لكنه يستطيع التأكيد “بثقة” أن إيران لا تمتلك مثل هذه القدرات في الوقت الحالي.
هذا النفي لم يكن وحيدا، إذ دخل دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، على خط المواجهة الكلامية، مشبهاً هذه الادعاءات بالقصص الخيالية التي تظهر في أفلام “جيمس بوند” أو الكوميديا السوداء، مثل فكرة “القروش المزودة بأشعة الليزر”.
هذا التشبيه لم يكن مجرد دعابة، بل كان محاولة واضحة من القيادة العسكرية الأمريكية للتقليل من شأن التقارير الإعلامية التي قد تثير ذعرا غير مبرر، أو تعطي الخصم وزناً عسكرياً لا يستنده الواقع التقني والميداني.
ومع ذلك، فإن هذا الاستخفاف الرسمي يطرح تساؤلا جوهريا: إذا كانت الفكرة مضحكة إلى هذا الحد، فلماذا أنفقت القوى العظمى ملايين الدولارات على برامج مشابهة طوال عقود؟

الازدواجية العسكرية: تكتيك لنا.. واتهام لكم
تتجلى في هذه القضية ملامح الازدواجية التي تحكم الخطاب العسكري العالمي. فبينما يتم تصوير سعي أي دولة أخرى لاستخدام الثدييات البحرية كعمل “وحشي” أو “مضحك”، تفتخر الولايات المتحدة بامتلاكها واحدا من أعرق البرامج العسكرية لتدريب الثدييات البحرية في العالم.
يقع مقر هذا البرنامج في سان دييغو بولاية كالفورنيا، حيث تشرف البحرية الأمريكية على تدريب ما يقرب من 85 دلفينا وعددا من أسود البحر. هذه الكائنات ليست مجرد حيوانات أليفة، بل هي “جنود” برتب عسكرية، خضعت لتدريبات شاقة على اكتشاف الألغام البحرية، وحماية السفن من الغواصين المتسللين، وحتى انتشال المعدات المفقودة من قاع المحيط.
تاريخيا، لم تكن الدلافين الأمريكية مجرد تجربة مخبرية، بل شاركت بفعالية في نزاعات حقيقية. فمنذ حرب فيتنام، وصولا إلى تأمين ناقلات النفط في الخليج العربي خلال “حرب الناقلات” في الثمانينيات، وحتى الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، كانت الدلافين جزءا أصيلا من العمليات.
وفي ميناء “أم قصر” العراقي، استخدمت البحرية الأمريكية الدلافين لتطهير الممرات المائية من الألغام للسماح للسفن المحملة بالمساعدات والعتاد بالمرور. هنا يبرز التناقض الصارخ؛ فما يفعله البنتاغون يُصنف كـ “ابتكار استراتيجي وحماية للأرواح”، بينما يُصنف الحديث عن قيام دولة أخرى بالشيء نفسه كـ “اتهام بالجنون” أو “خرق للأعراف”.
إرث الاتحاد السوفيتي: من القرم إلى شواطئ الخليج
لفهم الجذور الحقيقية لهذا الجدل، يجب أن نعود بالزمن إلى عام 2000، وتحديدا إلى شبه جزيرة القرم. مع تراجع الاتحاد السوفيتي، وجدت أوكرانيا نفسها تمتلك إرثا عسكريا غريبا يتمثل في قاعدة تدريب سرية للدلافين العسكرية في سيفاستوبول. كانت هذه الدلافين قد دُربت من قبل الاستخبارات السوفيتية للقيام بمهام قتالية مرعبة، شملت حمل بنادق (هاربونات) مثبتة على ظهورها لمهاجمة غواصي العدو، أو حمل ألغام مغناطيسية تلتصق بجسم السفن لتفجيرها.
في ذلك الوقت، وبسبب الأزمات الاقتصادية الخانقة التي ضربت أوكرانيا، لم يعد بمقدور الحكومة توفير نفقات الطعام والرعاية الطبية لهذه الكائنات الذكية. هنا ظهر المربي الشهير “بوريس زوريد”، الذي كان ضابطا سابقا في الغواصات السوفيتية وطبيبا متخصصا، وأعلن بمرارة أنه مضطر لبيع حيواناته لإنقاذها من الجوع.
وبالفعل، قامت إيران بشراء هذه المجموعة التي ضمت دلافين، وفقمات، وأسود بحر، وحتى حوت أبيض من فصيلة “بلوغا”. نُقلت هذه الحيوانات عبر طائرات شحن ضخمة من مياه البحر الأسود الباردة إلى مياه الخليج الدافئة، مما أثار عاصفة من القلق في الصحافة الغربية التي عنونت تقاريرها بـ “إيران تشتري قتلة مأجورين بدم بارد”.

رواية رفسنجاني: دلافين للترفيه لا للتفجير
في المقابل، تقدم الرواية الإيرانية الرسمية وجها مختلفا تماما لهذه القصة. ففي مذكرات الرئيس الإيراني الأسبق، علي أكبر هاشمي رفسنجاني، والتي تحمل عنوان “الإصلاحات في الأزمات”، نجد توثيقا دقيقا لزيارته لجزيرة كيش في ربيع عام 2000. يصف رفسنجاني مشاهدته لهذه الحيوانات في “حديقة دلافين” كيش، مشيرا إلى أنها استُقدمت مع مدربيها الأوكرانيين لتكون معلما سياحيا وترفيهيا، وليس سلاحا استراتيجيا.
كتب رفسنجاني بوضوح أن المدربين والمسؤولين عن المجمع نفوا تماما الادعاءات الغربية حول التدريب العسكري، بل وأكدوا أنهم بصدد رفع دعاوى قضائية دولية ضد الوسائل الإعلامية التي تروج لهذه “الأكاذيب”.
ومن المثير للاهتمام في مذكرات رفسنجاني هو ملاحظته الشخصية حول ذكاء هذه الكائنات؛ حيث ذكر أنها كانت تستجيب لجميع الأوامر ببراعة مذهلة، لكنها كانت تخفق دائماً في التفاعل مع العروض الموسيقية، وكأن ذكاءها العسكري السابق ترك أثرا يرفض “الترفيه” المبتذل. هذه الشهادة التاريخية تؤكد أن الدلافين التي أثارت الرعب في قلوب المخططين العسكريين الغربيين، انتهى بها المطاف تقفز في حمامات سباحة لجذب السياح في واحدة من أجمل جزر الخليج.

مضيق هرمز: ساحة المعركة الرقمية والبيولوجية
اليوم، ومع تزايد الضغوط الاقتصادية والعسكرية على إيران، تعود “وول ستريت جورنال” لتؤكد أن طهران تبحث عن “ثغرات” في الاستراتيجية الأمريكية للسيطرة على مضيق هرمز. تزعم الصحيفة أن التهديد الإيراني بقطع كابلات الألياف الضوئية تحت الماء، أو استخدام أسلحة غير تقليدية مثل الدلافين الملغمة، هو انعكاس لعدم التوازن في القوى التقليدية. ولكن، من الناحية العسكرية الصرفة، يرى الخبراء أن استخدام الدلافين في القرن الحادي والعشرين قد بات تكتيكاً قديماً ومكلفاً مقارنة بالبدائل الحديثة.
ففي العصر الحالي، توفر الطائرات المسيرة والغواصات المسيرة الصغيرة (UUVs) دقة أعلى، وتكلفة أقل، وسهولة في التحكم لا يمكن مقارنتها بالكائنات الحية التي تتأثر بالجوع، والمرض، والظروف البيئية. إن فكرة “الدلافين الانتحارية” تبدو أقرب إلى محاولة إعلامية لوسم الخصم بـ “اللاإنسانية” أو “اليأس التقني”، أكثر منها تهديدا حقيقيا قادرا على تغيير موازين القوى في مضيق يمر عبره خمس إمدادات النفط العالمية.

خاتمة: الدروس المستفادة من صراع “الزعانف”
إن قصة الدلافين الانتحارية، سواء كانت حقيقة مخفية في أعماق البحر أو خيالاً يسبح في عقول المحللين، تعكس مدى التعقيد الذي وصلت إليه النزاعات المعاصرة. هي قصة تلخص صراع الروايات؛ حيث يتحول التاريخ العسكري السوفيتي إلى سياحة إيرانية، وتتحول الأبحاث العلمية الأمريكية إلى اتهامات سياسية. في نهاية المطاف، يبقى مضيق هرمز مسرحاً لأكبر عملية “شد وجذب” في التاريخ الحديث، حيث لا تُستخدم فيه الصواريخ والرادارات فحسب، بل تُجند فيه حتى الحيوانات البحرية لتكون وقوداً في معركة الإرادات الدولية. وبين نفي البنتاغون وادعاءات “فوكس نيوز” وذكريات رفسنجاني، تظل الحقيقة غارقة في مياه الخليج، بانتظار من يفك شفرتها بعيداً عن ضجيج البروباغندا.

