- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 15 Views
نشرت صحيفة «وطن امروز» الإيرانية، الأربعاء 14 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تقريرًا تناولت فيه استراتيجية استنزاف الولايات المتحدة في المواجهة مع إيران، وكيف يمكن لطهران توظيف الوقت والجغرافيا والقدرات الدفاعية والعلاقات الاقتصادية والدبلوماسية لزيادة تكاليف الضغط الأمريكي وتعزيز قوتها التفاوضية.

سياسة استنزاف الولايات المتحدة
ذكرت الصحيفة أن المواجهة بين إيران والولايات المتحدة تُصوَّر عادةً باعتبارها استخدام واشنطن أدواتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية للضغط على طهران، مقابل سعي الأخيرة إلى مقاومة هذه الضغوط، لكن هذا التصور يطرح تساؤلًا حول إمكانية تحويل الضغط إلى كلفة على فارضه.
وأوضحت أن الفرق يكمن بين مقاومة الضغوط والسعي إلى تغيير منطقها، مشيرةً إلى أن استنزاف الولايات المتحدة يمثل إطارًا تحليليًا لدراسة إمكانية تغيير حساباتها تدريجيًا، وليس بالضرورة استراتيجية رسمية إيرانية معلنة بهذا الاسم.
وأضافت أن هذه الفرضية تقوم على إمكانية توظيف إيران موقعها الجيوسياسي وقدراتها الدفاعية وعلاقاتها الإقليمية وقدرتها على التكيف، لزيادة كلفة استمرار الضغط على واشنطن.
وبينت أنه بذلك تصبح العقوبات والتهديدات جزءًا من منافسة يتحمل فيها الطرفان تكاليف، ويسعى كل منهما إلى التأثير في قدرة الآخر على مواصلة المواجهة.
من مقاومة الضغوط إلى تغيير حسابات الخصم
ذكرت الصحيفة أن هناك فرقًا بين «تحمل التكاليف» و«فرض تكاليف مقابلة»، فمقاومة الضغوط الاقتصادية والسياسية لا تعني بالضرورة تغيير المعادلة الاستراتيجية، إذ قد تتحمل الدولة الضغوط لسنوات مع استمرار القيود على التنمية والتكنولوجيا وتوسيع قدراتها الوطنية.
وأضافت أن استمرار الضغط حين يفرض تكاليف اقتصادية وأمنية ودبلوماسية وسياسية على الطرف الآخر قد يغيّر حساباته. فالمسألة لا تتعلق بخسائر إيران وحدها، بل بمدى تأثير التكاليف على الطرفين وقدرتهما على تحقيق أهدافهما.
وأوضحت أن سياسة الاستنزاف لا تستهدف بالضرورة هزيمة الولايات المتحدة عسكريًا، بل زيادة كلفة المنافسة وإطالة أمدها، بما يصعّب على واشنطن تحقيق أهدافها السياسية ويقلّص خياراتها الأقل كلفة.
وأكدت أن التفوق الاقتصادي والعسكري الأمريكي لا يضمن تحقيق نتائج سياسية متناسبة معه، مشيرةً إلى أن الفارق بين امتلاك القوة والقدرة على توظيفها لتحقيق الأهداف يمثل محورًا أساسيًا لفهم منطق الاستنزاف.
الجغرافيا.. قدرة على تغيير التكاليف الاستراتيجية
ذكرت الصحيفة أن موقع إيران المجاور للخليج العربي ومضيق هرمز يضعها في منطقة بالغة الحساسية للتجارة العالمية ونقل الطاقة.
وأضافت أن أهمية هذا الموقع لا تقتصر على موارد الطاقة، بل تشمل الأمن الإقليمي والتجارة الدولية وحسابات القوى الخارجية وتكاليف حماية الممرات الحيوية، إذ قد تؤثر أي زيادة في عدم اليقين الأمني في المنطقة على الحكومات والشركات والأسواق العالمية.
وأوضحت أن الجغرافيا لا تمثل مصدر ضعف لإيران فحسب، بل تمنحها قدرة على التأثير في الحسابات الاستراتيجية للآخرين، مشيرةً إلى أن أهمية هذا العامل تُقاس بالتكاليف المتبادلة وتداعياتها طويلة الأمد، لا بمجرد امتلاك موقع جغرافي حيوي.
الاستنزاف العسكري.. الفجوة بين القوة والنتيجة
ذكرت الصحيفة أن التفوق العسكري يوسّع خيارات الدولة، لكن استخدام القوة، خاصة في بيئة معقدة، ينطوي على تكاليف تؤثر في النتائج السياسية.
وأضافت أن التكاليف العملياتية وحماية القوات والمنشآت والحفاظ على الجاهزية ومخاطر اتساع المواجهة وتداعيات الصراع طويل الأمد، تجعل تقييم القوة استنادًا إلى المعدات والميزانية والقدرة التدميرية وحدها غير كافٍ.
وأكدت أن السؤال بشأن إيران يتمثل في مدى قدرة إمكاناتها الدفاعية والردعية على رفع كلفة استخدام القوة وجعل تحقيق الأهداف السياسية عسكريًا أكثر صعوبة، وهو ما يتطلب تقييمًا للأدلة والتهديدات وسلوك الطرفين ونتائج المواجهة.
وأوضحت ضرورة التمييز بين الردع الفعّال والتصعيد المتزايد، فرفع التكاليف على الطرف الآخر لا يضمن مكسبًا استراتيجيًا لإيران، ما لم يسهم في تقليص الخيارات العدائية وتعزيز الأمن المستدام بدلًا من خلق مخاطر جديدة.
العقوبات الاقتصادية.. كلفة على فارضها؟
ذكرت الصحيفة أن سياسة العقوبات تقوم على تقييد وصول الدولة المستهدفة إلى الموارد المالية والأسواق والتكنولوجيا والتجارة، بهدف زيادة كلفة استمرار سياساتها والتأثير في قراراتها السياسية.
وأضافت أن زيادة الضغط الاقتصادي لا تؤدي بالضرورة إلى نتيجة سياسية، إذ يعتمد تأثير العقوبات على قدرة الدولة المستهدفة على التكيف وإيجاد بدائل، ومدى اعتمادها على الخارج، وتقييم قيادتها لتكاليف التراجع.
وتابعت أن تنفيذ العقوبات يتطلب رقابة وتعاونًا ماليًا وتجاريًا من دول أخرى، إلى جانب موارد إدارية وسياسية، ما قد يجعل تطبيقها أكثر صعوبة كلما ازدادت العلاقات الاقتصادية تعقيدًا.
وأكدت أن ذلك لا يعني أن العقوبات تضر بالاقتصاد الأمريكي أكثر من الإيراني، مشددةً على أن الضغوط المفروضة على إيران حقيقية وتؤثر في التجارة والاستثمار وحياة المواطنين.
وأوضحت أن التحدي يتمثل في قدرة إيران على تعزيز إنتاجها المحلي وتنويع علاقاتها الاقتصادية وتقليل مواطن الضعف، بما يخفض العائد السياسي الذي تتوقعه واشنطن من العقوبات.
وبينت أنه بذلك، لا يعني استنزاف الولايات المتحدة انهيار اقتصادها، بل جعل تحويل الضغط الاقتصادي إلى نتائج سياسية مرغوبة أكثر صعوبة.
استنزاف التحالفات.. قيود القوة الأحادية
ذكرت الصحيفة أن أي استراتيجية للضغط الخارجي لا تُنفذ بمعزل عن محيطها. فحتى القوة التي تمتلك قدرات اقتصادية وعسكرية واسعة يتعين عليها حساب تداعيات سياساتها على علاقاتها بحلفائها وشركائها التجاريين والقوى الدولية الأخرى.
وأضافت الصحيفة أن تزايد حالة عدم اليقين في أسواق الطاقة، والمخاوف من اتساع نطاق المواجهة، والخلافات بشأن تكاليف الصراع، يمكن أن تؤدي إلى تباين مواقف الأطراف المختلفة. ولا تعني هذه الخلافات بالضرورة انهيار التحالفات أو دعمها لإيران، لكنها قد تؤثر في مستوى التنسيق ونطاق التعاون واستعداد الحكومات لتحمل تكاليف إضافية.
وتابعت الصحيفة أن المسألة بالنسبة إلى إيران لا تقتصر على ممارسة الضغط على واشنطن، بل تشمل بحث إمكانية إحداث تباينات بين الدول بشأن ضرورة سياسة المواجهة الأمريكية ونطاقها وتكاليفها. ويمكن أن تشكل الدبلوماسية النشطة، والعلاقات الاقتصادية المتنوعة، والتعاون مع الأطراف التي تمتلك مصالح مستقلة في استقرار المنطقة، جزءًا من هذه القدرة.
وأكدت الصحيفة أن أي ادعاء بتحقيق نجاح في هذا المجال ينبغي أن يستند إلى تغيرات ملموسة يمكن رصدها في سلوك الدول وقراراتها، لا إلى مجرد خلافات لفظية أو انتقادات عابرة للسياسة الأمريكية.
الزمن.. المتغير الخفي في المنافسة بين إيران والولايات المتحدة
ذكرت الصحيفة أن الزمن عامل أساسي في سياسة الاستنزاف، إذ لا يتوقف حسم المنافسات طويلة الأمد على حجم الموارد، بل يعتمد أيضًا على قدرة كل طرف على إدارة التكاليف والموازنة بين أهدافه قصيرة وطويلة الأجل.
وأضافت أن الولايات المتحدة، رغم تفوقها الاقتصادي والعسكري، تواجه قيودًا مرتبطة بتعدد أولوياتها السياسية والخارجية وتكلفة تخصيص الموارد، وفي المقابل، يمكن للطرف الأضعف الحد من تأثير الضغوط عبر تغيير أساليبه وأولوياته.
وأوضحت أن الوقت لا يصب في مصلحة إيران تلقائيًا، كما أن استمرار الضغط لا يضمن انتصار واشنطن. فإذا أدى إطالة أمد المواجهة إلى التضخم وتراجع الاستثمار وتآكل البنية التحتية، فقد تتحمل طهران تكاليف باهظة.
وتابعت أن الوقت قد يتحول إلى عامل يعزز قدرة إيران التفاوضية إذا نجحت في تطوير قدراتها الإنتاجية والتكنولوجية، وتقليل اعتمادها على الخارج، وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار الاقتصادي.
وأكدت أن معيار نجاح سياسة الاستنزاف لا يتمثل في قدرة أحد الطرفين على الصمود مدة أطول، بل في مدى اقتراب كل منهما من تحقيق أهدافه، وحجم التكاليف التي يتحملها لمواصلة المواجهة.
مخاطر الحسابات الخاطئة
ذكرت الصحيفة أن هذا التحليل ينطوي، مع ذلك، على قيد أساسي، إذ إن السعي إلى زيادة تكاليف الطرف الآخر قد يؤدي إلى تصعيد المواجهة وارتفاع التكاليف المتبادلة، وقد تؤثر الضغوط على أسواق الطاقة في الاقتصاد الإيراني أيضًا، إلى جانب المستهلكين وحلفاء الولايات المتحدة.
وأضافت أن ارتفاع المخاطر الأمنية قد يحد من الاستثمار والتجارة الإقليمية، فيما قد يؤدي تصاعد الضغط الاقتصادي إلى تفاقم مواطن الضعف الداخلية.
وبينت أنه لذلك، فإن أي سياسة تركز فقط على زيادة تكاليف الطرف الآخر، من دون تقييم تداعياتها على المصالح الوطنية الإيرانية، قد تؤدي إلى نتيجة مناقضة لهدفها.
وأوضحت أنه ينبغي تقييم سياسة الاستنزاف وفق ثلاثة معايير: أولًا، مدى تأثيرها الفعلي في حسابات الولايات المتحدة وقراراتها؛ وثانيًا، العلاقة بين التكاليف المفروضة على الطرف الآخر والتكاليف التي تتحملها إيران؛ وثالثًا، تأثير هذه العملية في قدرة إيران على التنمية وتعزيز قوتها الوطنية على المدى الطويل.
وأكدت أن هذه المعايير الثلاثة تساعد على التمييز بين الضغط الرمزي، وفرض التكاليف بصورة مؤقتة، وإحداث تغيير حقيقي في المعادلة الاستراتيجية.
من تحمل الضغوط إلى إدارة المنافسة
ذكرت الصحيفة أن تغيير معادلة المواجهة مع الولايات المتحدة يتطلب من إيران تجاوز خيارَي الاستسلام والمقاومة، والعمل على تقليل تكاليف الضغوط وزيادة كلفة تحقيق واشنطن أهدافها، مع الحفاظ على قدراتها الاقتصادية والتكنولوجية والدبلوماسية وتعزيزها.
وأضافت أن تقييم هذا النهج بالأدلة والمتابعة المستمرة يمكن أن يحوّل سياسة الاستنزاف من شعار سياسي إلى فرضية قابلة للقياس.
وأكدت أن قوة الدولة لا تقتصر على تحمل الضغوط، بل تشمل تغيير حسابات الطرف الذي يمارسها دون الإضرار بقدراتها المستقبلية. غير أن تجاوز تكاليف المواجهة قدرة إيران على التكيف والتنمية قد يؤدي إلى مضاعفة الخسائر بدلًا من تغيير المعادلة.
واختتمت الصحيفة بأن العامل الحاسم ليس إطالة المواجهة بأي ثمن، بل إدارة تكاليفها بذكاء وتحويل الصمود إلى قوة وطنية مستدامة.

