ركودٌ عقاري في طهران بعد الحرب.. وخبراء يتوقعون تراجعا في الأسعار حتى نهاية العام

ترجمة: دنيا ياسر نور الدين 

نشر موقع “تجارت نيوز” الإيراني، الثلاثاء 15 يوليو/تموز 2025، تقريرا استعرض فيه توقعات خبير الاقتصاد العقاري فردین یزدانی بشأن أوضاع سوق العقارات في طهران بعد الحرب، وركّز على تقديراته باستمرار الركود وتراجع الأسعار الحقيقية للمساكن حتى نهاية العام نتيجة انخفاض الطلب والمخاطر السياسية.

ذكر يزداني أن سوق العقارات في العاصمة الإيرانية طهران يشهد حاليا تراجع في الأسعار، خصوصا في بعض المناطق الشمالية من المدينة، والتي طالما عُرفت بفارقها السعري الكبير عن بقية المناطق. 

وأشار إلى أن العروض العقارية الأخيرة تظهر انخفاضا في أسعار بعض الوحدات، بل إن بعضها يُطرح للبيع بأقل من السعر السائد، فيما يُعرف اصطلاحا بـ”العرض تحت السعر”.

ورأي أن السوق يمر حاليا بمرحلة خاصة تشبه ما بعد الحرب، حيث شهد قطاع الإسكان طيلة عقد من الزمن زيادات متواصلة في الأسعار. ما يطرح تساؤلات جدية: هل سيستمر هذا الانخفاض؟ وهل البلاد أمام موجة هبوط طويلة الأمد في أسعار العقارات؟

تأثير انخفاض الأسعار في شمال طهران على بقية المناطق

ذكر يزداني أن تراجع الأسعار بدأ بالفعل في بعض الأحياء الشمالية من طهران، وهي المناطق التي كانت دائما الأعلى سعرا في العاصمة. 

وأوضح أن هذه المناطق، نظرا إلى تأثيرها الكبير على متوسط أسعار العقارات على مستوى المدينة بل حتى البلاد، فإن أي انخفاض فيها لا يمكن اعتباره غير مؤثر.

توقعات بتواصل الركود واستقرار الأسعار الاسمية

أضاف يزداني، أن السمة البارزة لسوق العقارات حتى نهاية العام ستكون استمرار الركود، مع انخفاض فعلي أو على الأقل استقرار في الأسعار. 

وأكد أن الظروف التي نشأت بسبب الحرب الأخيرة وبعدها قد عمقت من المخاطر المرتبطة بامتلاك الأصول العقارية.

المخاطر السياسية تؤثر على حركة السوق

ذكر يزداني أن التوترات السياسية زادت من المخاطر المتعلقة بامتلاك العقارات، إذ تراجعت السيولة في هذا السوق وأصبح من الصعب تسييل الأصول بسرعة. ونتيجة لذلك، بدأت رؤوس الأموال بالاتجاه نحو أسواق أخرى أكثر سيولة، ما تسبب في تراجع عام في الطلب على العقارات.

وأوضح أن هذا الانخفاض في الطلب لا يقتصر على مناطق معينة، بل هو ظاهرة عامة، إلا أن طهران- التي كانت هدفا رئيسيا خلال الحرب التي استمرت 12 يوما- شهدت انخفاضا أكثر حدة في الطلب.

انتقال الطلب من العاصمة إلى الشمال

أضاف يزداني أن ما يحدث حاليا في سوق العقارات يتسم ببعض التصرفات غير المعتادة، والتي قد تكون مؤقتة. لكن من الناحية الواقعية، فإن تراجع الأسعار في طهران دفع جزءا من الطلب إلى مناطق أكثر أمانا في شمال البلاد، الأمر الذي جعل من المتوقع تسجيل نمو في الأسعار هناك، بفعل ارتفاع الطلب.

وأشار إلى أن المخاوف الأمنية دفعت العديد من السكان إلى تغيير خططهم، فبدلا من البقاء في العاصمة، بدأوا بالانتقال إلى مناطق أخرى، وهو ما ساهم في تحويل الطلب على العقارات خارج طهران.

وأكد أن الركود الذي بدأ في سوق العقارات قبل نحو عامين، قد اشتدّ مؤخرا، ومن غير المرجح أن يزول في المستقبل القريب. بل إن استمرار حالة القلق قد يؤدي إلى تفاقم هذا الركود، بحسب يزداني، الذي أشار أيضا إلى أن انخفاض السيولة في قطاع العقارات مقارنة بالذهب أو العملات الصعبة، يجعل السوق أقل جذبا للمستثمرين.

انسحاب الاستثمارات بسبب ضعف السيولة

قال يزداني: “إن عدم قدرة المستثمرين على تسييل ممتلكاتهم العقارية بسهولة، جعلهم يحجمون عن ضخ استثمارات جديدة، ما أدى إلى تراجع في الطلب الاستثماري، فضلا عن تراجع الطلب الاستهلاكي بسبب الظروف السائدة. وهو ما يجعل من الانخفاض في أسعار العقارات أمرا واردا في الأفق القريب”.

وأردف أن هذا الوضع لم يكن وليد اللحظة، بل إن التوقعات قبل الحرب أيضا لم تكن مبشّرة من ناحية السيولة في السوق. إلا أن اندلاع الحرب جعل الأمور أكثر تعقيدا، وأبعد إمكانية تعافي السوق في المدى القصير.

مناطق ضربتها الحرب تشهد أقل معدلات الطلب

أشار يزداني إلى أن العروض العقارية تُظهر أن أكبر نسبة انخفاض في الأسعار سُجلت في الأحياء التي تضررت بفعل الحرب الأخيرة، حيث لا يُسجّل فيها أي طلب فعلي على شراء العقارات، ما يعكس حجم الركود في تلك المناطق.

انخفاض حقيقي لا اسمي في الأسعار

بيّن يزداني أن من المتوقع استمرار الانخفاض في الأسعار الحقيقية للعقارات، لا الأسعار الاسمية. موضحا أن الأسعار الاسمية قد تبقى ثابتة، ولكن مع استمرار التضخم، فإن القيمة الحقيقية لهذه الأسعار تتراجع. وشدد على أن هذا لا يعني بالضرورة أن أسعار العقارات ستنهار أو تنهار بشكل لافت، إذ إن هناك عوامل أخرى مثل التكاليف المرتفعة للبناء التي تعرقل هذا السيناريو.

تباطؤ مشاريع البناء وتزايد المخاوف التمويلية رغم استمرار الدعم الحكومي

قال يزداني، إن قطاع البناء يمر حاليا بمرحلة تباطؤ ملحوظ نتيجة تعقيدات مستمرة في سلاسل الإمداد، ما أثر سلبا على وتيرة تنفيذ المشاريع الإنشائية. وأوضح أن هذا التباطؤ مرشح للاستمرار خلال الفترة المقبلة، في حال لم تحدث تغييرات إيجابية على الصعيد السياسي تدفع نحو تحفيز السوق وتسهيل العمليات اللوجستية المرتبطة بالبناء والتشييد.

وأشار إلى أن حالة الحذر والترقب تسيطر على المستثمرين في سوق العقارات، إذ ينتظر كثيرون اتضاح الرؤية المستقبلية قبل اتخاذ قرارات استثمارية جديدة. ولفت إلى أن الاستثمارات الخاصة شهدت تباطؤا لافتا في الأشهر الأخيرة، الأمر الذي انعكس على حجم المشاريع الجديدة المطروحة في السوق. وفي المقابل، تشهد المشاريع التي تم البدء بتنفيذها في فترات سابقة تأخيرا في مراحل العمل، ما أدى إلى تراجع وتيرة العرض في السوق العقارية.

وأضاف أن استمرار هذا الوضع، في ظل غياب أي تحولات مفاجئة أو قرارات سياسية داعمة، قد يؤدي إلى مزيد من الانكماش في المعروض العقاري، وهو ما سينعكس على أسعار الإيجارات وقيمة العقارات خلال الأشهر القادمة.

المشاريع الحكومية مستمرة لكن التحديات قائمة

رغم التحديات التمويلية التي تواجهها البلاد، أكد يزداني أن المشاريع الإسكانية المدعومة من قبل الحكومة، وعلى رأسها مشروع “النهضة الوطنية للإسكان”، لا تزال مستمرة. وبيّن أن الحكومة تعتبر هذه المشاريع جزءا أساسيا من سياساتها الاجتماعية والتنموية، وبالتالي ستسعى جاهدة للإبقاء عليها ضمن أولوياتها، حتى وإن اضطرت إلى تقليص حجم التمويل المخصص لها.

وأردف أن تنفيذ هذه المشاريع لا يخلو من صعوبات، خاصة في ظل الأضرار الواسعة التي لحقت بالبنية التحتية والمباني السكنية جراء الحرب، ما يجعل من الصعب إنجاز خطط الإسكان بالسرعة المطلوبة. وأشار إلى أن تحديات التمويل والارتفاع الحاد في أسعار مواد البناء والتأخير في شحنها تسهم مجتمعة في تعقيد مشهد إعادة الإعمار.

ركود متواصل رغم احتمالات الاستقرار السياسي

وفي ما يخص آفاق السوق العقارية في المستقبل القريب، أشار يزداني إلى أن حالة الركود مرجحة للاستمرار حتى مع تحقّق نوع من الاستقرار السياسي، إذ أن المؤشرات الحالية لا توحي بوجود انتعاش قريب. وأوضح أن حالة الجمود في السوق قد تستمر حتى نهاية فصل الصيف، دون تسجيل ارتفاعات ملحوظة في أسعار العقارات أو حدوث حراك استثماري واسع.

وأكد أن عودة الاستقرار السياسي لا تعني بالضرورة استعادة النشاط الاقتصادي، حيث تبقى السياسات الاقتصادية المتبعة، ومدى جاهزية البنية التحتية، وحجم الأضرار التي لحقت بالمناطق السكنية من العوامل الحاسمة في تحديد مستقبل السوق. كما شدد على أن البلاد بحاجة إلى خطة متكاملة لإعادة إعمار الوحدات السكنية المتضررة، إلى جانب توفير حلول سريعة ومؤقتة لإيواء العائلات التي فقدت منازلها، وذلك قبل الحديث عن تعاف حقيقي في سوق العقارات.